المعتدلون يمتنعون

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

عدد من المصريين الذين يتابعون الانتخابات الأمريكية يشعرون بحيرة بشأن تصاعد فرص «بيرنى ساندرز» للحصول على ترشح الحزب الديمقراطى فى انتخابات الرئاسة القادمة (نوفمبر2020)، ويكررون المقولات التى يرددها البعض فى الولايات المتحدة من أن فرصه تكاد تكون معدومة للوصول للبيت الأبيض فى مواجهة الرئيس الحالى دونالد ترامب. وفى هذا الإطار، قد يكون من المهم تفسير ظاهرة «ساندرز» ومراجعة المقولات المرتبطة بحظوظه الانتخابية. تصاعد شعبية «ساندرز» داخل الولايات المتحدة هو جزء من ظاهرة تجتاح المشهد السياسى العالمى والأمريكى، وهى حالة الاستقطاب السياسى والانقسام الفكرى وتنامى روح القبلية. هذا الانقسام يرتبط بما هو أكبر من الاختلاف حول القضايا الاقتصادية والسياسية، ويتعلق بهوية…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

عدد من المصريين الذين يتابعون الانتخابات الأمريكية يشعرون بحيرة بشأن تصاعد فرص «بيرنى ساندرز» للحصول على ترشح الحزب الديمقراطى فى انتخابات الرئاسة القادمة (نوفمبر2020)، ويكررون المقولات التى يرددها البعض فى الولايات المتحدة من أن فرصه تكاد تكون معدومة للوصول للبيت الأبيض فى مواجهة الرئيس الحالى دونالد ترامب.

وفى هذا الإطار، قد يكون من المهم تفسير ظاهرة «ساندرز» ومراجعة المقولات المرتبطة بحظوظه الانتخابية. تصاعد شعبية «ساندرز» داخل الولايات المتحدة هو جزء من ظاهرة تجتاح المشهد السياسى العالمى والأمريكى، وهى حالة الاستقطاب السياسى والانقسام الفكرى وتنامى روح القبلية. هذا الانقسام يرتبط بما هو أكبر من الاختلاف حول القضايا الاقتصادية والسياسية، ويتعلق بهوية المجتمع، ورؤية الناخبين للقيم الأساسية المرتبطة بها.

هذه الحالة من الانقسام أدت لتهميش قوى الاعتدال وإضعاف قوى الوسط، وفى هذا الإطار ظهر «دونالد ترامب» كممثل لتيار أقصى اليمين، وظهر «بيرنى ساندرز» كمعبر عن تيار أقصى اليسار، وقد قام الحزب الديمقراطى فى عام 2016 بترشيح شخصية تمثل صوت الاعتدال وتيار الوسط وهى «هيلارى كلينتون» لمواجهة «دونالد ترامب» مرشح أقصى اليمين، ظناً أن الاعتدال يستطيع أن يكسب التطرف، ولكن فشل هذا الرهان. ومن ثم فإن إعادة المحاولة والبحث عن مرشح معتدل آخر مثل نائب الرئيس الأمريكى السابق «جو بايدن» أو غيره، قد تؤدى لتكرار نتيجة انتخابات 2016، فاللحظة كانت ولا تزال ليست لحظة الاعتدال. فى هذا الإطار كان صعود «ساندرز» كممثل لأقصى اليسار لمواجهة أقصى اليمين الذى يمثله «ترامب».

ضعف تيار الاعتدال وصعود تيار التطرف يعود لعدة عوامل منها أن الأخير رسالته بسيطة وواضحة وتصل لعموم الناخبين، فرسالة ترامب هى أن المشكلة فى المهاجرين والعولمة، ورسالة ساندرز أن المشكلة فى الشركات الكبيرة والرأسمالية المتوحشة. يضاف لذلك حاجة الحملات الانتخابية لأنصار وتمويل، ومن الواضح أن أنصار تيار التطرف يميناً ويساراً هم الأكثر حماساً ونشاطاً والأكثر سخاء فى التبرع المالى، كما أن هناك درجة أكبر من الثقة فى ضمان ظهورهم فى لجان الاقتراع من أنصار الاعتدال الذين يفضل بعضهم البقاء بمنازلهم وعدم المشاركة فى التصويت.

ظاهرة انحسار الاعتدال ليست مقصورة على الولايات المتحدة بل أصبحت ظاهرة عالمية، فهى موجودة فى بريطانيا فى صورة «بوريس جونسون» ممثل أقصى اليمين و«جيرمى كوربون» (زعيم حزب العمال) والذى مثل أقصى اليسار فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وفى فرنسا نجد شعبية الرئيس ماكرون (ممثل الاعتدال) فى انحسار مع تزايد شعبية ممثلى تيار اليمين المتطرف، وتمدد هذه الظاهرة فى العديد من دول العالم الأخرى.

انحسار الاعتدال لا يعنى نهاية دوره على الساحة السياسية، فالفوز فى الانتخابات يختلف عن إدارة شؤون الحكم، وانتصار ممثلى التطرف لا يعنى قدرتهم على تحقيق أجندتهم بالكامل، فالترشح والفوز فى الانتخابات يختلفان عن إدارة الدولة وشؤون الحكم، والتى ترتبط بالعديد من القيود المؤسسية والمالية، والتى قد تؤدى بممثلى تيار التطرف إلى العودة إلى دائرة تقترب من الوسط من حيث الواقع، حتى لو استمرت تصريحاتهم تعبر عن فكر التطرف.

وأخيراً وبالعودة لساندرز، فإن كثيرا من الديمقراطيين ينظرون له على أنه المعادل الموضوعى لترامب، وأنه القادر على تعبئة قبيلة اليسار فى مواجهة قبيله اليمين، وحتى لو لم يحصل على ترشيح الحزب الديمقراطى، فسوف تظل اللحظة الحالية لحظة التطرف وليس لحظة الاعتدال، لحظة اللون الفاقع وليس الهادئ أو الرمادى، ومن المتوقع أن تسير نتائج الانتخابات الأمريكية فى هذا الاتجاه.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ٢ مارس ٢٠٢٠.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر