تنمية ومجتمع

لماذا عصف كورونا بإيطاليا؟

منذ بداية ظهوره إعلاميًّا في أواخر شهر يناير من العام الجاري 2020، سبب فيروس كورونا المستجد COVID 19 حالة متصاعدة من الذعر الدولي، فلقد تمكن هذا الفيروس خلال أسابيع معدودة من الانتشار في كل أقاليم الداخل الصيني منطلقًا من مدينة ووهان قلب إقليم هوبي، ثم انتقل بشكل مفاجئ إلى العشرات من الدول خارج الصين، وهو ما دفع بمنظمة الصحة العالمية في 11/3/2020 إلى إعلان هذا الفيروس المستجد والغامض جائحة عالمية، وذلك بعد أن وصل عدد المصابين به آنذاك إلى أكثر من 118 ألف شخص، بالإضافة إلى أكثر من 4000 حالة وفاة، وليطال هذا الوباء في حينها 114 دولة حول العالم،…

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة

منذ بداية ظهوره إعلاميًّا في أواخر شهر يناير من العام الجاري 2020، سبب فيروس كورونا المستجد COVID 19 حالة متصاعدة من الذعر الدولي، فلقد تمكن هذا الفيروس خلال أسابيع معدودة من الانتشار في كل أقاليم الداخل الصيني منطلقًا من مدينة ووهان قلب إقليم هوبي، ثم انتقل بشكل مفاجئ إلى العشرات من الدول خارج الصين، وهو ما دفع بمنظمة الصحة العالمية في 11/3/2020 إلى إعلان هذا الفيروس المستجد والغامض جائحة عالمية، وذلك بعد أن وصل عدد المصابين به آنذاك إلى أكثر من 118 ألف شخص، بالإضافة إلى أكثر من 4000 حالة وفاة، وليطال هذا الوباء في حينها 114 دولة حول العالم، استحوذ أربع منها على أكثر من 90% من إجمالي الإصابات، وهي: إيران، وكوريا الجنوبية، وإيطاليا، والصين.

سبق هذا الإعلان بيوم واحد فقط، وصول إيطاليا للمرتبة الأولى عالميًّا في أعداد المصابين بالفيروس خارج الصين، وذلك بعدما بدأ انحسار المرض في دولة كوريا الجنوبية، ليلاحظ بعد ذلك وجود ارتفاع مضطرد في أعداد الحالات المصابة في إيطاليا، وهو ما وصل بها أخيرًا إلى الاستحواذ على ما نسبته 17.67% من جملة مصابي العالم بالفيروس في يوم 20/3/2020. ويوضح الشكل التالي رقم (1) هذا التصاعد في حالات الإصابة منذ نهاية شهر يناير الماضي.

التفشي السريع للوباء في إيطاليا، يدفع إلى التساؤل عن الأسباب التي صنعت هذا الوضع الكارثي الذي آلت إليه الأمور، والتي نجمل أهمها في النقاط التالية: 

حركة السياحة

حققت السياحة في إيطاليا خلال السنوات الماضية نجاحات كبيرة، فلقد استطاع القطاع السياحي في عام 2018 أن يساهم بما نسبته .213% من جملة الناتج المحلي الإيطالي، ووصل عدد السياح إلى 63.19 مليون سائح في عام 2018، وهو ما تجاوز تعداد الشعب الإيطالي الذي بلغ في العام ذاته 60.48 مليون نسمة. 

لكن تلك النجاحات لم تشفع للقطاع السياحي الإيطالي، فبعد تفشي وباء كورونا في البلاد، نُظر للقطاع على أنه أحد المتسببين في تلك الأزمة، خاصة أن البلاد تستضيف عشرات الملايين من السياح القادمين من كل أنحاء العالم، ومن بينهم السائحون الصينيون الذين أُشير إليهم بأصابع الاتهام في جلب الفيروس للداخل الإيطالي، بعدما تم تسجيل حالتين مصابتين بالفيروس في 30 يناير 2020، قادميتن من مدينة ووهان الصينية.

ضعف المنظومة الصحية

كما كان للقطاع الصحي نصيبه من المسئولية، فالقطاع يواجه حالة من الضعف، ناتجة عن تخفيض المخصصات المالية التي يحتاجها، وذلك بسبب السياسات التقشفية التي طبقتها الحكومة في السنوات الأخيرة. فوفق بحث أجرته كلية الإدارة بجامعة بوكوني Bocconi الإيطالية في عام 2019، فإن الدولة لم تخصص للقطاع الصحي من إجمالي الناتج المحلي سوى 6.8%، في حين أن القطاع يحتاج ما بين 7.5% إلى 8%. وقد أدى هذا إلى محدودية واضحة في قدرة القطاع على تأدية واجباته الوطنية في مجال الصحة (انظر شكل رقم 3). 

المصدر: راجع الرابط التالي: 

www.cergas.unibocconi.eu/wps/wcm/connect/cdr/cergas/home/observatories/oasi_ev19 

– إحصاءات منشورة بعنوان Health care resources statistics – Beds، المكتب الإحصائي التابع للاتحاد الأوروبي.

وقد دفع هذا النقصان في الإمكانات الطبية ببعض المسئولين المحلين، مثل حاكم إقليم لومبارديا في الشمال الإيطالي وهو أكثر الأقاليم تضررًا بالفيروس، إلى طلب معونة الجامعات من أجل إرسال طلبة كليات الطب دون مرحلة التخرج إلى المستشفيات للعمل كممرضين. كما قامت السلطات المحلية في أقاليم إيطالية مختلفة بدعم أقسام الأمراض المعدية في كل مستشفى بمزيد من الأسرّة بشكل عاجل. لكن هذه المجهودات لن تكون كافية في رأي مسئولي القطاع الصحي، خاصة مع ازدياد أعداد المصابين، وعدم توفر أية أسرّة جديدة للعناية المركزة، وهو للأسف ما يجبر الأطباء الإيطاليين الآن على المفاضلة بين الحالات المصابة، فلا يُسمح بالاستفادة من خدمة العناية المركزة إلا للحالات التي يعتقد الأطباء وجود أمل في شفائها، فيما تترك الحالات بالغة السوء لتواجه مصيرها المحتوم.

إجراءات وقائية منقوصة

مع بداية انتشاره الواسع في الصين خلال شهر يناير 2020، بدأت دول العالم، ومنها إيطاليا، في النظر للفيروس المستجد والغامض في حينها، على أنه خطر محاصر داخل الصين، لذلك لم تتخذ الحكومة الإيطالية -كغيرها من الحكومات حول العالم- أية إجراءات طبية احترازية، لتسجل إيطاليا في 31 يناير أول حالتين مصابتين بالمرض. وعلى إثرها قامت إيطاليا بتعليق كافة الرحلات من وإلى أربع دول آسيوية، أبرزها الصين.

وعلى الرغم من التأكد من ظهور الحالات المصابة بكورونا داخل إيطاليا قبيل مطلع شهر فبراير إلا أن الحكومة تقاعست عن إجراء الفحص الطبي على المخالطين للحالات المصابة وأيضًا المتواجدين في المواقع التي زارها السائحون المصابون، واكتفت بالكشف على الحالات المرضية الشديدة والواضحة فقط بمعدل 826 كشف لكل مليون مواطن، مما أدى لوجود أعداد غير مقدرة من حاملي الفيروس بين أبناء الشعب الإيطالي. وكان من سوء الحظ أن تزامن ذلك مع موسم انتشار الأنفلونزا الموسمية، وهو ما أدى بالأطباء في المراكز الصحية والمستشفيات إلى تشخيص الحالات الحاملة لفيروس كورونا على أنها من حالات الأنفلونزا الموسمية أو الالتهاب الرئوي، لتتحول المستشفيات ذاتها بعد ذلك إلى بؤر لانتشار الوباء.

كما أن الحكومة ارتكبت خطأ آخر حينما أقرت الحجر الصحي على عدد محدود من البلديات في إقليم لومبارديا في يوم 21/2/2020، وذلك على الرغم من تأكيدات بوجود حالات مصابة خارج هذا الإقليم، ليتسبب ذلك في تسجيل أكثر من 7300 حالة مصابة في يوم 8/3/2020، وهو ما اضطر الحكومة إلى اتخاذ قرارها في هذا اليوم بتوسيع دائرة الحجر الصحي لتشمل 26 مقاطعة داخل 6 أقاليم رئيسية، بما فيها إقليم لومبارديا، لكن مع ثبوت عدم كفاية ذلك القرار جرى توسيع دائرة الحجر الصحي لتشمل كل إيطاليا في 10/3/2020، ليُستتبع ذلك القرار بآخر في 11/3/2020 ينصّ على تشديد القيود على التنقل والحركة، باستثناء التحرك لقضاء الحاجات الأساسية فقط كشراء الطعام والدواء.

هشاشة التركيبة السكانية

الطبيعة السكانية في إيطاليا كان لها هي الأخرى دور مهم في انتشار وباء كورونا، فالشعب الإيطاليّ الذي يُعرف بكونه ثاني أكبر الشعوب الأوروبية شيخوخة بعد ألمانيا، بلغ تعداد المسنين فيه في عام 2019 أكثر من 26.98 مليون نسمة بنسبة بلغت 44.70% من إجمالي الشعب الإيطالي. وبالرجوع إلى أحد التصريحات الرسمية التي سبق أن نشرتها منظمة الصحة العالمية، نلاحظ أن فيروس كورونا يتميز بتأثيره القوي على كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة بسبب ضعف مناعتهم، وهو ما قد يؤدي بالمريض إلى مشاكل صحية خطيرة قد تصل إلى الوفاة.

ويوضّح هذا أحد أسباب ارتفاع الإصابات والوفيات في إيطاليا، فوفق دراسة نشرها المعهد العالي للصحة “Istituto Superiore di Sanità ” في روما بتاريخ 16/3/2020، اتضح أن 76.2% من الذين أصيبوا بالفيروس منذ بداية الأزمة فاقت أعمارهم الخمسين عامًا، في حين أن 99.2% من إجمالي الوفيات تخطت أعمارهم أيضًا الخمسين. كما أوضحت الدراسة التي نشرتها كلية الإدارة بجامعة بوكوني أن 40% من جملة الشعب الإيطالي يُعاني من أمراض مزمنة، أبرزها داء السكري والتهاب الشعب الهوائية، وهو ما من شأنه رفع احتمالات الإصابة والوفاة بين أفراد الشعب. 

ومن المفارقة أن الترابط الأسري في المجتمع الإيطالي أصبح سببًا لاحتمالية زيادة الإصابة بفيروس كورونا. فوفق تقرير نشرته جامعة أكسفورد في 14 مارس 2020[1]، تبين أن انتشار العائلات متعددة الأجيال في المجتمع الإيطالي، والتي تتكون من مسنين وشباب وأطفال، تبين أنه يساهم في احتمالية نقل العدوى، وذلك عن طريق الشباب الذين يضطرون إلى النزول للعمل ثم يعودون إلى منازلهم فيتم نقل العدوى منهم إلى كبار السن.

في إيطاليا الأزمة تشتد، والمئات من المواطنين الأبرياء يقعون ضحية لهذا الوباء بشكل يومي. فها هي الدولة الإيطالية المكلومة تنعى أكثر من أربعة آلاف من أبنائها، لتصبح بذلك الأولى عالميًّا في أعداد الوفيات الناتجة عن فيروس كورونا، متفوقة على الصين ذاتها مصدر انتشار المرض. لكن هذا الوضع المشئوم لن يستمرّ طويلًا، فالشعب الإيطالي يحارب معركته الآن وهو واعٍ بحجم التحدي الذي يجابهه، وعاجلًا أم آجلًا ستُسجِّل إيطاليا -كما كل دول العالم- انتصارها على هذه الجائحة، ليبقى لنا ولأبنائنا من بعد ذلك درس تاريخي نتعلّم منه.

:المصادر

[1] ” Demographic science aids in understanding the spread and fatality rates of COVID-19 ” Leverhulme Centre for Demographic Scienc, University of Oxford, UK, 14-3-2020

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة