عجـــز المــوازنــــة وأزمـــة كورونـــا

كيف ستتعامل الموازنة العامة للدولة مع الأعباء والتكاليف الناجمة عن حزمة السياسات والإجراءات التى أعلنتها الحكومة المصرية للحد من الآثار السلبية المترتبة على انتشار فيروس كورونا؟  هذا هو التساؤل الأساسي المطروح حاليا، خاصة انه يتزامن مع بدء مناقشات البرلمان لمشروع موازنة العام المقبل 2020/2021. ويرجع السبب فى ذلك الى أن كل الإجراءات المزمع تطبيقها سوف تؤثر بالسلب على الموازنة نتيجة للأعباء الإضافية، سواء تعلق هذا بالحزمة الأولى المقدرة بمائة مليار جنيه، أو ما تلاها من إجراءات مثل زيادة بدل العدوى للأطباء وهيئات التمريض، ورفع مكافأة أطباء الإمتياز إلى 2200 جنيه لنحو 12 ألف طبيب، فضلا عن صرف مستحقات أصحاب المعاشات…

عبد الفتاح الجبالي

كيف ستتعامل الموازنة العامة للدولة مع الأعباء والتكاليف الناجمة عن حزمة السياسات والإجراءات التى أعلنتها الحكومة المصرية للحد من الآثار السلبية المترتبة على انتشار فيروس كورونا؟ 

هذا هو التساؤل الأساسي المطروح حاليا، خاصة انه يتزامن مع بدء مناقشات البرلمان لمشروع موازنة العام المقبل 2020/2021. ويرجع السبب فى ذلك الى أن كل الإجراءات المزمع تطبيقها سوف تؤثر بالسلب على الموازنة نتيجة للأعباء الإضافية، سواء تعلق هذا بالحزمة الأولى المقدرة بمائة مليار جنيه، أو ما تلاها من إجراءات مثل زيادة بدل العدوى للأطباء وهيئات التمريض، ورفع مكافأة أطباء الإمتياز إلى 2200 جنيه لنحو 12 ألف طبيب، فضلا عن صرف مستحقات أصحاب المعاشات عن فارق العلاوات الخمس التى ستكلف الخزانة العامة نحو 35 مليار جنيه، ناهيك عن إسقاط الضريبة العقارية عن بعض القطاعات وتأجيل سداد بعض المستحقات والرسوم، وكلها أمور تهدف إلى زيادة الطلب المحلى وإعادة النمو عن طريق زيادة القوى الشرائية للأفراد والشركات.

ويتوقف نجاح هذه السياسة على توقيت اتخاذ القرارات والحجم المناسب للإنفاق وكذلك التنوع فى الإجراءات، بحيث تغطى كل الجوانب، وكذلك التمتع بالإستقرار والإستمرارية. وكلها أمور تجعلنا نتعامل مع الموازنة القادمة بمنهجية مختلفة تماما لأنها وبحق موازنة استثنائية بكل المعايير وتأتى فى ظروف استثنائية، نتيجة للتراجع فى النمو وبطء النشاط فى قطاعات الاقتصاد القومي، وتراجع أسعار النفط عالميا، فضلا عن انسحاب الإستثمارات الأجنبية من أسواق الدول الناشئة، وانسحاب الأجانب من سوق الدين المصرى فتراجعت من 28 مليار دولار الى 14 مليارا، وكلها أمور تزيد من الفجوة التمويلية. وهنا نلحظ أن المشروع المقترح من جانب وزارة المالية يكاد يسير على نفس النهج السابق، حيث يهدف الى خفض العجز الكلى إلى نحو 6.3% من الناتج وتحقيق فائض أولى يسمح باستمرار خفض الدين العام لأجهزة الموازنة وهى أهداف مشروعة فى الظروف الطبيعية، ولكن فى ظل الأزمة أعتقد أن الموضوع يختلف إذ لا يجب التمسك بتحقيق فائض أولى أو حتى بخفض العجز فى الموازنة، بل على العكس يمكن السماح بتحريك العجز عن طريق زيادة الإنفاق العام ولا يعنى ذلك التضحية بالعجز ولكن يشير ببساطة إلى المستوى الذى يصبح عنده الإقتصاد قادرا على النمو دون مشكلات تضخمية أو ركود، وهو مستوى يجب البحث عنه بدقة وعناية فى ضوء الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية الراهنة. وهو ما يتطلب بالضرورة تحول النقاش من حجم العجز إلى مكونات الإنفاق العام وهيكل الإيرادات العامة. 

فقد يكون من الأجدى والأنفع السماح بزيادة العجز فى الموازنة شريطة أن يؤدى ذلك الى تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية عريضة، فزيادة الاستثمار العام كنسبة من الناتج لتحسين البنية الأساسية المادية لتسهيل الإستثمار الجاد والمنتج، قد تؤدى إلى ارتفاع نسبة العائد على رأس المال أو إلى إنتاج سلع وخدمات لن يقوم القطاع الخاص بتوفيرها. كما أن الإنفاق العام على الصحة والتعليم يزيد من رأس المال البشرى وبالتالى يعد بمنزلة استثمار قومى جيدا يقوم بتغطية تكاليفه من خلال زيادة الإنتاجية وزيادة الدخول. ويتمثل التحدى فى ضمان مستوى من الإنفاق يتسق مع الاستقرار الاقتصادي الكلى، ثم يتم بعد ذلك هيكلة الإنفاق كجزء من الإصلاح الشامل. وبالتالى لابد من زيادة الإنفاق العام وضمان كفاءته، وتوسيع الحيز المالى القابل للإستدامة، وبما يسمح بتنفيذ السياسات المرغوبة لتحقيق التنمية الإحتوائية ويسهم فى تحقيق الاستقرار الإقتصادى ويعمل على ضمان وصول ثمار النمو إلى الفقراء والطبقة الوسطى وذلك عن طريق التصميم الجيد للسياسة المالية على جانبى الإيرادات والمصروفات. 

وهناك العديد من المجالات التى يمكن التحرك فيها ويأتى على رأسها مشاركة الدول المدينة فى المطالبة بالإعفاء من دفع فوائد الديون المستحقة عليها، سواء للمؤسسات الدولية أو على المستوى الثنائي، يضاف إلى ذلك الخفض الكبير فى فوائد الديون المحلية، الناجم عن سياسة البنك المركزي. وثانيا يجب العمل على تحصيل حق الخزانة العامة فى الفوائض المحققة لدى الوحدات المملوكة للدولة. وهنا نلحظ أن الفوائض المحولة من هذه الجهات، لم تعد تتناسب مع الأموال المستثمرة فيها ومع ما تسهم به الموازنة فى هذه الجهات إذ تشير الإحصاءات الختامية إلى أن إجمالى فائض الحكومة الذى تم تحويله إلى الخزانة العامة من الهيئات الاقتصادية قد وصل إلى 26 مليار جنيه في ختامي 2018/2019 من إجمالي ربح وصل إلى 70 مليار جنيه، وذلك كنتيجة لإحتفاظ معظم الهيئات بصافى الأرباح بالكامل، أو بمعظمها لديها كفائض مرحل أو إحتياطيات. 

فعلى سبيل المثال أعلن أحد البنوك العامة تحقيق ربح يصل إلى 20 مليار جنيه والبنك الآخر حقق 8 مليارات، بينما الفائض المحول للخزانة العامة من البنوك العامة ككل بلغ 2408 ملايين جنيه، ومن المفارقات أنها حصلت على دعم بلغ 700 مليون لتصبح صافي العلاقة 1708 مليون فقط وبالمثل لم تحول المصرية للإتصالات (والتى تملك الخزانة العامة 8 0% من أسهمها) 341 مليون جنيه فقط ختامى 2017/2018 وكلها أمور تطرح بشدة طبيعة العلاقة بين هذه الكيانات والخزانة. 

ومن الأمور المهمة فى هذا الصدد رؤية مسئولى هذه الكيانات للعلاقة مع الموازنة حيث يعتقدون أن من حقهم التصرف الكامل فى الفائض المحقق لديهم، وبالتالى يقومون بتمويل العديد من الأنشطة الاجتماعية والثقافية بأموال طائلة بزعم المسئولية الاجتماعية وأنهم خارج الموازنة، لذا أصبح من الضروري العمل على إعادة النظر فى توزيع الفائض لدى الهيئات الاقتصادية ككل حيث لا توجد قواعد موحدة لتوزيع فائض العمليات الجارية، لذا وجب إصدار تشريع لتعديل القوانين المنظمة لهذه المسألة. من هنا فان علاج العجز ينبغى ان ينطلق من عدة مبادئ أساسية يأتى على رأسها أن العلاج لا يعنى القضاء عليه بل الوصول به إلى مستويات مقبولة مجتمعيا. وأن هذا العلاج سوف تترتب عليه تكاليف معينة يجب أن تتحملها الطبقات القادرة. وان علاج العجز يجب أن يتم على مدى زمنى متوسط وطويل وليس على المدى القصير.

نقلا عن جريدة الأهرام، نُشر في 15 أبريل 2020 

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب