التباعد الاجتماعي أسلوب حياة

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

لا أحد آمن حتى يتم اختراع مصل يحصن الناس ضد فيروس كورونا، فيما يقول العلماء إنهم يحتاجون حوالي عاما ونصف لإنتاج المصل. مع تواتر الإصابات وانتشارها بين السكان سيكتسب المجتمع حصانة جماعية، لكن الوصول إلى هذه النتيجة يستغرق حوالي عامين، يفقد خلالهما الآلاف أرواحهم، هذا هو ما يقوله العلماء أيضا. لا يبقى لنا سوى التباعد الاجتماعي كطريقة للتعامل مع الخطر الداهم، لكن لهذا الاختيار تكلفة يصعب احتمالها. فما العمل؟ التباعد الاجتماعي ضرورة، لكن التباعد الاجتماعي الكامل غير موجود وغير قابل للتطبيق. المعتصمون بالمنازل يحتاجون إلى خبز يأكلونه، والكثير من الفول، وعلب الجبن والحلاوة والمعلبات المختلفة، وملايين لترات اللبن، وأطنان من…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

لا أحد آمن حتى يتم اختراع مصل يحصن الناس ضد فيروس كورونا، فيما يقول العلماء إنهم يحتاجون حوالي عاما ونصف لإنتاج المصل. مع تواتر الإصابات وانتشارها بين السكان سيكتسب المجتمع حصانة جماعية، لكن الوصول إلى هذه النتيجة يستغرق حوالي عامين، يفقد خلالهما الآلاف أرواحهم، هذا هو ما يقوله العلماء أيضا. لا يبقى لنا سوى التباعد الاجتماعي كطريقة للتعامل مع الخطر الداهم، لكن لهذا الاختيار تكلفة يصعب احتمالها. فما العمل؟

التباعد الاجتماعي ضرورة، لكن التباعد الاجتماعي الكامل غير موجود وغير قابل للتطبيق. المعتصمون بالمنازل يحتاجون إلى خبز يأكلونه، والكثير من الفول، وعلب الجبن والحلاوة والمعلبات المختلفة، وملايين لترات اللبن، وأطنان من الخضر والفاكهة الطازجة. يريد المعتصمون بالمنازل أن يجدوا كل هذه الأشياء متوافرة في الأسواق والمتاجر، يحملها لهم عامل التوصيل حين يحتاجونها. لكن المتاجر لا تزرع هذه المنتجات أو تصنعها، فهي تعتمد على ملايين المزارعين الذين لا ينقطعون عن الذهاب إلى الحقول، والعمال الذين يواصلون المداومة في المصانع، وسائقي الشاحنات الذين ينقلون كل هذه المنتجات إلى المستودعات والأسواق، وورش الميكانيكا الجاهزة لصيانة الشاحنات، ومحطات الوقود التي تزودها باحتياجاتها من الوقود، والتي بدورها يقف وراءها معامل لتكرير البترول لا يستطيع عمالها البقاء في البيت، وكل هؤلاء يحتاجون إلى عمال نظافة يجمعون المخلفات التي يتركونها ورائهم. لا أظنني بحاجة لتسويد الصفحات الطويلة لسرد الأنشطة التي لا يمكن لها أن تتعطل حتى في ظل أشد نظم التباعد الاجتماعي إحكاما. 

يحد التباعد الاجتماعي ومنع التخالط من فرصة إصابة أعداد إضافية من الناس، لكنه لا يقضي على الفيروس، أو يهبط بفرص الإصابة إلى الصفر. ستظل الفرصة قائمة لانتقال العدوى لبعض الناس، لكن أعداد المصابين ستكون في حدود تسمح لمؤسسات الرعاية الطبية بالاعتناء بهم. التباعد الاجتماعي ليس علاجا للمرض، ولكنه طريقة لإدارته، وسيكون علينا مواصلة الالتزام به لعام أو أكثر حتى ينجح العلماء في إنتاج المصل، وليس كما ظننا في البداية أننا سنكون قادرين على استعادة الحياة الطبيعية بعد أسبوعين أو أربعة أسابيع من التباعد. 

نحن نتحدث عن نجاح الصين في السيطرة على الفيروس، لكن هذا لم يمنع ظهور مصابين جدد، وإن كانت أعدادهم أقل. نحن نتحدث عن العودة للعمل في مدينة ووهان، ولكننا لا نتحدث عن استعادة الحياة الطبيعية هناك، فقد تم التخلي عن نظام الإغلاق الكامل الذي كان مفروضا، ليحل محله نظام للإغلاق الجزئي، وهو ما يمثل انفراجه كبيرة بالنسبة للسكان. الإغلاق الكامل هو إجراء ضروري لاحتواء الوباء في مناطق أصبحت فيها أعداد المصابين خارج قدرة الجهاز الطبي على تقديم الرعاية، أما فيما عدا ذلك فإن التباعد الاجتماعي والإغلاق الجزئي هو الحل الذي سوف يكون علينا جميعا تطبيقه حتى يسعفنا العلماء بالمصل. 

المشكلة هي أنه حتى الإغلاق الجزئي له تكلفة كبيرة، يصعب على المجتمع تحملها لفترة طويلة؛ ولا بد من التفكير مبكرا في إعداد النظام الصحي والمجتمع والاقتصاد لتحمل التباعد الاجتماعي والإغلاق الجزئي لفترة قد تطول إلى عامين. لقد تم إغلاق المقاهي والمطاعم، وهو قطاع يوفر فرص عمل للآلاف، فإلى متى يستطيع أصحاب المقاهي والمطاعم والعاملين فيها احتمال انقطاع الدخل. لقد تم إنهاء العام الدراسي الحالي مبكرا، مستفيدين من أن الترم الثاني كان قد اقترب من منتصفه، فماذا سنفعل في العام الدراسي القادم الذي يبدأ في سبتمبر، هل نؤجله تماما، أم نعتمد بشكل كامل على أساليب التعليم عن بعد، أم أن علينا تطوير بديل مختلف تماما؟ لقد التزمت الدولة بتقديم دعم مالي للعمالة غير المنتظمة لمدة ثلاثة شهور؛ هذه مبادرة رائعة تؤكد التزام الدولة تجاه الفئات الأكثر تضررا. لكن علينا أن نفكر منذ الآن فيما وراء هذه الشهور الثلاثة. تحد مشابه يواجه القطاع الخاص، خاصة في مجال السياحة؛ فربما تلتزم المنشآت السياحية بالاحتفاظ بالعمالة لفترة، ولكن توقف السياحة قد يستمر لعام أو اثنين، وهي فترة أطول من قدرة كثير من منشآت القطاع الخاص على مواصلة الاحتفاظ بالعمالة. 

التحدي الذي نواجه هو إعادة صياغة طريقة حياتنا، بحيث يكف التباعد الاجتماعي عن أن يكون تخليا عن بعض مظاهر الحياة، ليتحول إلى أسلوب حياة، نعتاد عليها لفترة طويلة، نكون خلالها قادرين على ممارسة كل أو أغلب الأنشطة التي اعتدنا ممارستها قبل ذلك، ولكن بطريقة آمنة تناسب ظروف الوباء اللعين. لقد اقترحت نائبة محترمة في مجلسنا التشريعي أن يكون وضع الكمامة إلزاميا لمدة عام. وجه الرئيس السيسي بتوفير الكمامات مجانا في القطارات، وتطهير وسائل النقل العام المملوكة للقطاع الخاص، وهي أفكار صائبة تماما، ونحتاج إلى المزيد من مثل هذه الأفكار.  

نتوقع من السلطات الصحية أن تدلنا على الطريقة الآمنة لتحويل التباعد الاجتماعي إلى أسلوب حياة. لقد أصبح العالم يعرف الكثير عن الفيروس المقيت وطرق انتشاره، ومن الممكن إعداد تعليمات تحدد شروط العمل الآمن في المصانع والمصالح الحكومية ومنشآت الترفيه. ما هي شروط العمل الآمن في مصنع للألبان والمواد الغذائية، وآخر للملبوسات أو النسيج. ماذا عن شروط العمل الآمن في مواقع البناء والمحلات التجارية. كيف يمكن لمصالح حيوية مثل المحاكم وتراخيص السيارات والشهر العقاري أن تعود للعمل بطريقة آمنة؟ المؤكد أن اجتماع عدد كبير من الناس في قاعة سينما هو خطر كبير، فما هي الكثافة الآمنة في قاعة سينما تتسع لمائة مقعد؟ هل السماح بخمسين أو عشرين أو حتى عشرة من الجمهور يعتبر آمنا؟ أفراد الأسرة المكونة من أربعة أفراد، والملتزمون بالبقاء في البيت، يقضون وقتا طويلا مع بعضهم داخل البيت، فماذا لو جلسوا معا على الشاطئ؟

لقد حرصنا منذ البداية على إجراء موازنات بين الاحتياجات المختلفة، وما أدعو إليه هو مواصلة العمل بنفس الطريقة، لكن هذه المرة على نطاق أكبر ولمدى زمني أطول، حتى يأذن الله بزوال الغمة.

نقلا عن جريدة الأهرام، نُشر في 9 ابريل 2020 

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب