تنمية ومجتمع

إيران: نظام صحي جيد لم يصمد بسبب إدارة سياسية فاشلة لأزمة (كوفيد-19)

أربعة عقود من الإصلاح الصحي في إيران راحت هباء مع انتشار فيروس كورونا المستجد أو ما يُعرف بـ(كوفيد-19)، فيوميًّا يتم الإعلان عن إصابة الآلاف من المواطنين ووفاة المئات منهم بسبب هذا الفيروس القاتل. وعلى الرغم من إعلان الحكومة الإيرانية في السابق أنها ستحقق التغطية الصحية الشاملة بحلول عام 2025، إلا أن أغلب المصابين بالفيروس لا يجدون أماكن للعلاج داخل المستشفيات. فسرعة انتشار الفيروس تفوق بكثير الجهود الإيرانية المبذولة في القطاع الصحي. مراحل عملية الإصلاح الصحي في إيران قامت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية بين المواطنين، وأدت الثورة إلى إدخال تعديلات جوهرية على الدستور الإيراني، بجانب…

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة

أربعة عقود من الإصلاح الصحي في إيران راحت هباء مع انتشار فيروس كورونا المستجد أو ما يُعرف بـ(كوفيد-19)، فيوميًّا يتم الإعلان عن إصابة الآلاف من المواطنين ووفاة المئات منهم بسبب هذا الفيروس القاتل. وعلى الرغم من إعلان الحكومة الإيرانية في السابق أنها ستحقق التغطية الصحية الشاملة بحلول عام 2025، إلا أن أغلب المصابين بالفيروس لا يجدون أماكن للعلاج داخل المستشفيات. فسرعة انتشار الفيروس تفوق بكثير الجهود الإيرانية المبذولة في القطاع الصحي.

مراحل عملية الإصلاح الصحي في إيران

قامت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية بين المواطنين، وأدت الثورة إلى إدخال تعديلات جوهرية على الدستور الإيراني، بجانب سن العديد من التشريعات لإدخال سياسات إصلاحية جديدة من أجل تحسين الأوضاع في إيران، وبالأخص في القطاع الصحي كما هو موضح بالجدول رقم (1). 

بدأت الإصلاحات في عام 1983 عندما أنشأت إيران شبكة الصحة الوطنية، من أجل تحقيق العدالة الصحية في كل أنحاء إيران، وخصوصًا في المناطق المحرومة التي كانت تعاني من فقر شديد في الخدمات الصحية. استطاعت هذه الشبكة الصحية أن توفر إطارًا فريدًا للرعاية الصحية الأولية في تلك المناطق. وبالفعل تحسنت المؤشرات الصحية بها. ومع ذلك، لم تظهر النتائج الإيجابية لشبكة الصحة الوطنية في كل مستويات النظام الصحي، بل اقتصرت على مستوى الرعاية الأولية بسبب ثلاثة عوامل. أولها: الاختلافات التي كانت موجودة في إدارة السياسات الصحية. وثانيها: عدم وجود هيكل واضح لتدفق البيانات والمعلومات، وهو ما أدى إلى ضعف نظام إحالة المرضى إلى المستشفيات. وثالثها: التحضر وهجرة المواطنين داخليًّا من المناطق الريفية إلى الحضرية، وهو ما تسبب في إنشاء مناطق عشوائية لا يحصل المواطنون فيها على الرعاية الصحية الملائمة.

الإصلاح الرئيسي الثاني كان في عام 1985، حينما دمجت الحكومة الإيرانية قطاع الخدمات الصحية مع قطاع التعليم الطبي. هذه الخطوة مكنت من إدخال تحسينات على كلا القطاعين؛ فزادت القدرة على تدريب مقدمي الرعاية الصحية في جميع المستويات، وتعديل مناهج التعليم الطبي. وكذلك توسعت تغطية شبكة الصحة الوطنية لتصل إلى عدد أكبر من المواطنين. ومع ذلك، لم تتحقق جميع أهداف هذا الإصلاح، فلم تتم عملية الدمج بين التعليم ونظام الرعاية الصحية بشكل كامل، وظل الوصول غير المتكافئ للخدمات الصحية يمثل تحديًا كبيرًا للحكومة الإيرانية.

في أوائل التسعينيات أقرت الحكومة الإيرانية سياسة استقلال المستشفيات، وهو ما سمح للمستشفيات بالحكم والتوجيه الذاتي، وكذلك إيجاد مصادر ذاتية للتمويل، ولكن لم يكن لهذا الإصلاح أي تأثير إيجابي على جودة الرعاية في المستشفيات؛ حيث كانت النتيجة هي زيادة تكاليف الرعاية الصحية للمستخدمين.

وتأسس برنامج طبيب الأسرة في عام 2005، ونُفذ في المناطق الريفية والمدن التي يقل عدد سكانها عن 20000 شخص، بهدف تحسين نظام الإحالة وتقديم خدمات الرعاية الصحية للمواطنين بكفاءة وإنصاف. وعلى الرغم من أن هذا البرنامج كان بمثابة فرصة واعدة لتحسين النظام الصحي في إيران، إلا أنه لم ينجح بشكل كامل لعدة أسباب منها وجود فجوة بين الخطة المُصممة للبرنامج وبين تنفيذها، وغياب الدعم المالي من قبل الحكومة الإيرانية، ووجود قصور في تدريب أطباء الأسرة. 

ومن أحدث سياسات الإصلاح الصحي الإيراني، خطة التحول الصحي التي أُطلقت في عام 2014 من خلال وزارة الصحة والتعليم الطبي، بهدف الوصول إلى التغطية الصحية الشاملة بحلول عام 2025. نجحت خطة التحول الصحي في توسيع التأمين الصحي الأساسي المجاني ليغطي 10 ملايين شخص إضافي لم يكن لديهم تأمين من قبل، وأصبح أكثر من 92٪ من السكان مشمولين بنظام تأمين واحد على الأقل. لكن كانت هناك بعض التحديات التي أثرت سلبيًا على التحقيق الكامل لخطة التحول الصحي في إيران، منها -على سبيل المثال- قلة الموارد المالية، وزيادة العبء المالي على الحكومة الإيرانية.

نتائج عملية الإصلاح الصحي

استطاعت السياسات الإصلاحية التي طبقتها إيران أن تُحسن من المؤشرات الصحية والخصائص الديمغرافية للمواطنين كما هو موضح في الجدول رقم (2)؛ حيث انخفضت نسب وفيات الرضع لكل ألف مولود حي من 81.4 مولودًا إلى 9.48 مواليد. كذلك انخفض معدل وفيات الأمهات لكل 100 ألف ولادة حية من 273 وفاة إلى 19 وفاة فقط. وزادت الأعمار المتوقعة عند الميلاد للذكور والإناث لتصبح 75.4 سنة، و79.3 سنة، على الترتيب. كما زادت نسبة السكان الذين يمكنهم الحصول على الرعاية الصحية الأولية في المناطق الريفية من 8% في عام 1979 إلى 99% في عام 2017. فيما بلغ إجمالي عدد أسرة الرعاية المركزة في عام (2010) 3720 سرير رعاية مركزة؛ أي حوالي 5.3 سرير رعاية لكل 100 ألف مواطن. كما ساهمت خطة التحول الصحي أيضًا في خفض نسبة إنفاق المواطنين على الخدمات الصحية (الإنفاق الشخصي من الجيب) من إجمالي الإنفاق على الصحة من 55٪ في عام 2012 إلى 35٪ في عام 2016 (انظر الجدول رقم 2، والرسم البياني رقم 1).

الاستجابة الإيرانية لفيروس (كوفيد-19)

أعلنت الحكومة الإيرانية، في 19 فبراير الماضي، عن أول حالة إصابة بفيروس (كوفيد-19)، لتنتقل بعدها في أقل من أسبوع إلى أكثر دول الشرق الأوسط تضررًا من هذا الوباء، حيث تزداد أعداد الإصابات والوفيات يوميًّا بمعدل سريع للغاية كما هو موضح بالرسم البياني التالي، مع وجود شكوك حول صحة أرقام الإصابات الرسمية التي تصدرها إيران بسبب غياب شفافية الدولة في التعامل مع الأزمة. وأرجع الخبراء الانتشار السريع لفيروس (كوفيد-19) داخل إيران إلى عدة أسباب منها:

1- إخفاء وتأخير الإعلان عن وجود حالات مصابة بفيروس (كوفيد-19) داخل إيران، وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى التأخر في اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة.

2- غياب التنسيق بين مؤسسات الدولة لوضع خطط لمواجهة الأزمة، واستخفاف المسئولين الإيرانيين بخطورة الوضع.

3- التأخر في اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة بمدينة “قم” الإيرانية، وكان لرجال الدين في تلك المدينة دور كبير في زيادة تفشي الفيروس؛ إذ عارضوا فكرة إغلاق الأضرحة ووضع المدينة تحت الحجر الصحي، بل ودعوا المواطنين إلى زيارتها. وتشير بعض التقارير إلى أن حوالي مليون و213 ألف شخص قاموا بزيارة مدينة “قم” منذ تفشي فيروس (كوفيد-19) حتى الثاني من أبريل. 

4- دعوة رجال الدين البارزين في إيران المواطنين للذهاب إلى الأضرحة بمدينتي “قم” و”مشهد”؛ للتبرك والشفاء من الفيروس، متجاهلين بذلك كافة تحذيرات الأطباء.

5- انعدام ثقة الشعب الإيراني في التصريحات التي يدُلي بها كبار المسئولين الإيرانيين، بسبب التضارب الكبير في البيانات الصادرة. 

6- عدم وجود سياسة صحية واضحة للحد من انتشار الفيروس، والتركيز على عمل سياسات لاستمرار الحياة الاقتصادية فقط في ظل الأزمة.

7- التأخر في إقرار سياسات لإغلاق المصانع والشركات، على الرغم من ازدياد أعداد الإصابات بشكل مخيف.

خلاصة القول، إن القطاع الصحي في إيران استطاع أن يحقق مجموعة من الإنجازات الجيدة خلال السنوات الماضية، لكن بسبب عدم وجود خطة رئيسية واضحة لتطوير القطاع، ظلت هناك ثغرات رئيسية لم تستطع الحكومة الإيرانية التغلب عليها؛ فالنظام الصحي لم يكن مجزأ فقط في التمويل ولكن أيضًا في القيادة، مع وجود خلل كبير في إدارة الموارد المتاحة. وقد انعكس كل ذلك في التعامل مع أزمة (كوفيد-19) في إيران؛ فلم تكن هناك خطة تأهب للطوارئ الصحية للتعامل مع الأزمات الصحية، ولم يكن هناك قائد حقيقي لإدارة الأزمة؛ وبالتالي خسرت إيران معركتها أمام (كوفيد-19)، ولا تزال أعداد المصابين والوفيات في ازدياد. 

مصادر:

– Heshmati, Bahram, Joulaei, and Hassan. (2016). Iran’s health-care system in transition. The Lancet. 387. 29-30. 10.1016/S0140-6736(15)01297-0.

– Leila Doshmangir, Mohammad Bazyar, Reza Majdzadeh, and Amirhossein Takian, So Near, So Far: Four Decades of Health Policy Reforms in Iran, Achievements and Challenges. Arch Iran Med. 2019; 22: 592-605. 

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة