الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية

هل ستتفادى إسرائيل انتخابات رابعة؟

بإعلان نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في الثاني من مارس، أصبحت إسرائيل في مواجهة سيناريو أسماه بعض ساستها بسيناريو “يوم القيامة”، والذي قصد به اضطرار إسرائيل لخوض انتخابات رابعة خلال عام واحد. الابتعاد عن هذا السيناريو سيكون من خلال أحد ثلاثة احتمالات لا يوجد ما يؤشر على أن أيًّا منها سيكون حاسمًا أو أقرب للتحقق من غيره، وهو ما يزيد من عمق الأزمة التي تواجه إسرائيل. الطريق إلى سيناريو “يوم القيامة” في ديسمبر 2018 أعلن حزب الليكود الإسرائيلي موافقة قادة الائتلاف الحكومي على حل الكنيست، وإجراء انتخابات مبكرة في أبريل 2019. وكان من المفترض أن تُجرَى الانتخابات في نوفمبر 2019،…

أ. سعيد عكاشة
رئيس وحدة الدراسات الإسرائيلية

بإعلان نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في الثاني من مارس، أصبحت إسرائيل في مواجهة سيناريو أسماه بعض ساستها بسيناريو “يوم القيامة”، والذي قصد به اضطرار إسرائيل لخوض انتخابات رابعة خلال عام واحد. الابتعاد عن هذا السيناريو سيكون من خلال أحد ثلاثة احتمالات لا يوجد ما يؤشر على أن أيًّا منها سيكون حاسمًا أو أقرب للتحقق من غيره، وهو ما يزيد من عمق الأزمة التي تواجه إسرائيل.

الطريق إلى سيناريو “يوم القيامة”

في ديسمبر 2018 أعلن حزب الليكود الإسرائيلي موافقة قادة الائتلاف الحكومي على حل الكنيست، وإجراء انتخابات مبكرة في أبريل 2019. وكان من المفترض أن تُجرَى الانتخابات في نوفمبر 2019، لكن حزب الليكود لجأ إلى تقديم موعد الانتخابات بعد خلافات مع الأحزاب الدينية حول قانون التجنيد الذي يستثني اليهود الأرثوذوكس من أداء الخدمة العسكرية. جرت الانتخابات المبكرة في أبريل بالفعل، حيث حصل حزب الليكود برئاسة “بنيامين نتنياهو” على 36 مقعدًا، وحصل حزب أزرق أبيض برئاسة “بيني جانتس” على 35 مقعدًا، وحصل حزب شاس على 8 مقاعد، وحصل حزب يهدوت هتوراه على 7، وحصل حزب العمل على 6، فيما حصلت إحدى القائمتين التي تمثلان عرب إسرائيل أو عرب 48 (الجبهة العربية للتغيير) على 6 مقاعد، وحصل حزب إسرائيل بيتينو على 5 مقاعد، وحصل اتحاد الأحزاب اليمينية على 5، وحصل حزب كولانو على 4 مقاعد، وحصل حزب ميرتس على 4، بينما حصلت القائمة العربية الأخرى على 4 مقاعد. 

ووفقًا لهذه النتائج فإن جبهة أحزاب اليمين (الليكود، شاس، يهودة هتوراه، كولانو، اتحاد اليمين) كانت أقرب لتشكيل الحكومة بعد أن استحوذت على 60 مقعدًا، وكان ينقصها صوت واحد لكي تحقق ذلك. ولكن ما حدث أن “نتنياهو” وخصمه “بيني جانتس” اللذين تناوبا على الحصول على التكليف من رئيس الدولة عَجَزَا في نهاية الفترة القانونية المتاحة عن تشكيل الحكومة، ومن ثم تم حل الكنيست وتحديد السابع عشر من سبتمبر لإجراء انتخابات ثانية، والتي جاءت نتائجها محبطة بدورها، حيث حصل حزب أبيض أزرق على 33 مقعدًا، وحصل الليكود على 32. والقائمة العربية المشتركة على 13 مقعدًا، يليها حزب شاس (9 مقاعد)، ويهودة هتوراه 7 مقاعد. كما حصل إسرائيل بيتينو على 8 مقاعد، وحصل “يمينا” على 7 مقاعد، وحزب العمل-غيشر 6 مقاعد، والمعسكر الديمقراطي (تحالف ميرتس وإيهود باراك) 5 مقاعد. 

ووفقًا لحساب قوة الجبهات، حصلت جبهة أحزاب اليمين (الليكود، شاس، يهودة هتوراه، يمينا) على 55 مقعدًا، فيما حصل “أبيض أزرق” وحلفاؤه المحتملون من أحزاب الوسط واليسار (العمل، المعسكر الديمقراطي) على 44 مقعدًا، وبقي حزب إسرائيل بيتينو المحسوب تقليديًّا على اليمين بعيدًا عن حساب الجبهات لمواقفه المتشددة من “نتنياهو” بشكل شخصي، ولعدم وضوح استعداده للتعاون الفعلي مع جبهة “جانتس”. أما القائمة العربية فتظل دومًا خارج الحسابات الجبهوية لسبب منطقي هو رفض الأحزاب الصهيونية من اليمين واليسار إشراكها في الائتلافات الحكومية لما لذلك من دلالة رمزية على أن إسرائيل ليست دولة يهودية، بل دولة متعددة القوميات.

وبعد محاولات من جانب “جانتس” و”نتنياهو” لتشكيل الحكومة، استمر الفشل قائمًا، ومن ثم لم يكن هناك مفر من حل الكنيست مرة أخرى، والدعوة لانتخابات ثالثة تم تحديد موعدها في الثالث من مارس 2020.

الموقف بعد الانتخابات الثالثة

على نهج سابقَتَيْها جاءت نتائج الانتخابات الثالثة بلا تغيير جوهري، ومن ثم ظلت الأزمة على حالها قبل أيام من بدء مشاورات رئيس الدولة مع الأحزاب الفائزة لاستطلاع رأيها. فيمن سيحظى بأغلبية للتوصية له بتشكيل الحكومة “بنيامين نتنياهو” أو “بيني جانتس”؟

من الناحية النظرية، ورغم تفوق الليكود على “أزرق أبيض” بفارق ثلاثة مقاعد (36 مقابل 33)؛ إلا أن فرص “بيني جانتس” زعيم “أزرق أبيض” في الحصول على تفويض بتشكيل الحكومة أكبر من فرص الليكود بزعامة “نتنياهو”، نظرًا لأن جبهة اليمين التي يقودها “نتنياهو”، والتي تضم حزب الليكود وأحزاب شاس ويهودة هتوراه ويمينا، حصلت على 58 مقعدًا، فيما حصلت جبهة “أبيض أزرق” التي تضم أحزاب الوسط واليسار والقائمة العربية على 62 مقعدًا، مما يجعل “جانتس” -وفقًا للقواعد القانونية- هو صاحب الحق في الحصول على التكليف أولًا. لكن من الناحية العملية لا تتمتع جبهة “جانتس” بالتجانس والتماسك اللذين تتمتع بهما جبهة “نتنياهو”، ومن ثم فقد لا يتمكن “جانتس” من ضمان توصية كل أحزاب جبهته له بتشكيل الحكومة.

على الصعيد النظري أيضًا يمكن لـ”جانتس” أن يكون، وفقًا للحسابات المبنية على وجود جبهتين إحداهما موالية لـ”نتنياهو” والأخرى معادية له، قادرًا على تشكيل حكومة بقوة 62 مقعدًا في الكنيست، لكن على الصعيد العملي في المقابل يصعب تصور إمكانية تحقيق هذا الاحتمال نظرًا لثلاثة عوامل أساسية: 

١- تهديد بعض نواب “أزرق أبيض” بالانشقاق عن الحزب إذا قام بالتنسيق مع القائمة العربية المشتركة (15 مقعدًا) حتى ولو بشكل تكتيكي من أجل الإطاحة بـ”نتنياهو” وإجبار الليكود على اختيار رئيس جديد له، يسهل بعدها التخلي عن دعم القائمة العربية والاعتماد على تشكيل حكومة موسعة تضم الليكود وأزرق أبيض وأحزابًا أخرى، سواء من اليمين أو الوسط.

٢- خوف حزب “أبيض أزرق” من أن يؤدي تنسيقه (حتى لو كان محدودًا) مع القائمة العربية، إلى تأكيد صفة اليسارية التي يحاول “نتنياهو” إلصاقها به من خلال استدعاء تاريخ للتنسيق كان قائمًا بين القوائم العربية في الانتخابات منذ الثمانينيات وبين حزب العمل ذي التوجهات الاشتراكية واليسارية والذي تدهورت مكانته حاليًّا وبات على شفا الاختفاء من الحياة السياسية بسبب الضرر الذي ألحقته به صفة اليسارية التي صاحبت تاريخه بأكمله. من الناحية الأخرى، فإن الثمن الذي ستطلبه القائمة العربية لمساعدة “جانتس” قد يكون باهظًا فيما يتعلق بسياسة الدولة حيال الأقلية العربية سياسيًّا واقتصاديًّا، وهو ما لا يستطيع “جانتس” أن يقبله حتى لا يكلفه ذلك مستقبله السياسي إلى الأبد في بلد يرى أغلبيةُ مواطنيه اليهود أن التعاون مع الأقلية العربية جريمة لا يمكن التسامح فيها سياسيًّا ووطنيًّا.

٣- أن جزءًا من نواب القائمة العربية، وبالتحديد نواب حزب بلد (3 نواب)، لن يوافق على التنسيق مع “جانتس” الذي يتهم هذا الحزب تحديدًا بالإرهاب ومعاداة السامية. كما أن قبول “جانتس” بدعم القائمة العربية بأكملها -ومن ضمنها حزب بلد- يجعله عُرضة للهجمات من جانب أعضاء حزبه ومن قبل جزء لا يُستهان بِه من الرأي العام الإسرائيلي. 

أمام هذه العقبات كلها يصعب تصور إمكانية أن يحظى “جانتس” بتأييد عدد أكبر من النواب مقارنة بـ”نتنياهو”، للحصول على تكليف بتشكيل الحكومة، وحتى لو تحقق هذا الاحتمال الصعب فإن تشكيل حكومة تعتمد على تأييد أحزاب صهيونية يسارية ووسطية لا تحظى سوى بـ47 مقعدًا في الكنيست وتراهن على إمكانية دعمها من خارج الائتلاف بالخمسة عشر مقعدًا التي تملكها القائمة العربية، سيكون من شبه المستحيل، وستكون مثل هذه الحكومة معرضة لأزمات مستمرة، خاصة إذا استغل النواب العرب قوتهم في الدفع بتشريعات معينة في الكنيست أو العكس (بعرقلة تشريعات تكون في صالح الأغلبية اليهودية في الدولة). 

بمعنى أكثر وضوحًا، فإن الأزمة السياسية التي أجبرت الدولة العبرية على إجراء ثلاثة انتخابات في أقل من عام واحد مرشحة للاستمرار. فالذهاب إلى انتخابات رابعة يبدو أمرًا محفوفًا بالمخاطر لكل أطراف اللعبة السياسية خوفًا من انتفاض الرأي العام ضد الأحزاب وقادتها بما يؤثر على مستقبلها أفرادًا ومؤسسات، وهو السيناريو الذي يعتبره “أفيجدور ليبرمان” -زعيم حزب إسرائيل بيتينو- السيناريو الأسوأ أو سيناريو “يوم القيامة”. والسؤال الضروري هنا يأتي كما طرحناه في المقدمة: كيف يمكن لإسرائيل تفادي التوجه نحو انتخابات رابعة؟

هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول- الإطاحة بـ”نتنياهو” عن طريق القضاء أو الكنيست:

يقوم هذا السيناريو على قيام جماعات تنتمي لمنظمات المجتمع المدني، أو نواب من الكنيست، بقيادة حملة لإصدار حكم من المحكمة العليا أو قرار من الكنيست بمنع “نتنياهو” من الحصول على تكليف بتشكيل الحكومة على خلفية أنه قد يتعرض للعزل سريعًا إذا ما ثبتت إدانته في الجرائم بالاحتيال والرشوة المتهم فيها، والتي ستبدأ محاكمته بسببها بعد أيام قليلة (17 مارس الجاري). وبالفعل بدأت إحدى المنظمات الأهلية (حركة حكومة الجودة) بالتحرك في هذا الاتجاه بتقديم التماس للمحكمة لتأجيل الإجراء الذي بموجبه يعطي الرئيس خطاب التكليف للحزب الذي يوصي به أغلبية النواب الفائزين في الكنيست الجديد لتولي تشكيل الائتلاف. وذكّر مقدم الالتماس القضاة بأن “نتنياهو” لم يكن حاليًّا رئيسًا منتخبًا (حيث شغل منصب رئيس الوزراء المؤقت منذ حل الكنيست العشرين في ديسمبر 2018)، وهو فقط عضو في الكنيست لا ينبغي له أن يتمتع بالحصانة الممنوحة لرؤساء الحكومة؛ بل ينبغي أن تُطبق عليه القوانين الخاصة بمحاكمة نواب الكنيست الذين يرتكبون جرائم خطيرة وضارة بأمن البلاد.

وتساءل صاحب الالتماس أيضًا: كيف يمكن لنتنياهو إدارة شئون الدولة أثناء حضوره عدة مرات في الأسبوع لمدة أيام كاملة مداولات المحاكمة؟. ليس ذلك فحسب، بل إن أي قرار يتخذه “نتنياهو” -المتهم- سيكون ملوثًا بتضارب متأصل في المصالح، حيث لا يعرف الجمهور ما إذا كانت القرارات والتعيينات وحتى التشريعات في مصلحة الدولة أم في مصلحته، خاصة أن هذا العام سيشهد العديد من التعيينات لكبار المسئولين وموظفي إنفاذ القانون، ومن بينهم مفوض الشرطة والمحامي العام، والمستشار القانوني للكنيست، وغيرهم. وطالبت حركة جودة الحكم أيضًا المحكمة العليا بأن تجيب على سؤال حول ما إذا كان يمكن توجيه الاتهام إلى مسئول يخضع لقرار اتهام جنائي بتهمة الرشوة والاحتيال وانتهاك الثقة في إجراء هذه التعيينات.

على جانب آخر، وفِي إطار محاولة منع “نتنياهو” من الحصول على التفويض، قال عضو الكنيست “إيتسيك شمولي”، النائب عن تحالف “العمل جيشر ميرتس” (سبعة مقاعد)، إنّه ينوي إعداد مشروع قانون يحول دون مواصلة “نتنياهو” شغل مهام منصبه. بدوره، أكد عضو الكنيست “عوفر شيلح”، النائب عن تحالف “أزرق أبيض”، أنّ تحالفه ينوي المبادرة إلى إجراءات تمنع “نتنياهو” من مواصلة تولي منصب رئاسة الحكومة، لاتهامه بالفساد، على حدّ قوله، لافِتًا في الوقت ذاته إلى أن التحالف مستعد لدعم أي إجراء من هذا النوع بما في ذلك طرح مشروع قانون لهذا الغرض، طبقًا لأقواله. كما أعلنت القائمة العربية أنها يمكن أن تؤيد مثل مشروع القانون هذا بغض النظر عن الجهة التي ستقدمه حتى لو كان حزب إسرائيل بيتينو. ورغم إمكانية المراهنة على واقعية هذا الخيار أكثر من غيره، إلا أنه يبقى غير مضمون بسبب الإجراءات الطويلة التي تتطلب فترة طويلة من الزمن من جانب المحكمة العليا للوصول إلى حكم قاطع في هذا الأمر شديد التعقيد في دولة مثل إسرائيل ليس لها دستور، ولا تكفي قوانين أساس الدولة -التي تعتبر جزئيًّا نوعًا من أنواع الدساتير المؤقتة- لكي تفصل في مثل هذا الأمر، خاصة مع تحريض “نتنياهو” وشركائه في اليمين على المحكمة العليا والمؤسسات القضائية الأخرى بذريعة انحيازها لليسار ومعاداة رجالها لمصالح الدولة ولإرادة الناخبين!

السيناريو الثاني- حكومة تضم العرب لأول مرة:

كما ذكرنا سابقًا، فإن هذا الاحتمال قائم نظريًّا وصعب تحققه عمليًّا لأسباب عديدة. ورغم ذلك يبدو أن “بيني جانتس” مستعد للتعامل مع سيناريو يصبح فيه الاستعانة بالعرب ممكنًا طالما أنه لن يدفع مقابل مساعدتهم. ويعتقد “جانتس” أن الخصومة بين العرب و”نتنياهو”، بشكل شخصي، بسبب ارتفاع معدل تمرير القرارات التمييزية ضدهم في عهده الطويل، قد تقودهم للتعاون من أجل إسقاطه دون السؤال عما سيحصلون عليه في مقابل تعاونهم في هذا الملف. غير أن “بيني جانتس” قد يكون مدركًا أن الوجبة المجانية التي يمكن أن يحصل عليها من النواب العرب قد لا يكون بالإمكان تكرارها إذا ما طلب من العرب تأييد حكومته الضيقة التي لن تمر إلا بدعم النواب العرب لها في الكنيست، وأن إبقاءهم خارج الائتلاف سيجعل الحكومة هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة، ودخولهم الائتلاف سيكون سابقة تدمر سمعة “جانتس” والحزب، إن لم تؤدِّ إلى تفكيكه، وتقضي على مستقبله السياسي بشكل كامل. أما إذا كان “جانتس” يفكر في أن تشكيل حكومة ضيقة بدعم عربي هو مجرد مناورة لإبعاد “نتنياهو” وتسهيل محاكمته وإدانته بسبب قضايا الفساد وسوء استغلال السلطة وغيرها، ومن ثم يضطر الليكود لاختيار زعيم جديد له، وهو ما يجعل من السهل على “جانتس” تفكيك ائتلافه واستغناءه عن دعم النواب العرب والسعي لتشكيل ائتلاف أوسع مع الليكود بزعامته الجديدة؛ فإن احتمالات مروره بين كل هذه الألغام، بدءًا من قبول العرب دعمه في الحصول على تفويض تشكيل الحكومة، ومرورًا بقبولهم منحه الثقة في الكنيست عندما يشكل حكومة من دونهم، وانتهاء بافتراضه أن الليكود سيطرد “نتنياهو” إذا لم يشكل الحكومة؛ كل هذه الاحتمالات المركبة والمعتمدة على التفكير بالتمني أكثر من استنادها للحقائق الموضوعية يصعب تصور تحقق بعضها إن لم يكن جميعها. إضافةً إلى ذلك، فإن الحسابات المبنية على أمنيات يمكن أن تتحقق من خلال النواب العرب والليكود تتجاهل أنهما ليسا العقبة الوحيدة أمام “جانتس”، فهناك نواب من داخل حزبه على استعداد للانشقاق حال تحالف “جانتس” مع العرب، مثل النائبين “تسفي حوصير” Tzvi Hauser و”يوعاز هندل” Yoaz Hendel، اللذين أعلنا عن ذلك بوضوح. كما أن هناك نوابًا آخرين أظهروا اعتراضهم على هذه الخطوة المحتملة من جانب “جانتس”، مثل النائبين “جابي أشكنازي”، و”شيللي تروبر” Chili Tropper.

السيناريو الثالث- حكومة وحدة وطنية:

يقوم سيناريو إقامة حكومة وحدة وطنية على أساس مشاركة الليكود وأبيض أزرق معًا في حكومة يدعمها 69 مقعدًا في الكنيست، وهو اختيار مثالي إن أمكن تحقيقه كونه يُنتج ائتلافًا له قوة عددية قادرة على حمايته من سحب الثقة بشرط أن تظل السياسات التي سيعتمدها مثل هذا الائتلاف في القضايا المختلفة محل توافق بين الحزبين. وقد عرض أبيض أزرق بالفعل مقترحًا على الليكود بتشكيل هذه الحكومة على أن يرأسها “نتنياهو” في العام الأول، فيما يحل محله “بيني جانتس” لمدة عامين، ليعود “نتنياهو” أو من يكون زعيمًا لليكود في حينها ليترأس الحكومة في العام الأخير له. 

ويعيب هذا السيناريو أن “نتنياهو” لن يرحب به، ليس فقط لأنه يمنحه رئاسة الحكومة لعام واحد في البداية، بل لأنه يستبعد حلفاءه من جبهة اليمين من المشاركة، وهو ما لن يقبله “نتنياهو” بسهولة حتى لا ينفرط عقد هذه الجبهة القوية الداعمة له على الدوام. أيضًا يمكن لهذا السيناريو -إن تحقق- أن يثير غضب الرأي العام الإسرائيلي، كونه كان ممكنًا منذ البداية وبعد انتخابات أبريل الماضي، وسيتساءل رجل الشارع حينها لماذا كلّف السياسيون دافع الضرائب ثمن الذهاب لانتخابين جديدين كان في الإمكان تفاديهما؟ أيضًا يمكن أن يتسبب تحقيق هذا السيناريو في تشويه صورة “بيني جانتس” وحزبه الذي خاض كل معاركه على أساس رفض التعامل مع “نتنياهو” أخلاقيًّا قبل أن يكون سياسيًّا، فلماذا يقبل الآن التحالف مع شخص متهم بالفساد ويتعرض لمحاكمة أثناء توليه منصبه الذي سيرأس فيه وزراء من حزبه بمن فيهم هو نفسه (أي جانتس) الذي سيحصل في الغالب على حقيبة الدفاع أو الخارجية والمالية في العام الأول من عمر الائتلاف المفترض؟. 

خلاصة القول، إن خطر الذهاب إلى انتخابات رابعة يظل احتمالًا قائمًا في ظل فرص تعقيدات السيناريوهات الثلاثة السابقة، وذلك إن لم تحدث تطورات تجعل من أحد هذه السيناريوهات الثلاثة أمرًا ممكنًا.

أ. سعيد عكاشة
رئيس وحدة الدراسات الإسرائيلية