وحدة الدراسات الاقتصادية

كيف يؤثر عدم الاستقرار على نمو قطاع الصناعة؟

شهد القطاع الصناعيّ بعد ثورة يونيو 1952 اهتمامًا واسعًا من جانب الدولة، أسفر عن بناء مئات المُنشآت الصناعية التي غطت جزءًا من الواردات المصرية، بالإضافة إلى استهدافها التصدير. وقد تجلى ذلك الاهتمام بوضوحٍ في تطور قيمة الإنتاج الصناعي ككل من 313.8 مليون جنيه في عام 1952 إلى 1.51 مليار في عام 1969. كما شمل هذا الاهتمام كافة أوجه النشاط الصناعي، فعلى سبيل المثال ارتفعت كمية القُطن المغزول من 56 ألف طن في عام 1952 إلى 162 ألف طن في عام 1969، وبلغت قطاعات الصُلب التي لم تكن تنتجها مصر في عام 1952 حوالي 137 ألف طن في عام 1969. لكن…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

شهد القطاع الصناعيّ بعد ثورة يونيو 1952 اهتمامًا واسعًا من جانب الدولة، أسفر عن بناء مئات المُنشآت الصناعية التي غطت جزءًا من الواردات المصرية، بالإضافة إلى استهدافها التصدير. وقد تجلى ذلك الاهتمام بوضوحٍ في تطور قيمة الإنتاج الصناعي ككل من 313.8 مليون جنيه في عام 1952 إلى 1.51 مليار في عام 1969. كما شمل هذا الاهتمام كافة أوجه النشاط الصناعي، فعلى سبيل المثال ارتفعت كمية القُطن المغزول من 56 ألف طن في عام 1952 إلى 162 ألف طن في عام 1969، وبلغت قطاعات الصُلب التي لم تكن تنتجها مصر في عام 1952 حوالي 137 ألف طن في عام 1969. لكن هذه النهضة ما لبثت أن شهدت تعثرًا بسبب التوترات السياسية والعسكرية التي اعترت البلاد بعد 1969، فانخفض نمو معظم الإنتاج الصناعي، حيث بلغت كمية القُطن المغزول في عام 1970 حوالي 164 ألف طن، وانخفضت كمية قطاعات الصُلب المُنتجة إلى 114 ألف طن.

في هذا السياق، يحاول هذا المقال تحري أثر التقلبات السياسية التي شهدتها البلاد فيما بعد ثورتي يناير 2011، ويونيو 2013، على هذا القطاع. 

أولًا: عدد المنشآت الصناعية في القطاعين الحكوميّ والخاص

تعرّض القطاع الصناعي الحكومي على إثر البدء في برنامج الخصخصة في عام 1991 لعمليات بيع متوالية، أدت إلى نقل مِلكية عدد كبير من الشركات العامة إلى القطاع الخاص، حيث استهدفت الحكومة بيع 314 شركة، لم تستمر مُعظمها في العمل بمجرد خصخصتها، حيث جرى تصفيتها للاستفادة من أصولها العقارية، وهو ما أدى إلى ضغوطٍ شعبيةٍ كثيفةٍ نجحت في وقف البرنامج في عام 2008. لكن الاتجاه كان مُعاكسًا في القطاع الخاص الذي شهد نموًّا مُستمرًّا في تلك الفترة بسبب تشجيع الحكومة والحوافز المُختلفة التي حصل عليها في صورة إعفاءات ضريبية أو دعم للطاقة وغيرهما، الأمر الذي سبب ارتفاع عدد المُنشآت الصناعية إلى أقصاه في عام 2009 عند مستوى 4589 مُنشأة، منها 419 منشأة عامة (تابعة للقطاع العام أو قطاع الأعمال العام)، و4170 أخرى تابعة للقطاع الخاص، لكن هذه الزيادة سرعان ما تأثرت بفعل الاضطرابات السياسية التي ضربت البلاد في عام 2011. ويستعرض الشكل التالي تطور عدد المُنشآت الصناعية خلال الفترة من 2007 حتى النصف الثاني من عام 2018. 

ويتضح من الشكل السابق ارتباط النمو والانكماش في عددٍ المُنشآت بحالة الاستقرار السياسي والأمني؛ إذ تشهد فترات الاستقرار نموًّا بينما يحدث العكس في فترات السيولة والاضطراب. ويمكن تقسيم الفترة من عام 2007 إلى عام 2018 إلى خمس مراحل على النحو التالي:

1- شهدت الفترة (2007-2010) نموًّا في عدد مُنشآت القطاع الخاص، حيث كانت قد بلغت 3507 منشآت في عام 2007 إلى 4170 في عام 2009 بزيادة نسبتها 15%، لكنها انخفضت في عام 2010 إلى 4120 بانخفاض قدره 50 مُنشأة، بنسبة 1%.

2- شهدت الفترة (2011-2013) اتجاهًا مغايرًا، حيث انخفض عدد مُنشآت القطاع الخاص إلى نحو الخمس ليصل إلى 3195 مُنشأة. صاحب ذلك أيضًا انخفاض في عدد المُنشآت العامة ليبلغ 388 مُنشأة. ويُرد ذلك إلى انعدام الاستقرار والسيولة الأمنية التي أدت إلى خروج رؤوس الأموال من السوق، وتردي الأحوال الاقتصادية التي دفعت في اتجاه تعثر عدد من المُنشآت من ناحية أخرى. 

3- شهد عام 2014 نموًّا في عدد مُنشآت القطاعين العام والخاص، حيث ارتفع عدد منشآت القطاع الخاص إلى 3384، وارتفع عدد منشآت القطاع العام إلى 409 مُنشآت. وجاء هذا النمو مدفوعًا بالتفاؤل بالاستقرار الأمني والسياسي الذي صاحب إعادة بناء وانتخاب المؤسسات الدستورية في البلاد.

4- شهدت الفترة (2015-2016) تراجعًا في عدد المنشآت الصناعية. وجاء ذلك نتيجة لتطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، وعلى الأخص تحرير السعر، وتقليل الحوافز الضريبية، وخفض دعم الوقود خلال العامين 2015 و2016، ليبلغ عدد المُنشآت الخاصة والعامة 2839 و320 على التوالي في 2016. 

5- شهدت الفترة من عام 2017 وحتى النصف الأول من عام 2018 توقف التراجع في عدد المُنشآت العامة، وارتفع عددها إلى 321 منشأة، بينما شهد القطاع الخاص نموًّا مُلفتًا كان هو الأعلى مُنذ عام 2010 بزيادة قدرها 174 مُنشأة بنسبة 6%. وامتد النمو ليغطي النصف الأول من عام 2018، حيث بلغ عدد المنشآت 2884 منشأة، وهو أعلى من إجمالي العدد في عام 2016، وبانخفاض 129 منشأة عن عام 2017. ويرجع ذلك في الأساس إلى تحسن بيئة الأعمال نتيجة التشريعات الجديدة من ناحية، وإتاحة التمويل بضمانات أقل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، من ناحية أخرى.

ثانيًا: عدد العاملين وقيمة الأجور في القطاعين الحكومي والخاص

يتجه عددُ العاملين في المؤسسات الصناعية الحكومية إلى الانخفاض بشكل عام بسبب تناقص عددها المُستمر مُنذُ تسعينيات القرن الماضي، حيث بلغ عدد العاملين 224 ألف عامل في نهاية النصف الأول من 2018، مقارنة بحوالي 286 ألفًا في عام 2007، بنسبة انخفاض تزيد عن 21%. وكان الاستثناء الوحيد من هذا الاتجاه عام 2014، الذي شهد ارتفاعًا في عدد العاملين إلى 337 ألف عامل مقارنة بحوالي 266 ألفًا في عام 2013، وذلك نتيجة الارتفاع في عدد المنشآت كما سبق بيانه. ويُبين الشكل التالي تطور أعداد العاملين ومتوسط أجورهم الشهرية في المؤسسات الصناعية الحكومية خلال الفترة (2007-2018). 

ويتضح من الشكل السابق أنه في حين تنخفض أعداد العُمال فإن مُخصصات أجورهم تتجه للزيادة، حيث بلغت كامل مُخصصات الأجور في عام 2007 ما إجماليه 6 مليارات جنيه، بينما بلغت في عام 2017 حوالي 23 مليار جنيه، وهو ما أدى إلى ارتفاع متوسط الأجر الشهري للعامل من 1.7 ألف جنيه في 2007 إلى 8.2 آلاف في النصف الأول من 2018، وذلك بمُعدل نمو سنوي 14% في المتوسط خلال الفترة (2007-2017)، وهي نسبة نمو أعلى من متوسط مُعدلات التضخم خلال الفترة نفسها، والتي بلغت 13.5%. كما تجدُر الإشارة إلى أن تراجع عدد العُمال لا يُواكب التراجع في عدد المنشآت؛ حيث بلغ متوسط عدد العُمال في المُنشأة الواحدة في عام 2007 حوالي 659 عاملًا، بينما ارتفع هذا الرقم ليصل في النصف الأول من عام 2018 إلى 712 عاملًا للمُنشأة الواحدة.

وتُظهر الأرقام السابقة حجم ما تُعانيه مؤسسات القطاع الحكومي من إهدار كبير، سواء في قوى العمل المُعطلة أو الأجور التي يتقاضاها العُمال، ويتضح حجم مُعاناة القطاع الحكومي بشكل أكبر عند استعراض أرقام القطاع الخاص التي تُشير من ناحيةٍ إلى مرونة مُرتفعة في سياسة التوظيف، حيث يرتفع عدد العُمال كُلما ارتفع عدد المُنشآت والعكس، بحيث ارتفع عدد العاملين في مُجمل الفترة من 642 ألف عامل إلى 667 ألفًا، كما أن متوسط الأجر الشهري ارتفع من 1.1 ألف جنيه في 2007 إلى 4.7 آلاف بنهاية النصف الأول من 2018، وذلك بمُعدل نمو 15% في المتوسط خلال كامل الفترة، فيما ارتفعت الكثافة من 183 عاملًا للمُنشأة إلى 231 عاملًا في 2018، أي إن مؤسسات القطاع الخاص تعمل في المتوسط بثُلث عدد العاملين، فيما يتقاضى عامل القطاع الحكومي في المتوسط ضعف ما يتقاضاه نظيره في القطاع الخاص، ويوضح الشكل التالي تطور أعداد العاملين ومتوسط أجورهم الشهرية.

جدير بالمُلاحظة أيضًا أن مُعدلات نمو أجور القطاع الحكومي بلغت أقصاها خلال الفترة (2011-2013)، حيث تعرضت الدولة لضغوط فئوية كثيفة، خاصة من عُمال القطاع الحكومي في ظل حالة الضعف التي مرت بها، ما أجبر الحكومة على الانصياع لهذه المُطالبات فبلغت نسب النمو 15%، 36%، 16% في السنوات الثلاث المُشار إليها على التوالي، في حين انخفضت مُعدلات نمو الأجور إلى 13%، 8%، 4% عند استعادة الدولة عافيتها في السنوات الثلاث 2014، 2015، 2016، بينما نجد عكس ذلك تمامًا في القطاع الخاص الذي شهد انخفاض مُعدلات نمو الأجور خلال السنوات 2011، 2012، 2013 إلى مستويات 9%، 12%، 11%، في حين بلغ مُعدل نموها 35% عام 2017 لمواجهة مُعدلات التضخم المُرتفعة، وارتفاع قيمة الإنتاج إلى مداها، وهو ما ينقلنا للنقطة التالية.

ثالثًا: مُستلزمات وقيمة الإنتاج

يُقصد بمُستلزمات الإنتاج جميع مُدخلات الإنتاج من سلع وخدمات فيما عدا عنصر العمل، ويكون النشاط أكثر ربحية أو كفاءة في العموم كُلما ارتفع العائد على هذه المُستلزمات، أي ارتفع حاصل قسمة قيمة الإنتاج على مُستلزماته عن قيمة مائة، أما في حال انخفض حاصل القسمة عن تلك القيمة فإن ذلك يعني أن النشاط يُحقق خسائر، حيث تكون قيمة مُستلزمات الإنتاج أعلى من قيمة الإنتاج ذاته. وتُشير الإحصاءات إلى أن متوسط العائد في مُنشآت القطاع الحكومي خلال الفترة موضوع الدراسة بلغ 119%، أي إن كُل مائة جُنيه تُخصص لمُستلزمات الإنتاج تُدر مائة وتسعة عشر جُنيهًا من الإنتاج بسعر السوق. ويوضح الشكل التالي تطور قيمة مُستلزمات الإنتاج وقيمته بأسعار السوق والعائد على هذه المُستلزمات خلال فترة الدراسة. 

ويوضح الشكل السابق استقرار العائد على المُستلزمات خلال الفترة (2007-2012) حول 130%، لتنخفض في العامين 2013 و2014 إلى مُستوى 90% وما دونها، ما يعني تكبد القطاع الحكومي خسائر في هذين العامين، مُتأثرًا بعدم الاستقرار السياسي خلال الأعوام التالية على يناير 2011، لكنه ما لبث أن تحول إلى تحقيق الأرباح مُجددًا في الأعوام التالية حتى عام 2017 ولكن بنسب أقل مما حققه قبل يناير 2011، إذ دارت حول مُعدلات 115%، وهو ما يوضح انعكاس الأحداث السياسية على القطاع وما يجرى حاليًّا من محاولات لاستعادة قُدرته الإنتاجية.

هناك مؤشر آخر يجب وضعه في الاعتبار وهو إنتاجية العامل، ويتم حسابه بقسمة قيمة الإنتاج على عدد العُمال، وهو رقم يبلغ في المتوسط للقطاع الحكومي 433 ألف جنيه سنويًّا. وهذه الإنتاجية بلغت أعلى مُعدلاتها في عام 2017 بمُعدل 792 ألف جنيه مُتأثرة بمُعدلات التضخم، بينما كانت قد وصلت إلى مستويات 388 ألفًا خلال الفترة (2011-2013) التي شهدت أعلى مُعدلات نمو للأجور، الأمر الذي يؤكد عدم ارتباط عنصري الأجر والإنتاج في القطاع الحكومي، وتأثر العنصرين في المقام الأول بالتطورات السياسية. 

أما في القطاع الخاص فقد بلغ العائد على مُستلزمات الإنتاج في المتوسط 227% خلال فترة الدراسة، أي بنحو ضعف العائد على المُستلزمات في القطاع الحكومي، وكان قد بلغ العائد أقصاه في عامي 2007 و2008 بمُعدلات أعلى من 260%، وانخفض إلى أدنى مستوياته في العامين 2015 و2016 بمُعدل 198%، لكنه عاد إلى الارتفاع مُجددًا في عام 2017 ليبلغ 219%، ويُشير ذلك إلى أن نسبة عائد القطاع الخاص على مُستلزمات الإنتاج في أسوأ أحواله عندما بلغ 198% حيث ظل أعلى بـ47% من عائد القطاع العام في أفضل أحواله عندما بلغ 141%. ويوضح الشكل التالي تطور قيمة مُستلزمات الإنتاج وقيمته بأسعار السوق والعائد على هذه المُستلزمات للقطاع الخاص خلال فترة الدراسة.

أما على مستوى إنتاجية العامل فقد بلغت في المتوسط خلال فترة الدراسة 685 ألف جنيه، بما يُعادل 150% من متوسط إنتاجية العامل في القطاع الحكومي خلال الفترة ذاتها، في الوقت الذي يتقاضى فيه الأخير ضعف ما يتقاضاه الأول تقريبًا. كما بلغت إنتاجية العامل أفضل حالاتها في عام 2017 عندما ارتفعت إلى 1.26 مليون جنيه، وهو نفس العام الذي نمت فيه الأجور بنسبة 35%.

مفاد ما سبق أن القطاع الصناعي -بشقيه الحكومي والخاص- يتأثر بشدة بالتقلبات السياسية والاقتصادية؛ فكُلما كانت الحالة السياسية أكثر استقرارًا اتجهت مؤشراته للنمو، والعكس. وفيما يتعلق بالكفاءة، فإن القطاع الحكومي يتصف بعدم الكفاءة مُقارنة بالقطاع الخاص، من حيث مُخصصات الأجور، أو العائد على مُستلزمات الإنتاج، أو ربط الأجر بالإنتاج، الأمر الذي يستلزم إعادة هيكلة هذا القطاع بكامله بدايةً من البنية التشريعية وحتى هيكله التنفيذي وأخيرًا قُدراته الإنتاجية، بحيث يتم ربط الأجر بالإنتاج فيتحول القطاع بكامله ليكون أكثر كفاءة ويُساعد الدولة في الاضطلاع بأعبائها المالية بدلًا من كونه عبئًا عليها.

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة