وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

الحروب البيولوجية: الخبرة التاريخية

مع تفشي وانتشار فيروس كورونا حول العالم، بدأ عدد من الدول في إلقاء اللوم والمسئولية على بعضها بعضًا. ووسط هذا الجدل قام البعض باستدعاء فكرة الحروب البيولوجية كإحدى أدوات الدول في إرغام وإخضاع الخصوم والمنافسين. ويحاول هذا التقرير الوقوف على أبعاد هذا الجدل الذي يستدعي بدوره التعرض للسوابق التاريخية في توظيف الدول للسلاح البيولوجي في معاركها، في محاولة للوصول إلى الدوافع وراء توظيف هذه الأداة ومحاولة استغلالها من قبل البعض رغم المحاذير والقيود القانونية والدولية بهذا الشأن.  فعلى الرغم من عدم وجود أية أدلة واضحة على أن “جائحة كورونا” هي صنيعة دولة بعينها للنيل من دول أخرى، خاصة في ظل…

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

مع تفشي وانتشار فيروس كورونا حول العالم، بدأ عدد من الدول في إلقاء اللوم والمسئولية على بعضها بعضًا. ووسط هذا الجدل قام البعض باستدعاء فكرة الحروب البيولوجية كإحدى أدوات الدول في إرغام وإخضاع الخصوم والمنافسين. ويحاول هذا التقرير الوقوف على أبعاد هذا الجدل الذي يستدعي بدوره التعرض للسوابق التاريخية في توظيف الدول للسلاح البيولوجي في معاركها، في محاولة للوصول إلى الدوافع وراء توظيف هذه الأداة ومحاولة استغلالها من قبل البعض رغم المحاذير والقيود القانونية والدولية بهذا الشأن. 

فعلى الرغم من عدم وجود أية أدلة واضحة على أن “جائحة كورونا” هي صنيعة دولة بعينها للنيل من دول أخرى، خاصة في ظل تفشي الفيروس وانتشاره في كافة دول العالم لدرجة أن السيطرة عليه باتت خارج حدود وإمكانات بعض الدول؛ إلا أن ذلك لن يحول دون إعادة النظر في التفكير في الحروب البيولوجية كسلاح يمكن توظيفه في العلاقات الدولية. 

اتهامات متبادلة

أثار انتشار وتفشي جائحة كورونا منذ الإعلان عن أولى الإصابات الناجمة عنها في الصين نهاية عام 2019، سجالًا كبيرًا واتهامات متبادلة بين عدد من الدول، وذلك ضمن حرب تكسير العظام المتواصلة في الفترات الأخيرة. إذ أعلن “حسين سلامي” -قائد الحرس الثوري الإيراني- (5 مارس 2020) أن فيروس كورونا قد يكون هجومًا بيولوجيًّا موجهًا من الولايات المتحدة ضد إيران والصين. من ناحية أخرى، أشار المرشد الإيراني “خامنئي” (12 مارس) إلى وجود دلائل تعزز فرضية هجوم بيولوجي عن طريق فيروس كورونا. وقد دخل على خط الاتهامات المتبادلة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الذي وصف الفيروس في أكثر من مناسبة بــــ”الفيروس الصيني”. في الوقت ذاته، أعلن وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” أن الحزب الصيني الحاكم تستر على معلومات بشأن فيروس كورونا، وتعمد نشر معلومات مضللة عنه. وقد قوبلت هذه الاتهامات بالرفض من قبل وزارة الخارجية الصينية، حيث اعتبرت أن واشنطن تعمل على تسييس الوباء، وأن مساعيها تستهدف تشويه سمعة الصين.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل انتقلت الاتهامات الرسمية والجدل القائم بين عدد من الحكومات إلى الساحة الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تداول عدد من النوافذ الإعلامية في الصين أخبارًا حول قيام الولايات المتحدة الأمريكية بنشر الفيروس في الصين من خلال الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في دورة الألعاب العسكرية التي أقيمت في الصين (في أكتوبر 2019)، إذ روج البعض لقيام البعثة الأمريكية بنشر الفيروس عمدًا في سوق “ووهان” للمأكولات البحرية. بالإضافة إلى ذلك نشرت مجلة The National Interest تقريرًا (في فبراير 2020) حول تناول وسائل الإعلام الروسية للفيروس كونه سلاحًا بيولوجيًّا أمريكيًّا موجهًا لروسيا. وحسب التقرير ذاته، نشرت وكالة أنباء روسية “Zvezda” (وكالة ممولة من وزارة الدفاع الروسية) مقالًا بعنوان “فيروس كورونا: الحرب البيولوجية الأمريكية ضد روسيا والصين”. وقد حاول المقال إثبات تورط الولايات المتحدة في توظيف الفيروس للنيل من خصومها ومنافسيها الدوليين. من ناحية أخرى، أشار “إيغور نيكولين” -الخبير الروسي والعضو السابق في اللجنة الدولية الخاصة بالسلاح البيولوجي والكيماوي- إلى وجود 25 مختبرًا أمريكيًّا حول الصين تعمل على إنتاج الأسلحة البيولوجية، مُعتبرًا أن كورونا “سلاح أمريكي”. كل هذه الاتهامات تشير إلى أن فكرة الحرب البيولوجية كانت حاضرة حتى ولو لم تكن واقعية في المواقف الرسمية للحكومات، أو عبر وجهات النظر المختلفة لعدد من المتخصصين ووسائل الإعلام في بعض الدول.

توظيف مُتعدد.. السلاح البيولوجي في الخبرة التاريخية

تقوم فكرة الحروب البيولوجية أو الجرثومية على الاستخدام المُتعمد والمقصود للجراثيم أو الفيروسات عبر نشر سمومها بين البشر والحيوانات، وهو ما يؤدي إلى تفشي الأوبئة والأمراض بما يؤثر على شتى مناحي الحياة. وما يميز الحروب البيولوجية أنها على خلاف الحروب التقليدية تُعتبر حروبًا صامتة. ورغم أنها لا تستهدف البنية التحتية للدول، إلا أنها تأتي ضمن الحروب الأشد فتكًا، حيث يعتبرها البعض ضمن أسلحة الدمار الشامل.

تُشير بعض التحليلات إلى وجود نحو مائتي نوع من الفيروسات والبكتيريا التي يمكن استخدامها وتوظيفها كسلاح ردع بين الدول. وقد تم تصنيف هذه الأنواع إلى فئات متباينة في حدتها وخطورتها، حيث أثبتت التجربة التاريخية أن الطاعون والجدري والجمرة الخبيثة والكوليرا من أشد الفيروسات فتكًا. من ناحية أخرى، تُعتبر الحمى الصفراء وبكتيريا السل والالتهاب الدماغي أقل حدة. وقد ساعد ظهور علم الأحياء الدقيقة في نهاية القرن التاسع عشر، فضلًا عن بروز عدد من الصراعات العالمية، في تطويع وتمكين عدد من الدول في استخدام وتوظيف الأسلحة البيولوجية في عدد من المعارك. 

ويمكن الوقوف على حدود وطبيعة توظيف الحروب البيولوجية من خلال عدد من المحطات المفصلية، حيث وُظّفت الأسلحة البيولوجية كأداة فاعلة في أوقات مبكرة من التاريخ (600 قبل الميلاد)، إذ كانت جثث الحيوانات والقاذورات تُستخدم في تلويث الآبار ومصادر المياه بهدف إضعاف العدو. كما أشار عدد من الأدبيات إلى استخدامها في الحروب الأوروبية والحرب الأهلية الأمريكية وغيرها. 

وخلال العصر الحديث، تم توظيف الحروب البيولوجية في عدد من المحطات خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث أظهر عدد من الرؤى والنقاشات أن الحرب العالمية الأولى شهدت مساعي ألمانيا لتوظيف السلاح البيولوجي للتأثير على مسار الحرب من خلال نقل الخيول والأبقار المصابة بالبكتيريا والفيروسات المسببة للجمرة الخبيثة والكوليرا، والطاعون، بالإضافة إلى فطريات القمح، إلى عدد من البلدان من بينها الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا وروسيا ورومانيا.

ولم يغب التوظيف البيولوجي عن المشهد خلال الحرب العالمية الثانية، حيث عملت اليابان آنذاك على بحث وتطوير برنامجها البيولوجي بشكل سري بعيدًا عن الأنظار وذلك من خلال تأسيس ما عرف بـــ”الوحدة 731″ التي كانت تضم نحو 3000 عالم. وقد نجم عن محاولات تطوير وتطويع السلاح البيولوجي لخدمة الجيش الياباني وفاة الآلاف من السجناء وأسرى الحرب نتيجة للبحوث والتجارب المتعلقة بصناعة سلاح بيولوجي، إذ طورت اليابان الكوليرا والجمرة الخبيثة والطاعون، ونجحت في توظيفها كسلاح بيولوجي لخدمة أغراضها.

كما اختبرت اليابان عملية تغذية “البراغيث” على الفئران المصابة بالطاعون، ثم قامت خلال عام 1942 بإطلاق هذه “البراغيث” من الطائرات فوق عدد من المدن والقرى الصينية ما ساهم في تفشي الطاعون. وكانت عملية نشر الطاعون في الصين ضمن حملة عسكرية موسعة قامت بها اليابان من أجل الثأر من الجنود الأمريكيين الذين استهدفوا طوكيو وعدد من المدن خلال الهجمات التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية ردًّا على هجوم “بيرل هاربر” في 1941، حيث تمكن عدد من الجنود الأمريكيين من الهبوط في إقليم تشيجيانغ الصيني والاختباء بين الأهالي، الأمر الذي اعتبرته اليابان بمثابة خيانة صينية تستوجب العقاب.

وقد قامت بريطانيا بتطوير السلاح البيولوجي واختباره من خلال إجراء عدد من الأبحاث البيولوجية خلال عام 1942 بهدف ردع الألمان. وقد وقعت اختبارات الجمرة الخبيثة من قبل الجيش البريطاني ومدى قدرتها على إبادة البشر والحيوانات. ونتيجة لهذه الاختبارات قامت بريطانيا بتصنيع آلاف القنابل الجرثومية من الجمرة الخبيثة. في حين بدأت الولايات المتحدة عام 1942 في تطوير برنامجها البيولوجي بحيث أصبحت ضمن أكثر الدول تأثيرًا في هذا الشأن.

ولم تقتصر التهديدات البيولوجية على الدول فحسب، بل امتدت لتصبح أداة في يد الفواعل من غير الدول والجماعات والتنظيمات الإرهابية، حيث حملت هجمات عام 2001 التي سُميت بــــ”إرهاب الجمرة الخبيثة” أول ملمح لهذا التوظيف من قبل هذه الجماعات، حيث وُجهت أصابع الاتهام لتنظيم “القاعدة” في تنفيذ هذه الهجمات عبر إرسال طرد بريد يحمل الفيروس لعدد من أعضاء الكونجرس ما أسفر عن وفاة 5 أشخاص وإصابة 17 آخرين. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، حيث قام تنظيم “داعش” خلال عام 2014 باللجوء إلى الإرهاب البيولوجي، وذلك من خلال قيام أعضاء التنظيم بتصنيع قنابل تحتوي على عقارب سامة، وبمجرد ارتطام هذه القنابل بالأرض تنتشر العقارب ومن ثم يتم ترويع المواطنين وترهيبهم.

دوافع التوظيف

ثمة دوافع وراء توظيف الدول والعديد من الفاعلين من غير الدول للسلاح البيولوجي لتحقيق مجموعة من الأهداف والأغراض التي تصب في النهاية في تحجيم الخصوم والمنافسين. 

1- سلاح استراتيجي منخفض التكلفة: حيث تتميز الأسلحة البيولوجية بانخفاض تكلفتها، ومن ثم سهولة إنتاجها واستخدامها مقارنة بالأسلحة التقليدية أو النووية التي يستلزم إنتاجها تكلفة مالية وإمكانات تكنولوجية هائلة. ومن ثم، تجد الدول نفسها أمام خيار سهل لا يحتاج سوى معرفة بعلم الأحياء الدقيقة والتجهيزات اللازمة للإنتاج، ونوع من التأمين، ودرجة من السرية، لدرجة أن البعض يصف الأسلحة البيولوجية بقنابل الفقراء، خاصة أن نقلها وتوزيعها لا يحتاج إلى خدمات لوجستية ضخمة، إذ يمكن نقلها عبر زجاجات الرش أو من خلال تلويث المياه، أو الطرود البريدية. ورغم سهولة الحصول عليها وتطويرها إلا أنها قد تكون أشد فتكًا وأكثر تدميرًا من الأسلحة التقليدية. فقد أسفر تفشي جائحة كورونا –إذا افترضنا أنه سلاح بيولوجي- حتى 7 أبريل الجاري (2020)، عن إصابة نحو 1421578، ووفاة ما يقرب من 81688، وهو ما يعني أن توظيف الفيروس كسلاح بيولوجي يمكن أن يؤدي إلى تداعيات وخيمة.

2- مكافأة القوة ومعادلة التأثير: حيث يمكن استخدام السلاح البيولوجي بهدف إرغام الخصم دون اللجوء للمواجهة المفتوحة والحروب الشاملة التقليدية التي قد تؤدي إلى عواقب وخيمة، إذ تُعد الحروب البيولوجية أداة فاعلة يمكن تطويعها لفرض نوع من القوة والتأثير تجاه القوى التي تمتلك قدرات قتالية كبيرة، وهو ما بدا من خلال الإرهاب البيولوجي الذي يوظفه عدد من الجماعات والتنظيمات الإرهابية لزعزعة الاستقرار، وترهيب وإلحاق الضرر بعدد من الدول. ومن ثم يمكن تصنيف السلاح البيولوجي ضمن أدوات القوة غير التقليدية التي يمكن المناورة من خلالها لإخضاع الخصوم كما هو الحال في الحروب السيبرانية أو التجارية. وقد يتميز السلاح البيولوجي عن غيره بإمكانية هروب المسئول عنه من العقاب، خاصة أن إثبات استخدام السلاح البيولوجي لا يتم بسهولة.

3- التأثير الشامل وشل القدرات: إضافة إلى ما سبق، يُستخدم السلاح البيولوجي في تحييد الدول وشل قدراتها الاقتصادية والسياسية، والتأثير على مقوماتها، ونشر حالة من الهلع والفزع ضمن أدوات الحروب النفسية، وهو ما قد يؤثر على الاستقرار السياسي للدول. وبالتالي، فإن هذا النوع من الحروب يتسبب بشكل مباشر في تعطيل قدرات المنافسين وتحجيمها، ناهيك عن التأثيرات الاقتصادية والتجارية التي يمكن أن تنتجها، حيث يذهب عدد من التقديرات الدولية إلى أن فيروس كورونا قد يتسبب في خسائر مالية كبيرة، إذ توقع بنك التنمية الآسيوي للتنمية أن تكلفة وباء كورونا قد تصل إلى 4.1 تريليونات دولار من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في حالة عدم احتواء الفيروس. في الوقت ذاته، أشارت منظمة العمل الدولية إلى أن ما يقرب من 25 مليون وظيفة يمكن أن تُفقد حول العالم بسبب عدم السيطرة على الفيروس. ومن ثم، يمكن القول إن السلاح البيولوجي حال توظيفه لأغراض الردع يمكن أن يتسبب في تأثير شامل على شتى مناحي الحياة، وقد يتسبب في شل القدرات الدولية.

مجمل القول، يمكن توظيف الحروب البيولوجية في إرغام المنافسين والخصوم، خاصة مع سهولة الحصول على هذا السلاح وتداعياته الوخيمة على كافة الأصعدة، ومن ثم فإن الأمر يحتاج إلى مزيد من الرشادة الدولية، وتجنب الخوض في غمار هذه الحروب، حيث إن تفشي جائحة كورونا رغم عدم وجود أدلة قاطعة على كونه سلاحًا بيولوجيًّا إلا أنه قد يُعيد النظر إلى مثل هذه الساحات باعتبارها ساحات بديلة للحروب غير التقليدية. كما قد تُعيد الأزمة الحالية وضع مفاهيم جديدة تتعلق بالأمن العالمي، بحيث لا يقتصر دور الدول وأجهزة الاستخبارات على مراقبة التهديدات التقليدية فقط، بل قد يمتد ذلك إلى القضايا المتعلقة بالصحة والأمن الإنساني، حيث قد تكرس الأجهزة الأمنية جهودًا أكبر للحد من انتشار مثل هذه الأوبئة الفتاكة من خلال تقديم المعلومات والتوصيات لصانع القرار، خاصة أن اندلاع فيروس كورونا قد يُعيد الزخم للسلاح البيولوجي كأداة ردع، وهو ما يستلزم اتخاذ كافة التدابير الضرورية للاستجابة لمثل هذه التحولات، وذلك من خلال الاستثمار الفاعل في الخدمات والمؤسسات الصحية والطبية، ناهيك عن فرض مزيدٍ من القيود القانونية والضمانات التي تحول دون تطويق هذا السلاح وتوظيفه في الساحة الدولية انطلاقًا من الالتزام بمعاهدة حظر الأسلحة البيولوجية.

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة