روشتة ما بعد «كورونا»

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

سوف تمر أزمة كورونا، مهما طال أمدها، وسوف نخرج منها إن شاء الله بفضل التخطيط العلمى ووعى المصريين. ورغم الانشغال الكبير بإدارة الأزمة بشكل يومى، وتقليل حجم الخسائر المرتبطة بها، إلا أنه من المهم أيضا التفكير فى دروس الأزمة والاستفادة منها فى المرحلة التى ستأتى بعدها. وتبرز هنا عدة أمور. الأمر الأول يتعلق بدور الدولة، فمما لاشك فيه أن الدولة المصرية، مثلها مثل باقى دول العالم، قد توسع دورها خلال هذه الأزمة، ليس فقط فى مجال الضمان الاجتماعى، ولكن أيضا فى المجال الاقتصادى لمساندة القطاع الخاص، وبالتأكيد فإن هذا التدخل ترتبت عليه أعباء ضخمة على الموازنة العامة، وخروج على بعض…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

سوف تمر أزمة كورونا، مهما طال أمدها، وسوف نخرج منها إن شاء الله بفضل التخطيط العلمى ووعى المصريين. ورغم الانشغال الكبير بإدارة الأزمة بشكل يومى، وتقليل حجم الخسائر المرتبطة بها، إلا أنه من المهم أيضا التفكير فى دروس الأزمة والاستفادة منها فى المرحلة التى ستأتى بعدها. وتبرز هنا عدة أمور.

الأمر الأول يتعلق بدور الدولة، فمما لاشك فيه أن الدولة المصرية، مثلها مثل باقى دول العالم، قد توسع دورها خلال هذه الأزمة، ليس فقط فى مجال الضمان الاجتماعى، ولكن أيضا فى المجال الاقتصادى لمساندة القطاع الخاص، وبالتأكيد فإن هذا التدخل ترتبت عليه أعباء ضخمة على الموازنة العامة، وخروج على بعض مسارات الإصلاح الاقتصادى التى تبنتها الدولة قبل الأزمة، لذا من المهم العودة للمسار الإصلاحى بعد الأزمة، والابتعاد عن عقلية الاتكالية على الدولة، والعودة لتشجيع القطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيسى للنمو والتوظيف.

الأمر الآخر المتعلق بدور الدولة هو أن أزمة كورونا كشفت أهمية دور المستويات المحلية والمجتمع المدنى كأدوات للمساهمة فى إدارة الأزمة، ومن ثم فمن الضرورى إعادة فتح هذين الملفين بعد عبور الأزمة، من المهم طرح رؤية جديدة للمحليات وتوسيع سلطاتها، ونقل جانب من السلطات المركزية إلى المستوى المحلى، خاصة فى الخدمات، بالإضافة إلى القدرة على زيادة الموارد، وتنمية القدرات البشرية.

.. والواقع أن قانون الإدارة المحلية مازال قابعًا فى البرلمان، ومن ثم يمكن النظر فى إدخال تعديلات جديدة على هذا القانون بما يتوافق مع تجربة الأزمة وبهدف تمكين المحليات. الأمر الثانى يرتبط بأهمية طرح رؤية جديدة لدور المجتمع المدنى والجمعيات الأهلية فى عملية التنمية، والتى لعبت أيضا دورًا رئيسيًا فى التخفيف من آثار الأزمة، لذا من المهم النظر فى كيفية تسهيل دور هذه الجمعيات وتشجيعها، وتقديم الحوافز لها، والتعامل معها على أنها شريك فى التنمية.

الأزمة كشفت أيضا عن ضرورة الاستمرار فى برنامج التأمين الصحى، الذى بدأته الدولة المصرية قبل الأزمة، وإعطاء أولوية للملف الصحى بشكل عام، وحجم الاستثمارات الموجهة له. كذلك من المهم إعطاء اهتمام أكبر لقطاع الاتصالات والاستثمار فى البنية التحتية له بعد ان قامت الأزمة بإعادة الاعتبار لشبكة الإنترنت وإبراز أهميتها فى زمن التباعد الاجتماعى. فى هذا الإطار لابد من تجسير الفجوة بين التعليم فى المدرسة أو الكلية والتعليم الافتراضى، من خلال الاعتماد بشكل أكبر على التعليم عن بعد ودمجه فى مراحل التعليم المختلفة والاعتراف بالشهادات التى تعتمد عليه. ومن المهم أيضا التوسع فى برنامج الحكومة الإلكترونية الذى بدأته الدولة بالفعل، وتقليل التفاعلات المباشرة مع الجهاز البيروقراطى للدولة.

كشفت الأزمة أيضا خطورة قضية الزيادة السكانية لارتباطها بموضوع الكثافات التى ساعدت على انتشار العدوى. ومن ثم أهمية عودة الأولوية لملف السكان، وكذلك موضوع التخطيط العمرانى، والاستمرار فى إنشاء المجتمعات الجديدة والتقليل من الكثافات السكانية.

وأخيرا، وبالرغم من الدور الكبير الذى لعبته غرف الأزمات فى الوزارات المصرية المختلفة وبمجلس الوزراء، إلا أنه قد يكون من المفيد التفكير فى إنشاء هيئة مركزية تتولى إدارة الأزمات وحالات الطوارئ والكوارث، والتدخل فيها للمساعدة، وهناك الكثير من النماذج الدولية التى يمكن الاسترشاد بها فى هذا الإطار.

حفظ الله مصر والمصريين.

نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ٦ أبريل ٢٠٢٠.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر