زلزال الشباب

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

ثلاث وقائع يجمع بينها خيط واحد سيكون كفيلًا بتغيير شكل السياسة الأمريكية ومواقفها من قضايا الشرق الأوسط فى المستقبل القريب.  الأولى هى قيام أكثر من مائة عضو من الديمقراطيين فى مجلس النواب الأمريكى بالتوقيع على رسالة لترامب رفضوا فيها خطته للسلام المعروفة بصفقة القرن، قائلين إن ذلك «سيضر الإسرائيليين والفلسطينيين، ويدفعهم باتجاه مزيد من الصراع». كما حذرت الرسالة من أن الخطة «تمهد الطريق للاحتلال الدائم للضفة الغربية». وكتبوا «يجب على الحكومة الإسرائيلية ألا تعتبر(الخطة) ترخيصًا لانتهاك القانون الدولى من خلال ضم الضفة الغربية بأكملها أو أجزاء منها». بعدها بأيام فاز بيرنى ساندرز المتنافس للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطى لانتخابات الرئاسة…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

ثلاث وقائع يجمع بينها خيط واحد سيكون كفيلًا بتغيير شكل السياسة الأمريكية ومواقفها من قضايا الشرق الأوسط فى المستقبل القريب. 

الأولى هى قيام أكثر من مائة عضو من الديمقراطيين فى مجلس النواب الأمريكى بالتوقيع على رسالة لترامب رفضوا فيها خطته للسلام المعروفة بصفقة القرن، قائلين إن ذلك «سيضر الإسرائيليين والفلسطينيين، ويدفعهم باتجاه مزيد من الصراع». كما حذرت الرسالة من أن الخطة «تمهد الطريق للاحتلال الدائم للضفة الغربية». وكتبوا «يجب على الحكومة الإسرائيلية ألا تعتبر(الخطة) ترخيصًا لانتهاك القانون الدولى من خلال ضم الضفة الغربية بأكملها أو أجزاء منها».

بعدها بأيام فاز بيرنى ساندرز المتنافس للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطى لانتخابات الرئاسة الأمريكية بالمركز الثانى فى الانتخابات التمهيدية بولاية آياوا، وبالمركز الأول فى ولاية نيوهامشير، وارتفعت التوقعات باحتمالية فوزه بترشيح الحزب. الأمر الثالث كان صدورعدد لمجلة التايم الأمريكية منذ حوالى أسبوعين (٣ فبراير) بغلاف يحمل عنوان «زلزال الشباب: كيف سيتغير العالم عندما يقود جيل جديد» وبمقالة رئيسية تتحدث عن الدور السياسى المتزايد للشباب فى الولايات المتحدة، وكيف أنهم فى الطريق لتغيير الخريطة السياسية الأمريكية. هذا الجيل هو الذى يربط بين مجموعة أعضاء مجلس النواب الذين أرسلوا البرقية إلى ترامب، وصعود بيرنى ساندرز داخل الحزب الديمقراطى، وهو الذى يمثل القاعدة الشعبية للاثنين، ويدفع الحزب الديمقراطى إلى تبنى المزيد من المواقف التقدمية، ومنها مساندة الحقوق الفلسطينية.

هذا الشباب، والذى ينتمى إلى جيلين مختلفين أحدهما يعرف بجيل الألفية (من مواليد ١٩٨١ إلى ١٩٩٦) والآخر جيل Z (من مواليد ١٩٩٦ وما بعدها) يمثلون القاعدة لما أصبح يعرف بالتيار التقدمى داخل الحزب الديمقراطى، وتختلف أفكارهم عن الجيل الأكبر سواء فى القضايا الداخلية أو الخارجية، وتميل بشكل أكبر نحو اليسار، حيث يؤمن غالبيتهم بضرورة توفير الدولة تأمينا صحيا شاملا لجميع المواطنين، وتعليما جامعيا مجانيا وإعفاء الطلاب من القروض المتراكمة عليهم، والاهتمام بشكلٍ أكبر بقضايا البيئة وإصلاح سياسات الهجرة. وفى مجال السياسة الخارجية، يرفض غالبيتهم الكثير من توجهات السياسة الأمريكية الحالية والسابقة، ويرون على سبيل المثال أن الحروب التى دخلت فيها بلادهم مثل العراق وأفغانستان كانت حماقة وغير أخلاقية، ومثلت إخفاقات باهظة، ولا يعتقدون أن الولايات المتحدة هى أعظم دولة فى العالم. وبالرغم من ظاهرة انخفاض معدلات تصويت الشباب فى الانتخابات الأمريكية، فقد شاهدنا تغييرا فى هذا النمط فى السنوات الأخيرة، وبلغت نسبة مشاركة جيل الألفية فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس عام ٢٠١٨ نسبة ٤٢٪، وهو ما يمثل ضعف ما كانت عليه قبل أربع سنوات، وصوت أغلبيتهم للحزب الديمقراطى، وتشير الدراسات إلى أن ما يقرب من ٦٠٪ من الأمريكيين دون سن الثلاثين يخططون للتصويت فى انتخابات هذا العام، ووفقًا لأحد استطلاعات الرأى فإن معدل رفض ترامب بين من تقل أعمارهم عن ٣٠ عاما تجاوز ٧٠٪. وتوضح الإحصائيات أنه لو استمرت التوجهات السكانية الحالية، فإن أبناء هذا الجيل، وبعد عشرين عامًا، أى بحلول عام ٢٠٣٩- سيمثلون ٦٢٪ من الناخبين الأمريكيين.

الخلاصة أنه عندما يتمكن أبناء هذا الجيل فسيحدثون بالتأكيد زلزالًا فى السياسة الأمريكية، كما سيحدث أقرانهم زلزالًا مشابهًا فى دول العالم الأخرى، وهى أمور علينا أن نفهمها ونفكر فى التعامل معها والاستعداد لها.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ١٧ فبراير ٢٠٢٠.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر