قراءات وعروض

بعد مقتل سليماني… ما زال السؤال مطروحًا حول مستقبل فيلق القدس: رؤية إيرانية

فيلق القدس بعد قاسم سليماني بعد مقتل قائد فيلق القدس الإيراني السابق “قاسم سليماني”، في ضربة جوية أمريكية قرب مطار بغداد الدولي بالعراق، في الثالث من يناير الماضي، قام المرشد الإيراني “علي خامنئي” بعد ساعات بتعيين العميد “إسماعيل قاآني” خلفًا له، ليرث الأخيرُ الملفات السياسية والعسكرية الأمنية الإيرانية الخارجية التي كانت تُدار عن طريق سلفه “سليماني”. وقد أثيرت تساؤلاتٌ عدة حول قدرة “قاآني”، الذي يُعد أحد أبرز المشاركين في حرب الخليج الأولى خلال الفترة (1980-1988) ونائب “سليماني” حتى يوم مقتله، على إدارة هذه الملفات الخارجية بالطريقة نفسها التي كان يعمل بها “سليماني”.  وفي هذا الصدد، كتب “مراد ويسي”، المحلل العسكري…

علي عاطف

فيلق القدس بعد قاسم سليماني

بعد مقتل قائد فيلق القدس الإيراني السابق “قاسم سليماني”، في ضربة جوية أمريكية قرب مطار بغداد الدولي بالعراق، في الثالث من يناير الماضي، قام المرشد الإيراني “علي خامنئي” بعد ساعات بتعيين العميد “إسماعيل قاآني” خلفًا له، ليرث الأخيرُ الملفات السياسية والعسكرية الأمنية الإيرانية الخارجية التي كانت تُدار عن طريق سلفه “سليماني”.

وقد أثيرت تساؤلاتٌ عدة حول قدرة “قاآني”، الذي يُعد أحد أبرز المشاركين في حرب الخليج الأولى خلال الفترة (1980-1988) ونائب “سليماني” حتى يوم مقتله، على إدارة هذه الملفات الخارجية بالطريقة نفسها التي كان يعمل بها “سليماني”. 

وفي هذا الصدد، كتب “مراد ويسي”، المحلل العسكري الإيراني وعضو الهيئة التحريرية لموقع “راديو فردا” الأمريكي الناطق باللغة الفارسية، مقالًا مطوّلًا في الموقع في 3 أبريل الجاري، تناول فيه مستقبل فيلق القدس في منطقة الشرق الأوسط، من حيث قدرته على الاستمرار في حفظ مصالحه في العراق وسوريا، وقدرة الفيلق العسكرية في العراق وسوريا بعد “سليماني” الذي كان يستغل كثيرًا علاقاته الشخصية في تحقيق أهداف النظام الإيراني بشكل عام بالمنطقة. ولأهمية هذا المقال، نعرض فيما يلي أهم ما جاء فيه.

1- “إسماعيل قاآني” وفقدان السيطرة على الجماعات الشيعية المسلحة وقادة الأكراد في العراق

تطرق الكاتب في هذا المحور للعلاقة بين الجماعات الشيعية المسلحة في العراق والنظام الإيراني، من حيث قدرة الأخير على السيطرة عليها، وإجبارها على الاستمرار في تحقيق الأهداف الإيرانية من عدمه. وطرح المقال عددًا من المؤشرات المهمة في هذا الإطار:

أ- عدم تنصيب رئيس وزراء جديد في العراق هو “ضربة خطيرة” لنفوذ إيران

منذ تقديم رئيس الوزراء العراقي السابق “عادل عبدالمهدي” استقالته وموافقة البرلمان عليها في أوائل ديسمبر 2019، لم يستطع النظام الإيراني حتى الآن توحيد الجماعات الشيعية المختلفة والتوصل إلى اتفاق معها حول هُوية خلفه. وفي هذا الصدد، تطرق الكاتب إلى أن النظام الإيراني لم يستطع حتى الآن توحيد الجماعات الشيعية في العراق للتعاون من أجل تنصيب رئيس وزراء جديد. يقول “ويسي”، إن ثلاثة أشهر مرت على هذه الاستقالة في ظل قيادة “قاآني” لفيلق القدس ولم يتوصل العراق حتى الآن إلى رئيس وزراء جديد؛ بسبب عدم قدرة “قاآني” على إجبار هذه المجموعات للعمل معًا من أجل مصالح إيران. وأوضح “ويسي” أن “سليماني” كانت لديه القدرة على إجبار هذه الجماعات وقادتها العسكريين على التعاون معًا للتوصل إلى حل لمثل هذه المسائل، خاصة الأكثر نفوذًا فيما بينهم. 

إن “سليماني”، حسبما ذكر المقال، كان يوظف اختلاف الجماعات الشيعية في العراق ورغبة كلٍّ منها في التقرّب إلى النظام الإيراني في السيطرة عليها كلها، كما كان يستخدم ذلك في إجبارها على الالتزام بالمصالح الإيرانية؛ إلا أن “نظرة إلى عدم توافق الجماعات الشيعية المختلفة لمدة 3 أشهر (تحت قيادة قاآني) على رئيس وزراء جديد، يبرز لنا أن إسماعيل قاآني لم يستطع ممارسة ضغوط فعّالة على الجماعات الشيعية المختلفة” لتحقيق هذا الهدف. ويتجلى ذلك الاختلاف بين الجماعات الشيعية العراقية في تقارب ائتلافات الفتح بزعامة “هادي العامري” ودولة القانون بزعامة “نوري المالكي” من جانب، وائتلاف سائرون بزعامة “مقتدى الصدر” من جانب آخر. كما كان أنصار الصدر يدعمون محافظ النجف السابق “عدنان الزرفي” لرئاسة الوزراء، قبل اعتذاره في 9 أبريل عن تشكيل الحكومة الجديدة، على خلاف أغلب التيارات الأخرى. 

وحذّر كاتب المقال من أن استمرار عدم قدرة الحرس الثوري الإيراني على تنصيب رئيس وزراء جديد في العراق سوف يمثل أبرز هزيمة لإسماعيل قاآني خلال بداية قيادته لفيلق القدس، كما أنه سيشكل “ضربة خطيرة” لنفوذ إيران وفيلق القدس نفسه داخل العراق.

ب- تصاعد نفوذ “مقتدى الصدر” بعد مقتل “سليماني” يشكل تهديدًا جديًّا للنفوذ الإيراني في العراق

يمثل رجل الدين العراقي البارز “مقتدى الصدر” عاملًا مهمًّا في التركيبة السياسية الداخلية منذ سقوط النظام العراقي السابق بقيادة “صدام حسين” عام 2003، كما يَنظر إليه النظام الإيراني الحالي دائمًا بعين الشك والريبة والقلق كذلك؛ لعدم ولائه الكامل له. وفي هذا الصدد، يقول الكاتب إن “الصدر” يمزج في رؤيته السياسية بين العداء للولايات المتحدة بشكل أساسي وعدم قبول توسع النفوذ الإيراني داخل العراق بشكل آخر، ما جعل علاقته بالنظام الإيراني متوترة في بعض الأحيان.

وأوضح “مراد ويسي” في مقاله أن “قاسم سليماني” كان “يستثمر” دائمًا في قضية عداء “الصدر” للولايات المتحدة من أجل جذبه إلى إيران والتعاون معه، وكلما حاول “الصدر” تأجيج المشاعر القومية العراقية ضد إيران، كان “سليماني” يتدخل للتعامل معه بشكل سياسي بغية ثنيه عن ذلك، ومن ذلك دعوته المتكررة لزيارة إيران، ونشر صوره إلى جانب “خامنئي” وقادة بارزين في النظام، كقاسم سليماني قبل مقتله، في وسائل الإعلام من أجل الدعاية السياسية، وذلك كما حدث في شهر سبتمبر 2019.

وتناول الكاتب تفاقم النزاع بين “الصدر” والتيارات السياسية العراقية الأخرى وسياسيين بارزين، مثل: “هادي العامري”، و”نوري المالكي”، في مختلف القضايا التي من أبرزها تعيين رئيس وزراء جديد. واصفًا “الصدر” بأنه “من العقبات الرئيسية أمام تعيين رئيس وزراء جديد مقرب من إيران في العراق”. وحذر الكاتب من أن عدم قدرة “قاآني” على السيطرة على “مقتدى الصدر” وجذبه لوجهات النظر الإيرانية، كما كان يفعل “سليماني”، سوف يفاقم من المشكلات الخطيرة أمام الحرس الثوري في العراق.

ج- تحديات أمام فيلق القدس في كردستان العراق

يُعد الأكراد من أهم اللاعبين السياسيين داخل العراق في الوقت الحالي، ويساهمون بدورهم في الحياة السياسية العراقية عن طريق “الحزب الديمقراطي الكردستاني” و”الاتحاد الوطني الكردستاني”. يقول الكاتب إن انتخاب رئيس وزراء جديد في العراق يحتاج إلى دعم من الأكراد بشكل رئيسي. مضيفًا أنه في بلد مثل العراق تلعب العلاقات الشخصية بين السياسيين والقبائل دورًا مهمًّا في العملية السياسية.

وبحسب الكاتب، كان “قاسم سليماني” يستغل الطابع القبائلي لنسج علاقات شخصية مع زعماء الأكراد، خاصة زعيم الحزب الديمقراطي “مسعود برزاني”، ورئيس إقليم كردستان العراق “نيجيرفان بارزاني”، من أجل “تحقيق مهام فيلق القدس”. وأوضح “ويسي” أن “قاآني” يفتقد إلى هذه الخاصية بعدم نسجه علاقات مثلها مع قادة الأكراد، إلى الحد الذي جعل السفير الإيراني الحالي في العراق “إيرج مسجدي” أكثر فعالية منه، بسبب علاقاته القريبة مع الأكراد. ووصف الكاتب افتقاد “قاآني” لهذه العلاقات بأنها “نقطة ضعف خطيرة” سينتج عنها مواجهته إلى جانب الفيلق مشكلات أكبر داخل العراق في المستقبل. 

د- فشل الحرس الثوري في تنصيب خليفة يماثل “أبو مهدي المهندس” يهدد نفوذ طهران في العراق

أورد الكاتب الإيراني تحديًا آخر يواجهه الحرسُ الثوري الإيراني في العراق بعد مقتل “سليماني”، وهو عدم قدرة الحشد الشعبي العراقي على إيجاد خليفة لأبو مهدي المهندس، الذي قُتل إلى جانب “سليماني” في العملية الأمريكية، يماثله من حيث النفوذ والتأثير والقبول لدى جميع فصائل الحشد الشعبي. وتشكل هذه القضية مشكلة للحشد والحرس معًا، بل ولاستمرار نفوذ إيران في العراق، حسبما وصف “ويسي”. 

فعلى الرغم من أن الدستور العراقي ينص على أن رئيس الوزراء هو القائد العام، إلا أن “القائد الفعلي للحشد الشعبي كان “أبو مهدي المهندس” الذي كان منصبه الرسمي هو نائب رئيس الحشد الشعبي”. وأكد الكاتب أنه ليس من اليسير تنصيب قائد جديد للحشد يتمتع بخبرة المهندس العسكرية واتفاق جميع هذه الفصائل بشأنه. فقد حارب “المهندس” إلى جانب النظام الإيراني ضد العراق (1980-1988)، وتزعم منظمة بدر التي كان من بين عناصرِها العديدُ من القادة البارزين في الحشد في الوقت الحاضر، مثل “هادي العامري” الذي يترأس هذه المنظمة حاليًّا. 

وأكد الكاتب أنه حتى مع نجاح فصائل الحشد الشعبي في تنصيب قائد جديد لها، فإن هذه الشخصية الجديدة لن تستطيع أن تتمتع بالنفوذ والقوة التي كانت لدى “أبو مهدي المهندس” في وقت قصير. وأبرز “مراد ويسي” التخبط الذي أصاب الحشد بعد مقتل “المهندس” في إعلانه أولًا عن تنصيب “هادي العامري”، ثم لاحقًا “عبدالعزيز المحمداوي” محل “المهندس”.

ومع ذلك، يصف الكاتب أن الفرق بين “المهندس” و”المحمداوي” كبير؛ حيث إن الأخير لا يتمتع بالخبرة والتجربة والنفوذ الذي كان لدى “المهندس” والذي كان يخضع له أفراد بارزون في الحشد مثل “هادي العامري” و”قيس الخزعلي”، زعيم “عصائب أهل الحق”، وآخرين. وكان “المهندس” قبل تشكيل الحشد يترأس “العامري”؛ إلا أن الأخير كان يترأس “المحمداوي” في منظمة بدر، لذا ليس من اليسير خضوع أفراد مثل العامري للمحمداوي. وخلص “ويسي” إلى أن الحرس الثوري سوف يضطر في المستقبل القريب إلى توثيق علاقاته من جديد مع الحشد الشعبي.

2- تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وفيلق القدس

بعد تناول الكاتب للتحديات الإيرانية الجديدة في العراق، تطرق إلى طبيعة العلاقات الحالية والمتوقعة مستقبلًا بين الولايات المتحدة من جانب وفيلق القدس والجماعات التابعة له من جانب آخرَ. وأكد “ويسي” أن التغيير قد طرأ بالفعل على علاقات الطرفين بعد الاعتداءات المتكررة للحشد الشعبي ضد السفارة الأمريكية ببغداد ومقتل “سليماني” في يناير الماضي، لتصبح سياسة الولايات المتحدة “هجومية” في التعامل مع هذه الأطراف، بعد أن كانت تحاول عدم الاصطدام.

وأوضح الكاتب أن الدلائل تشير إلى رغبة واشنطن الاستمرار في هذه السياسة، واستهداف باقي عناصر الحشد الشعبي البارزين. ومن بين هذه المؤشرات استهداف المسئول عن ملف اليمن لدى فيلق القدس “عبدالرضا شهلايي”، في ضربة بالقرب من صنعاء باليمن، برغم فشلها لاحقًا. وقد أوجدت هذه المؤشرات “اختلافات كبيرة بين فترة قيادة سليماني وقاآني في فيلق القدس”، حيث إن سياسة واشنطن أصبحت “أكثر هجومية” عن ذي قبل وعن مرحلة “قاسم سليماني”، لتصبح حياة “قاآني” نفسه مهددة بنفس مصير “سليماني”.

للاطلاع على نص المقال: 

مراد ويسي، نیروی قدس پس از قاسم سلیمانی، راديو فردا، 3 أبريل 2020. متاح على الرابط التالي: https://www.radiofarda.com/a/irgc-quds-force-after-soleimani/30527564.html

علي عاطف