وحدة الدراسات الأوروبية

“الانفصالية الإسلاموية”… ماكرون يسلط الضوء على بعد آخر في أزمة المجتمع الفرنسي

في الأجواء المشحونة التي تعيشها فرنسا، وتعدد الصراعات الداخلية، وارتفاع معدلات الاحتجاج والعنف؛ تحدث الرئيس “ماكرون” مرتين على الأقل عن قضايا المسلمين ووضع الإسلام في فرنسا. أولها، في حديث خاص لصحيفة “لو فيجارو” نُشر على موقعها يوم ٢٤ يناير الماضي. وثانيها، في خطاب أُذيع على الهواء يوم ١٨ فبراير، تقدم فيه ببعض الاقتراحات، وأعلن فيه بعض الإجراءات، وذلك عقب لقاء أو لقاءات عامة مع ممثلي المجتمع المدني، سبقتها مقابلات واجتماعات تمهيدية لم تُعلن مع مثقفين وخبراء.  يقول بعض العالمين ببواطن الأمور، إن الرئيس “ماكرون”، مهما كان موقفه من التعددية الثقافية ومن الثقافة المركزية، يكره الإخوان وكافة فصائل المتأسلمين. لكن هناك…

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

في الأجواء المشحونة التي تعيشها فرنسا، وتعدد الصراعات الداخلية، وارتفاع معدلات الاحتجاج والعنف؛ تحدث الرئيس “ماكرون” مرتين على الأقل عن قضايا المسلمين ووضع الإسلام في فرنسا. أولها، في حديث خاص لصحيفة “لو فيجارو” نُشر على موقعها يوم ٢٤ يناير الماضي. وثانيها، في خطاب أُذيع على الهواء يوم ١٨ فبراير، تقدم فيه ببعض الاقتراحات، وأعلن فيه بعض الإجراءات، وذلك عقب لقاء أو لقاءات عامة مع ممثلي المجتمع المدني، سبقتها مقابلات واجتماعات تمهيدية لم تُعلن مع مثقفين وخبراء. 

يقول بعض العالمين ببواطن الأمور، إن الرئيس “ماكرون”، مهما كان موقفه من التعددية الثقافية ومن الثقافة المركزية، يكره الإخوان وكافة فصائل المتأسلمين. لكن هناك مقاربات مختلفة لعرض وشرح أوجه الاختلاف أو الخصومة، منها طبعًا تلك التي يفضلها الإعلاميون الغربيون، والتي تقوم على التمييز بين الدين الإسلامي المتسامح الجميل القادر على التمييز بين ما هو ديني وما هو سياسي، والممثل لأغلبية المسلمين، من ناحية، و”التأسلم”، بمعنى المشروع السياسي لأقلية فاعلة والمتعصب المنغلق الذي يوظف الدين، والداعي إلى الكراهية، من ناحية أخرى. وبالطبع هناك من يرفض تلك الثنائية، إما للدفاع عن “التأسلم” أو لتبرير الرفض للإسلام والمسلمين.

اللافت للنظر أن الرئيس “ماكرون” اختار مقاربة ومصطلحات مختلفة تمامًا. فقد تحدث عن وجود “انفصالية إسلاموية”، أي مشروع سياسي يسعى إلى خلق بؤر أو كيانات أو أحياء أو مدن أو مناطق لا تنطبق فيها قوانين الدولة بل شريعة الإسلام كما يفهمها المتشددون، وهو مشروع “يبني جدران تمنع الاتصال والتواصل بين فرنسيين وباقي الشعب” وفقًا لتعبيره. “ماكرون” قال أيضًا إن هذا المشروع يرفض تطبيق قوانين البلاد، لأنه يرى أن الشريعة أسمى منها، ويدفع الأطفال المسلمين إلى عدم الالتحاق بمنظومة التعليم السائدة.. إلخ، وهو أولًا وقبل كل شيء “يهدد وحدة الجمهورية، ومبدأ عدم قابليتها للتجزؤ”. 

ولهذه المقاربة بعض المميزات، ويمكن نقدها من بعض الوجوه. فمن ناحية، تخلى الرئيس “ماكرون” عن مقاربة سابقة سادت في الأوساط السياسية كانت تُندد بـ”الطائفية”، وكان المقصود هنا طبعًا “الطائفية الإسلامية”. وكان من السهل نقد هذا الطرح، لأن هناك طائفية كاثوليكية، وثانية بروتستانتية، وثالثة يهودية، ورابعة ماسونية، وخامسة طائفية “مثلية” إن جاز التعبير، وأن الدولة تعايشت –ولو على مضض- مع أغلب أشكال الطائفية. فاتخاذ موقف عدائي من الطائفية الإسلامية هو ضرب من ضروب التمييز. وقيل أيضًا إن الدولة تسامحت مع كل مرتدي ثياب تدل على انتماء ديني عدا الحجاب والنقاب. باختصار، كان يمكن القول إن التنديد بالطائفية هو قناع يُخفي بصعوبة إسلاموفوبيا. 

أما الحديث عن اتجاهات انفصالية فهو حديث يسمح باستهداف “المتأسلمين” دون جمهور المسلمين ودون أبناء المذاهب والديانات الأخرى الذين يحترمون بصفة عامة القوانين الوضعية وإن كرهوها. هذه المقاربة تعفي الحاكم من التدخل الصريح في تفسير الدين، وفي تحديد ما هو الفهم الصحيح له، وبالطبع كون الرئيس غير مسلم يُمثل عنصرًا إضافيًّا لمنع تدخله في عملية التفسير. 

أخيرًا، فإن هذه المقاربة تتفق مع الواقع المعاش في بعض الأحياء والمدن الصغيرة بين تلك التي تسكنها نسبة مهمة أو أغلبية من المسلمين. قال لي مسئول حزبي كبير في نوفمبر ٢٠١٨، إن الإسلاميين نجحوا في بعض الدوائر في خلق “جيتو”، والاستيلاء على مقاليد الحكم فيه. وفي أحوال أخرى، نجحوا في تولي بعض المواقع القيادية المحورية، لأنها تتعامل مع الجمهور، ونجحوا هنا وهناك في دفع غير المسلمين والمسلمين الذين يرفضون مقاربتهم إلى مغادرة الحي أو المدينة، من خلال مضايقة وتهديد غير المحجبات، والإكثار من اللجوء إلى الميكروفونات، ومضايقة من يبيع الخمور ولحوم الخنزير.. إلخ. كما نجحوا في أسلمة الفضاء العام وتطبيق تفسيرهم للشريعة. وفي كل الأحوال، سعى هؤلاء إلى القيام بعد ذلك بالتفاوض مع الدولة أو مع الأحزاب. وتتبادل القوى السياسية الاتهامات في هذا الملف، فهناك قادة في المحليات ينتمون إلى كافة القوى السياسية -عدا أقصى اليمين- تحالفت وما زالت تتحالف مع الإسلاميين لأسباب انتخابية.

وتجدر الإشارة إلى تزايد عدد الدراسات الأكاديمية والكتب والتحقيقات الصحفية التي ترصد ما رصده الرئيس “ماكرون”. هذه الدراسات لا تصدر بالضرورة عن منتمين لليمين المتطرف، الأمر الذي يصعب معه شيطنة كاتبيها، ويتحدث بعضها عن “أسلمة على المكشوف”، وتتحدث أخرى عن “أراضي فتحها/ غزاها الإسلام السياسي”، وهو عنوان كتاب صدر في يناير ٢٠٢٠ وذاع صيته بسرعة، شارك فيه باحثون وحرره الدكتور “برنار روجييه”، وهو أبرز تلاميذ الدكتور “جيل كيبل”. ويفصل الكتاب بعض ما أجمله “ماكرون”، ويضيف أن الإسلاميين يسعون إلى احتكار تعريف وتحديد وتفسير وفرض المعايير التي تحكم كافة سلوكيات المسلمين بما فيها أكثرها خصوصية، ويحاربون بضراوة أي محاولة لطرح تفسير بديل أو مغاير لتعاليم الدين، ويبثون مفاهيم “تشيطن” وتكفر النظام السياسي الفرنسي وفاعليه والمجتمع بأكمله، وتدعو إلى القطيعة معه. وفي الوقت نفسه ينتقدون بشدة كل المسئولين الرسميين عن الجاليات الإسلامية وعن الإسلام في فرنسا. ويشير “روجييه” إلى براعة الإخوان في توظيف المفاهيم والقيم الليبرالية لهدم الخطاب الليبرالي والمبادئ الديمقراطية. وقد نعرض لأهم ما جاء في هذه الكتب في مقال لاحق.

بيد أن مقاربة “ماكرون” تعرضت للنقد، فهناك من قال إن مصطلح “انفصالية” أو حركات انفصالية هو مصطلح مطاط حمال أوجه، ويتضمن قدرًا غير مقبول من التهويل، فلا أحد يسعى إلى الاستقلال السياسي عن فرنسا. وقال زعيم يساري معارض إن هذا التهويل يعرض السلام والأمن الداخلي للخطر، ويتجاهل الدروس المستفادة من تاريخ فرنسا وثلاثة قرون من الحروب الدينية. وأضاف أن كلام الرئيس “ماكرون” يستهدف -وإن ادعى عكس ذلك- كيفية ممارسة المسلمين لدينهم في فرنسا. والحقيقي أن بعض الإجراءات التي اقترحها الرئيس بخصوص اختيار الأئمة والتمويل الخارجي قد تعضد هذا النقد. وباختصار وجه هذا الزعيم تهمة “الإسلاموفوبيا” للرئيس، وهي تهمة كثر استخدامها مما يُقلل من فاعليتها.

هناك من أضاف أن مصطلح “الانفصالية” تم توظيفه سابقًا لشيطنة حركات سياسية واجتماعية ومطالب ثبت مع مرور الزمن أنها كانت مشروعة. وهناك من قال إن هذا المصطلح يمكن تطبيقه على الفئات العليا التي تؤيد “ماكرون” قلبًا وقالبًا، وهي معزولة تمامًا عن باقي المجتمع. وهناك من أشار أيضًا إلى كون محافظة الألزاس (التي ألقى فيها ماكرون خطابه) تتمتع بوضع قانوني خاص فيما يتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة، وهي بالتالي “منفصلة” ولم يندد أحد بهذا الوضع. وهناك من قال إنه حضر اللقاءات بين الرئيس وممثلي الجمعيات الإسلامية ولم يشعر بأن هناك “نزعات انفصالية”، بل مطالبات بالاندماج وعتاب على الدولة لعدم اتخاذها موقفًا صارمًا من مظاهر التمييز ضد المسلمين. مثل هذا الكلام وغيره فيه قدر لا بأس به من الحقيقة، وقدر لا يُستهان به من المغالطات. 

سنكتفي هنا ببعض الملاحظات: 

1- أن مقاربة “ماكرون” لا تزعم أنها تُعامل مشروع “التأسلم” معاملة الأديان والأصوليات الأخرى، بل تجد مبررًا سياسيًّا لمعاملته معاملة مختلفة، ولذلك فإن الاتهام بالكيل بمكيالين هو اتهام صحيح لكنه غير حاسم. والسؤال الأدق: هل التشريعات الحالية تسمح بمواجهته وأن المشكلة في تفعيلها، أم هل تقتضي طبيعة هذا المشروع تشريعات جديدة وخاصة؟ 

2- هناك سؤال آخر: كيف يمكن التعامل مع هذا المشروع المعتمد جزئيًّا على الخطابة في المساجد دون التعدي على حقوق كافة المسلمين، ودون الإخلال بمبادئ العلمانية؟ لأن هذا التعدي والإخلال –فضلًا عن المشكلة الأخلاقية- يدعمان روايات المظلومية والاضطهاد، ويعرضان الإجراءات الإدارية والقوانين لتدخل المجلس المراقب لدستورية القوانين؟ نظريًّا التمييز بين السياسي والديني سهل، لكنه ليس كذلك دائمًا. كما أن جهل السلطات الرقابية بالثقافة الإسلامية لا يساعد طبعًا، والمتأسلمون يجيدون استغلال هذه الصعوبات. 

3- نشير أخيرًا إلى مشكلة رئيسية، وهي أن تطبيق نفس المبادئ ونفس المنهج على الكل سيؤدي إلى تعميم النموذج الحاكم للعلاقة بين الدولة والمذهب الكاثوليكي على الجميع، أي ستطلب الدولة من الديانات الأخرى أن تقلد النموذج الكاثوليكي وتتبناه، وفي هذا تجنٍّ على المسلمين لأن الإسلام لا يعرف سلطة دينية هرمية، وإن تم تفصيل مبادئ للعلاقة مع الدولة تختلف من دين إلى آخر سيكون سهلًا القول إن الدولة تحابي هذا الدين أو تميز ضد آخر.

هناك جملة لافتة قالها الرئيس في خطابه يوم ١٨ فبراير الماضي، إنه لا أحد يولد مواطنًا فرنسيًّا، لكنه يصبح مواطنًا فرنسيًّا من خلال التعليم والتعلق ببعض القيم.. إلخ. هذه الجملة أراها موجهة ضد بعض حجج النشطاء الإسلاميين، ومفادها أن الإسلامي المولود بفرنسا أو الحاصل على الجنسية هو فرنسي بقوة القانون الذي لا يضع شروطًا تتعلق بمعتقدات المواطن وخطابه وتمسكه بالنظام الجمهوري العلماني. المشكلة أن حديث الرئيس لا قيمة قانونية له، ويحمل في ثناياه مفهومًا غريبًا، ويثير صعوبات جمة، إذ يعني هذا الكلام -إن تم أخذه على محمل الجد- أن الكل دخيل على فرنسا بمن فيهم الفرنسيون أنفسهم، وأنهم يصبحون فرنسيين بالتعلم واكتساب عادات ما، وتبني منظومة قيم محددة. وبما أن “المتأسلمين” يرفضون عملية “الفرنسة” هذه فهم يختارون موقع “الدخيل”، وهذه المقاربة تناقض في رأينا كل مفهوم للحرية، وكل مبادئ دولة القانون، وتوقفنا أمامها لدلالاتها من صعوبة التصدي للمشروع الإسلاموي. 

وأتصور أن الرئيس “ماكرون” مدرك لهذا، فقد قال في حديثه مع صحيفة “لو فيجارو” إنه سيكون مجنونًا إن ادعى أنه يملك حلًّا لمشكلة الانفصالية والطائفية، لأنها –وفقًا له- معقدة من ناحية، ولأنها مرتبطة بغيرها من المشكلات الشائكة من ناحية أخرى. فهي مرتبطة من ناحية بما يجري على الساحة الدولية من سياسات هوية، وعلى الساحة الإسلامية الدولية من صراع فكري حول الخطاب الديني الصائب. ومن ناحية أخرى فهي مرتبطة بملفات خاصة بالحالة الفرنسية، فالنموذج الفرنسي يجد صعوبة في الاعتراف بأن الغير الذي يتم إدماجه في الجماعة الوطنية سيحتفظ بنصيب يقل أو يزيد من “الغيرية” إن جاز التعبير، وبالتالي في التعامل مع هذه “الغيرية”. وهناك مشكلات اقتصادية واجتماعية منها ازدياد عدد الخاسرين من العولمة وعدد المناطق التي ارتفعت فيها معدلات الفقر والجريمة (رغم تغير المعايير المعرفة للفقر لتحسين الصورة)، ومنها تراجع أداء منظومة التعليم ودورها كمصعد اجتماعي. ولا يجوز التقليل من شأن قضية الذاكرة بصفة عامة وذاكرة حرب الجزائر بصفة خاصة؛ إذ لا يخفى أن أغلبية المسلمين الفرنسيين -أو على الأقل نصفهم- من أصول جزائرية، وأن حرب التحرير تركت جراحًا عميقة وغضبًا لم ينطفئ بعد. وتُشكّل فرنسا حالة فريدة لأن أغلب المهاجرين جاءوا من بلد عرف حرب تحرير بالغة العنف، وارتُكبت فيها جرائم ومجازر، يراها البعض من طرف واحد ويراها البعض الآخر متبادلة. وقال خبراء مهمون، منهم “إيف لاكوست”، إن أبناء وأحفاد المهاجرين الجزائريين شديدو النقمة ضد فرنسا وضد آبائهم وأجدادهم الذين ارتضوا المجيء إلى فرنسا، ولم يتبع فيها إلى الآن سياسات تتعامل مع ذاكرة الحرب. وقال “ماكرون” إن رسم تلك السياسات يتطلب قيام الجامعات والمؤرخين من ناحية، والعدالة من ناحية أخرى، بأبحاث وتحقيقات تحدد ما حدث، وهذا لم يحدث إلى الآن نظرًا لحساسية القضية. 

كل هذه الصعوبات لم تمنع الرئيس من الإعلان عن سياسات وإجراءات محددة سنتناولها ونقييمها في مقال آخر.

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية