وحدة الدراسات الأمريكية

لماذا وصلت الولايات المتحدة إلى هذا المستوى من انتشار كورونا المستجد؟

تحتل الولايات المتحدة الأمريكية راهنًا المرتبة الأولى بين الدول الأكثر إصابةً بفيروس كورونا المستجد. فقد وصل عدد الإصابات بها -وفقًا لتقديرات صحيفة “نيويورك تايمز” في ٢٩ مارس الجاري- إلى ١٢٣٠٧٢ أمريكيًّا، وعدد الوفيات ٢١٢٦ أمريكيًّا. ولكن عدد الأمريكيين المصابين بالفيروس يرتفع وفقًا لتقديرات جامعة جون هوبكنز إلى ١٢٤٦٦٥ أمريكيًّا. بينما جاءت إيطاليا في المرتبة الثانية، حيث وصل عدد المصابين -وفقًا لـ”نيويورك تايمز”- إلى ٩٢٤٧٢ إيطاليًّا، وعدد وفيات ١٠٠٢٣ إيطاليًّا. في حين جاءت الصين (المصدر الرئيسي للفيروس) في المرتبة الثالثة، حيث وصل عدد المصابين بحسب إحصاءات الصحيفة الأمريكية إلى ٨١٣٩٤ صينيًّا، ووفاة ٣٢٩٥ صينيًّا.  وبينما كان انتشار الفيروس في الصين مقصورًا…

عمرو عبد العاطي
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية

تحتل الولايات المتحدة الأمريكية راهنًا المرتبة الأولى بين الدول الأكثر إصابةً بفيروس كورونا المستجد. فقد وصل عدد الإصابات بها -وفقًا لتقديرات صحيفة “نيويورك تايمز” في ٢٩ مارس الجاري- إلى ١٢٣٠٧٢ أمريكيًّا، وعدد الوفيات ٢١٢٦ أمريكيًّا. ولكن عدد الأمريكيين المصابين بالفيروس يرتفع وفقًا لتقديرات جامعة جون هوبكنز إلى ١٢٤٦٦٥ أمريكيًّا. بينما جاءت إيطاليا في المرتبة الثانية، حيث وصل عدد المصابين -وفقًا لـ”نيويورك تايمز”- إلى ٩٢٤٧٢ إيطاليًّا، وعدد وفيات ١٠٠٢٣ إيطاليًّا. في حين جاءت الصين (المصدر الرئيسي للفيروس) في المرتبة الثالثة، حيث وصل عدد المصابين بحسب إحصاءات الصحيفة الأمريكية إلى ٨١٣٩٤ صينيًّا، ووفاة ٣٢٩٥ صينيًّا. 

وبينما كان انتشار الفيروس في الصين مقصورًا -في الغالب- على مقاطعة واحدة، فإن الولايات المتحدة تشهد الآن بؤرًا متعددة لانتشار الفيروس. ويأتي في مقدمتها كلٌّ من نيويورك ونيوجيرسي وكاليفورنيا. ويتوقع عددٌ من مسئولي قطاع الصحة الأمريكي مزيدًا من بؤر انتشار الفيروس داخل عددٍ من الولايات الأخرى، ومنها ميشيجان وإلينوي اللتان ستكونان بؤرة الأزمة التالية.

وفي العام الذي من المقرر أن تشهد فيه الولايات المتحدة انتخابات رئاسية في الثالث من نوفمبر المقبل، تعامل الرئيس الأمريكي مع أزمة انتشار الفيروس من منطلق انتخابي وشخصي بحت، ما أفقده القدرة على أن يكون رئيسًا على قدر الأزمة، مقارنة برؤساء سابقين، جنّبوا مصالحهم الشخصية والحزبية من أجل التعامل مع الأزمة بجدية، وحماية أرواح الأمريكيين.

وقد اتسمت سياسات الرئيس “ترامب” للتعامل مع أزمة فيروس كورونا المستجد بالضعف والتخبط منذ بدايتها إلى يومنا هذا. فمع بداية انتشار الفيروس أخفقت الإدارة الأمريكية في توفير ملايين الاختبارات والمعدلات الطبية الوقائية اللازمة للعاملين في مجال الرعاية الصحية، والتي تُعد ضرورية لمعالجة الأزمة، بالإضافة إلى تقليله من الأزمة حتى تفاقمها، وصولًا إلى دعواته بإنهاء سياسة “التباعد الاجتماعي”، وعودة العمل بالدولة الأمريكية بحلول الأسبوع الثاني من شهر أبريل القادم.

تصريحات متضاربة

رغم تحذيرات تقديرات الوكالات الاستخباراتية الأمريكية مع بداية انتشار فيروس كورونا داخل الصين من مخاطره العالمية، واحتمالات انتقاله إلى الولايات المتحدة؛ فإن الرئيس “دونالد ترامب” قلّل من الخطر الذي يمثله على الولايات المتحدة، حيث وصف المخاوف بشأن الفيروس بأنها “خدعة” ديمقراطية جديدة، مثل خدعة محاولة عزله. وقد عقد مقارنة غير دقيقة بين الفيروس والأنفلونزا، وذكر أن معدل الوفيات من الفيروس أقل بكثير مما يتوقعه مسئولو قطاع الصحة الأمريكي.

ركزت استراتيجية “ترامب” في التعامل مع انتشار الفيروس خارج حدود الصين -بدايةً- على إبقائه خارج حدود الولايات المتحدة، ولتحقيق ذلك رفض البيت الأبيض منح تأشيرات للمسافرين من الصين، وإلغاء الرحلات الجوية من الأخيرة، ومنع المواطنين غير الأمريكيين الذين زاروا بكين مؤخرًا من دخول الولايات المتحدة، ولكن هذا الحظر لم يشمل الأمريكيين الذي كانوا يسافرون إلى الصين، بجانب الحجر الصحي للأمريكيين الذين زاروا مقاطعة هوبي الصينية (مصدر الفيروس). لكن تلك السياسة لم تكن فاعلة في منع انتشار الفيروس داخل الولايات المتحدة.

ومع تجلي ملامح أزمة انتشار فيروس كورونا في الولايات الأمريكية، وارتفاع عدد الإصابات به، وتوقعات الخبراء بمزيد من الإصابات والوفيات، حدث تحول في موقف الإدارة الأمريكية، حيث اعترف “ترامب” بخطورة الأمر، وأعلن حالة الطوارئ، وقانون الإنتاج الدفاعي الذي يسمح له بمطالبة الصناعات الكبرى بتحويل إنتاجها نحو صناعة الأجهزة الطبية اللازمة لمواجهة الأعداد المتزايدة من الفيروس، وتوسيع نطاق الاختبارات، وتوفير المعدات الطبية للعاملين في مجال الرعاية الصحية، ووعد بمزيدٍ من الإغاثة الاقتصادية للمتضررين من الأزمة، بالإضافة إلى الظهور شبه اليومي لتقديم إحاطات إعلامية من البيت الأبيض بحضور مسئولي القطاع الصحي حول جهود الإدارة للتعامل مع الفيروس.

أسباب الإخفاق

رغم كثيرٍ من الإجراءات التي اتّخذتها الإدارة الأمريكية للتعامل مع أزمة انتشار الفيروس، إلا أنها جاءت مـتأخرة لأسابيع، بحسب تصريحات لمسئولين بقطاع الصحة الأمريكي، وأنها كانت ناقصة. ويرجع أبرز أسباب إخفاق إدارة الرئيس “ترامب” في التعامل مع جائحة فيروس كورونا بالولايات المتحدة إلى ما يلي: 

1- إنهاء مهام فريق الأمن الصحي العالمي والدفاع البيولوجي بمجلس الأمن القومي: ففي ربيع عام ٢٠١٨ أمر الرئيس “ترامب” مستشاره السابق للأمن القومي “جون بولتون” بإنهاء مهام المجلس الذي أنشأه الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما”، على خلفية تفشي مرض الإيبولا، لقيادة التنسيق الفيدرالي والاستعداد لتفشي الأمراض. وبإنهاء مهام هذا المجلس فقدت الولايات المتحدة الاستجابة الفاعلة للتعامل مع جائحة فيروس كورونا. ويمكن لتلك القيادة أن تضمن أن جميع الوكالات الفيدرالية تبذل قصارى جهدها، وتعمل من أجل مجموعة واحدة من الأهداف.

2- تخفيض المخصصات المالية للقطاع الصحي: وذلك في إطار سعي الرئيس الأمريكي إلى تقليل الإنفاق على كثير من القطاعات الحيوية الأمريكية. وكان الرئيس “ترامب” يدعو بصورة متكررة إلى خفض المخصصات المالية لمركز مكافحة الأمراض والوقاية منها، وكذلك لوكالات الصحة العامة الأخرى. ولم تستثمر الإدارة في رفع قدرات الحكومة الفيدرالية للاستجابة إلى تفشي الأمراض. وقد أدى عدم اهتمام الإدارة الأمريكية بالتأهب للأزمات الصحية الطارئة إلى إخفاقاتها في التعامل مع انتشار فيروس كورونا.

3- عدم اتخاذ الإدارة الأمريكية إجراءات احترازية والاستعداد للأزمة: فرغم تقديرات الاستخبارات الأمريكية بأن الولايات المتحدة قد تشهد أزمة مع انتشار الفيروس، ودعوات الخبراء في المجال الطبي بضرورة توفير الاحتياجات الطيبة اللازمة لمواجهة سيناريو ارتفاع عدد المصابين بالفيروس؛ لم تتخذ الإدارة الأمريكية الإجراءات الاحترازية اللازمة لعرقلة تمدد انتشار الفيروس داخل الولايات الأمريكية، والعمل على سد النقص لديها في الاحتياجات الطبية للتعامل مع ارتفاع عدد المصابين. فبرغم تقدم البنية الصحية الأمريكية فإنها لم تكن مجهزة للتعامل مع تزايد الأعداد من مصابي فيروس كورونا.

4- نقص الاحتياجات الطبية للتعامل مع تزايد عدد المصابين بالفيروس: تعاني المستشفيات الأمريكية راهنًا من نقص في كافة -إن لم يكن كل- الإمدادات والمستلزمات الطبية والوقائية الضرورية (أجهزة التنفس، والأقنعة، والقفازات، والأثواب)، ونقص تجهيزات الوقاية للطواقم الطبية في الصفوف الأولى لمواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد. ولا يوجد نظام طوارئ وطني لتوفير إمدادات جديدة بالسرعة المطلوبة. على سبيل المثال، أعلن حاكم ولاية نيويورك “أندرو كومو” أن ولايته ستحتاج إلى ٤٠ ألف سرير للعناية المركزة، في حين أن لديها ثلاثة آلاف فقط. وهذا يعني أن العديد من المرضى سيموتون ببساطة لأنهم يفتقرون إلى الرعاية المتاحة في الظروف العادية. 

وبعد مرور ثلاثة أسابيع على انتشار الفيروس داخل الولايات الأمريكية، وارتفاع عدد المصابين في وقت تواجه فيه المستشفيات نقصًا حادًّا في الاحتياجات الطبية الوقائية؛ أشارت تقارير أمريكية إلى أن العاملين في مجال الرعاية الصحية يعيدون استخدام الأقنعة، وهو الأمر الذي من شأنه زيادة عدد المصابين، وتفاقم أزمة انتشار الفيروس بدلًا من مواجهتها.

وفي تحوّل صارخ للدور القيادي للولايات المتحدة، وأخذ زمام المبادرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لمساعدة الدول الأقل نموًّا على مواجهة الكوارث الإنسانية والأوبئة؛ أشارت تقارير إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية أعدت ٢٥ بندًا لتوفير الاحتياجات الطبية للولايات المتحدة (مطهر اليدين، وأجهزة التنفس بتنوعاتها، والقفازات، وأغطية الأحذية، والنظارات الواقية.. إلخ) لمواجهة الجائحة، وطلبت من دبلوماسييها أن يطلبوا من الدول المضيفة توفيرها لواشنطن مع إعطاء الأولوية للعناصر المتاحة “اليوم”، والتركيز الثانوي على المعدات والأدوات المتاحة في غضون أسابيع.

وتأتي تلك الطلبات في الوقت الذي يشيد فيه الرئيس الأمريكي باستجابته المحلية للتعامل مع أزمة انتشار الفيروس، ورفض التفعيل الكامل لقانون الإنتاج الدفاعي للحكومة الفيدرالية، للإنتاج وتوصيل الإمدادات الحيوية للولايات والمستشفيات التي تفتقر إليها.

كما تعمل وزارة الخارجية على استقطاب العاملين الأجانب في المجال الطبي، ولا سيما في مجالات تتعلق بالفيروس المستجد للحصول على تأشيرات للعمل في الولايات المتحدة. كما شجّعت الأجانب العاملين بالمجال الطبي بالفعل في الولايات المتحدة على تمديد برامج دراستهم أو تدريبهم، وذلك في إجراء لتعويض النقص في قدراتها للتعامل مع تزايد حالات الإصابة بالفيروس.

5- نقص الاختبارات لاكتشاف المصابين: فعلى الرغم من إعلان الرئيس “ترامب” أن “أي شخص يريد إجراء اختبار فيروس كورونا يمكنه الحصول على اختبار”، وتوسيع الاختبارات بشكل كبير في الأسابيع الأخيرة، فلا يزال العاملون في المجال الصحي والمرضى يشتكون من أنهم لا يزالون في بعض الأحيان لا يمكنهم الحصول على الاختبارات حتى عندما تظهر الأعراض.

وبجانب الأسباب السابقة، وإعلان الرئيس الاستعانة بقدرات القوات المسلحة الأمريكية لمواجهة الفيروس، فإنها لا تزال جزئية رغم الحاجة إلى إمكانياتها الطيبة واللوجستية لمواجهة انتشار الفيروس في الولايات الأمريكية.

خلاصة القول، لقد فشلت الإدارة الأمريكية في استغلال الفترة التي سبقت عدم اكتشاف إصابات بفيروس كورونا المستجد، وتحذيرات تقديرات الاستخبارات الأمريكية في اتخاذ إجراءات ربما كانت ستلعب دورًا مهمًّا في إبطاء معدل انتشار الفيروس داخل الولايات المتحدة. وبمجرّد اكتشاف أولى حالات الإصابة بالفيروس بين الأمريكيين لم يتحرك المسئولون الأمريكيون بالسرعة الكافية للتعامل مع احتمالات تزايد انتشار الفيروس.

ورغم اتخاذ الرئيس مجموعة من الإجراءات للتعامل مع الجائحة، فإنها لم تكن على المستوى المطلوب للتعامل مع الأزمة، فقد ظلت إجراءاته ينقصها الكثير. ويشتكي حكام الولايات الأمريكية من أن الحكومة الفيدرالية لا تلبي بشكل كامل كافة احتياجاتهم من الأجهزة الطبية لمعالجة المصابين، أو للوقاية من الإصابة بالفيروس. وفي المقابل، يبذلون قصارى جهودهم لتعويض الفجوات الرئيسية في المعدات الطبية الحرجة التي يمكن أن تساعدهم لمواجهة انتشار الفيروس.

وقد غلب على موقف الرئيس “ترامب” من أزمة فيروس كورونا واحتمالات انتشاره في الولايات الأمريكية الحسابات السياسية والانتخابية، فخوفه من تأثيرات توقف النشاط الاقتصادي نتيجة إجراءات العزل على الإنجازات التي حققها خلال الأعوام الثلاثة الماضية، والتي كانت تعزز من فرص فوزه بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات الرئاسية التي ستُجرَى في نوفمبر المقبل، أدى إلى الإعلان عن احتمالات إنهاء إجراءات التباعد الاجتماعي، وعودة الأمريكيين للعمل خلال الأسبوع الثاني من أبريل، مبررًا ذلك بأن الأنفلونزا تحصد ضحايا أكثر من فيروس كورونا، وأنه لا يجوز إبقاء الولايات المتحدة مغلقة لمدة طويلة، وذلك رغم انتشار الفيروس وحصده أرواح آلاف الأمريكيين، وتصدّر الولايات المتحدة المرتبة الأولى للدول الأكثر إصابة بالفيروس، وكثير من خطواته الناقصة لمواجهة انتشار الفيروس، واستمرار الخبراء في التحذير من أن جهود مواجهة الفيروس قد تتطلب شهورًا.

عمرو عبد العاطي
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية