وحدة الدراسات الاقتصادية

نتائج برنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر كما يراها صندوق النقد

أكمل المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي في 24 يوليو 2019 المراجعة الخامسة والأخيرة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري الذي جرى من خلال برنامج تسهيل مُمدد (EFF). وقد سمح الانتهاء من هذه المراجعة للحكومة بسحب حوالي 2 مليار دولار أمريكي، وبذلك بلغ إجمالي ما أقرضه الصندوق لمصر خلال فترة البرنامج حوالي 11.9 مليار دولار أمريكي، وهو كامل المبلغ الذي وافق عليه المجلس التنفيذي في 11 نوفمبر 2016 لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تبنته الحكومة المصرية. وفي 10 أكتوبر، أصدر الصندوق النُسخة النهائية من تقرير هذه المُراجعة مُتضمنًا الوضع الحالي للاقتصاد المصري بعد انتهاء تنفيذ البرنامج والتحديات الماثلة أمامه من وجهة نظر الصندوق…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أكمل المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي في 24 يوليو 2019 المراجعة الخامسة والأخيرة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري الذي جرى من خلال برنامج تسهيل مُمدد (EFF). وقد سمح الانتهاء من هذه المراجعة للحكومة بسحب حوالي 2 مليار دولار أمريكي، وبذلك بلغ إجمالي ما أقرضه الصندوق لمصر خلال فترة البرنامج حوالي 11.9 مليار دولار أمريكي، وهو كامل المبلغ الذي وافق عليه المجلس التنفيذي في 11 نوفمبر 2016 لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تبنته الحكومة المصرية. وفي 10 أكتوبر، أصدر الصندوق النُسخة النهائية من تقرير هذه المُراجعة مُتضمنًا الوضع الحالي للاقتصاد المصري بعد انتهاء تنفيذ البرنامج والتحديات الماثلة أمامه من وجهة نظر الصندوق الذي يُعد الشريك الثاني في تنفيذ هذا البرنامج.

أولًا: الوضع الحالي للاقتصاد المصري

ركز هذا الجزء من التقرير على أهم الجوانب الاقتصادية التي استهدفها البرنامج، والشكل الذي تبدو عليه بعد اكتمال البرنامج، وجاء ذلك في ثلاث نقاط رئيسية، هي:

1- استمرار الأداء القوي لمؤشرات الاقتصاد الكُلي في العام المالي 2018/2019 

رصد التقرير بلوغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نسبة 5.4% في النصف الأول من عام 2018/2019، مدعومًا بنمو كبير في إنتاج الغاز الطبيعي والعودة القوية لقطاع السياحة، وما يجري من تطورات سريعة في قطاع البناء والتشييد. كما أشار إلى انخفاض مُعدل البطالة إلى 8.1% في الربع الأول من عام 2019، في حين ارتفع معدل التضخم الرئيسي بشكل طفيف من 12% في ديسمبر 2018 إلى 14% في مايو 2019 بسبب الزيادة في أسعار المواد الغذائية. أما الموازنة العامة فقد حققت فائضًا أساسيًا قدره 2% من إجمالي الناتج المحلي في 2018/2019. كما انخفض إجمالي الدين الحكومي العام من 93% من إجمالي الناتج المحلي في 2017/2018 إلى 85% من إجمالي الناتج المحلي بنهاية يونيو 2019. ومن المتوقع أن يظل عجز الحساب الجاري دون تغيُر يُذكر عند 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي في 2018/2019، في ظل تحول مصر إلى مُصدِّر صافٍ للنفط والغاز في أواخر عام 2018 لأول مرة منذ 2012/2013.

وتجدُر الإشارة هنا إلى نقطتين؛ أولهما أن مُعدلات التضخم شهدت انخفاضًا مُستمرًا بداية من مايو 2019 لتبلغ في يونيو 8.9% وتصل في سبتمبر إلى 4.3%، وهو أدنى مُعدل لها مُنذ نوفمبر 2012. وثانيًا أن مُعدلات النمو ما زالت مدفوعة بنفس القطاعات التي دفعت النمو قبل البدء في تنفيذ البرنامج، ولذلك يجب الاتجاه إلى الاستثمار في القطاعات الحقيقية بكثافة، خاصة قطاعي الزراعة والصناعة اللذين يخلقان فرص عمل حقيقية مُستمرة، ويولدان مُنتجات للإحلال محل الواردات أو للتصدير، بحيث تُحافظ على مُعدلات النمو وتُخفض مُعدلات البطالة، وتُقلل عجز الميزان التجاري، فتنخفض مُعدلات التضخم.

2- انتعاش المؤشرات المالية رغم المخاطر التي تُهدد الاقتصاد العالمي 

يُهدد الاقتصادَ العالمي نوعان من المخاطر، يتمثلان في التباطؤ الذي يجتاح الاقتصادات الكُبرى، والحروب التجارية بين الولايات المُتحدة وشركائها التجاريين. ورغم ذلك، رصد التقرير استئناف تدفقات المحافظ الاستثمارية في عام 2019 مع تحسن معنويات المستثمرين تجاه مصر، وهو ما دعم ارتفاع الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي بنحو 8% منذ بداية العام. كما انخفضت عائدات سندات الخزانة بنحو 200 نقطة أساس بسبب انخفاض مُعدلات الفائدة الأساسية التي تبعت انخفاض مُعدلات التضخم، مما أدى إلى تراجع العائدات المحلية إلى مستوياتها في أوائل عام 2018 لتواريخ الاستحقاق التي تقل عن سنة واحدة، وهو ما يدعم التوقعات بانخفاض التضخم على المدى المتوسط.

3- تباطؤ في تنفيذ بعض الإصلاحات الهيكلية 

رغم استيفاء جميع معايير الأداء وتحقيق المؤشرات الأساسية، إلا أن التقرير أورد عددًا من الإصلاحات الهيكلية التي لم تنفذها الحكومة أو تأخرت في تنفيذها، ومن أهمها: التأخر في تحرير أسعار الوقود، وإعادة هيكلة بنك الاستثمار القومي، وتأخر تبني منظومة جديدة لتخصيص الأراضي الصناعية تتمثل في إنشاء بنك الأراضي الصناعي على الإنترنت، ولكنه لا يتضمن آلية تخصيص قائمة على قوى السوق حيث تختار الحكومة النشاط الذي تُريد توجيه الاستثمار إليه فتخصص له الأراضي. وأخيرًا تأخر الموافقة على اللائحة التنفيذية لقانون المشتريات الحكومية الجديد لتضمينها مُلاحظات البنك الدولي. 

ثانيًا: التحديات المُستقبلية

في هذا الجزء رصد التقرير أهم التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري بعد الانتهاء من تنفيذ البرنامج، وهي:

1- استمرار النمو الاقتصادي لاستيعاب النمو السُكاني 

توقع الصندوق أن مصر ستكون مُضطرة إلى استيعاب ما يقدر بحوالي 3.5 ملايين شاب في سوق العمل خلال السنوات الخمس المُقبلة، وذلك في ظل مُعدلات البطالة المرتفعة للشباب بالفعل، وانخفاض مشاركتهم في سوق العمل. ورغم أن قوة العمل المتنامية تمثل فرصة هائلة لتحقيق مُعدلات نمو أسرع، إلا أن ذلك لن يتأتى إلا في ظل قطاع خاص قوي وحيوي يمكنه توظيف هؤلاء العمال بشكل مُنتج. 

2- تمكين القطاع الخاص للحفاظ على النمو في الأجل المتوسط 

توقع الصندوق أنه على المدى القريب ستدعم زيادة إنتاج الغاز الطبيعي والانتعاش المستمر في السياحة، مع استقرار الظروف الأمنية، الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنمو يقرب من 6%. ومع اقتراب هذه القطاعات من القدرة التشغيلية الكاملة، ستكون زيادة الاستثمار الخاص ضروريًة لدفع تحسينات الإنتاجية ودعم النمو على نطاق واسع خارج هذه المجالات.

3- حدوث تحول في الظروف المالية العالمية أو ضعف زخم الإصلاح 

أثنى الصندوق على السياسات الحكومية التي كانت فعّالة في تعزيز قدرة مصر على الصمود في ظل حالة عدم اليقين المرتفعة في العالم. لكنه تخوف من أن ارتفاع مستوى الدين العام واحتياجات التمويل الإجمالية الخارجية الكبيرة تجعل الاقتصاد المصري عرضة للخطر نتيجة لتحول الظروف المالية العالمية، إذ يُمكن أن تؤدي الزيادة في أسعار الفائدة الحقيقية إلى تفاقم أوضاع الدين العام. بالإضافة إلى ذلك فقد أبدى الصندوق قلقه من أن فقدان زخم الاستمرار في تنفيذ الإصلاح بسبب معارضة البعض للبرنامج من شأنه أن يضعف توقعات النمو. وتشملُ المخاطر الإضافية ما قد يحدث من تدهور للحالة الأمنية التي من شأنها تعطيل الانتعاش في السياحة. ومُجمل هذه المخاطر يؤكد على أهمية الحفاظ على سياسات الاقتصاد الكلي السليمة، ومواصلة جهود الإصلاح، لا سيما وأن المنافسة الدولية وتزايد سياسات الحمائية ترفع من مخاطر الاقتصاد العالمي.

ثالثًا: تقييم الصندوق لنتائج البرنامج

يورد هذا الجزء من التقرير تقييمًا لنتائج البرنامج والتحديات المُستقبلية أمام الاقتصاد المصري، من جانب أفراد بعثة الصندوق إلى مصر والتي قامت بالمُراجعة الخامسة، وقد جاء ذلك التقييم في ثماني نقاط أهمها ما يلي:

1- تحسن وضع الاقتصاد الكُلي في مصر مُنذ بدء البرنامج 

ترى بعثة الصندوق أن الإصلاحات الاقتصادية الكلية الحرجة التي نفذتها السلطات المصرية نجحت في تصحيح الاختلالات الخارجية والمحلية الهيكلية، مما أدى لتسارع النمو، وتضييق العجز المالي الخارجي، وبالتالي زيادة الاحتياطيات الدولية؛ ووضع الدين العام على مسار هبوطي ثابت. كما انخفضت البطالة إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقد، في حين تم تعزيز الحماية الاجتماعية لتخفيف عبء التصحيح الهيكلي على الفقراء.

2- إصلاحات دعم الوقود تُعد إنجازًا كبيرًا يُساعد في زيادة الإنفاق الاجتماعي 

إذ سيشجع ذلك كفاءة استخدام الطاقة، وجذب الاستثمار في المزيد من الصناعات كثيفة العمالة، وإتاحة مساحة مالية للنفقات الاجتماعية ذات الأولوية العالية، بما في ذلك التحويلات النقدية المستهدفة للأسر الفقيرة. وتُعد آلية تحرير أسعار الوقود ضرورية للغاية لحماية الميزانية من عودة ظهور دعم الوقود عند حدوث تغييرات مستقبلية في أسعار الوقود، وإشارة حية إلى التزام الحكومة المستمر بالانضباط المالي اللازم لخفض الدين العام.

3- التنفيذ المُستدام لإجراءات الإصلاح سيكون ضروريًّا لتحقيق نمو قوي وتجنب المخاطر الخارجية 

يشهد الاقتصاد المصري نموًّا في المدى القصير قائمًا أساسًا على النمو في قطاعي السياحة والطاقة، ويحتاج استمرار هذا النمو القوي في المدى المتوسط إلى تنفيذ مستمر للإصلاحات الهيكلية، خاصة في مجال دعم الاستثمار الخاص، الأمر الذي يجعل الاقتصاد المصري في حاجة إلى نموذج نمو أكثر شمولًا للقطاع الخاص يرفع من قدرته على التصدير، وبالتالي تزيد فرصه في استيعاب الداخلين الجدد من الشباب إلى سوق العمل خلال السنوات الخمس المقبلة. جُملة القول، إن الصندوق يشهد بنجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي في المدى القريب، خاصة على مستويي الاقتصاد الكُلي والقطاع المالي، لكنه يرى حاجة إلى مزيد من الجهود في مجال تعزيز دور القطاع الخاص وإتاحة الفرص أمامه بحيث يكون أكثر قدرة على خلق فرص العمل والتصدير. وعلى الجانب الآخر، يتخوف الصندوق من ثلاثة عوامل قد تودي بنتائج الإصلاح في المدى المتوسط، وهي تراجع السلطات المصرية عن عملية الإصلاح نتيجة الضغوط السياسية، أو وقوع عمليات إرهابية تودي بالتطورات في قطاع السياحة، وأخيرًا تغيُرات الاقتصاد العالمي التي قد تؤدي إلى ركوده أو رفع أسعار الفائدة في ظل حاجة الاقتصاد المصري المُتزايدة للتمويل الخارجي.

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة