تقارير

جولة “حمدوك” الخارجية: استعادة توازن السياسة الخارجية السودانية

منذ أن تمّ التوافق على تشكيل حكومة انتقالية برئاسة الدكتور “عبدالله حمدوك”، أخذت حكومة السودان الجديدة على عاتقها البحث عن مخرج للمأزق الاقتصادي والسياسي، وهو ما تطلب وبصورة عاجلة فك العزلة الدولية التي عانت منها السودان إبان فترة الرئيس السابق “عمر البشير”. على هذه الخلفية جاءت الجولة الخارجية لرئيس الوزراء السوداني لتمهد لاستعادة السياسة الخارجية السودانية الكثيرَ من توازنها المفقود. أولًا: المحطات الأربع شملة جولة “حمدوك” الخارجية أربع محطات رئيسية، منها محطتان إقليميتان في دول الجوار المباشر للسودان، هما جوبا والقاهرة، ومحطتان دوليتان هما نيويورك وباريس. ويتناول هذا التقرير هذه المحطات الأربع. 1- جوبا  جاءت زيارة دولة جنوب السودان كأول…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

منذ أن تمّ التوافق على تشكيل حكومة انتقالية برئاسة الدكتور “عبدالله حمدوك”، أخذت حكومة السودان الجديدة على عاتقها البحث عن مخرج للمأزق الاقتصادي والسياسي، وهو ما تطلب وبصورة عاجلة فك العزلة الدولية التي عانت منها السودان إبان فترة الرئيس السابق “عمر البشير”. على هذه الخلفية جاءت الجولة الخارجية لرئيس الوزراء السوداني لتمهد لاستعادة السياسة الخارجية السودانية الكثيرَ من توازنها المفقود.

أولًا: المحطات الأربع

شملة جولة “حمدوك” الخارجية أربع محطات رئيسية، منها محطتان إقليميتان في دول الجوار المباشر للسودان، هما جوبا والقاهرة، ومحطتان دوليتان هما نيويورك وباريس. ويتناول هذا التقرير هذه المحطات الأربع.

1- جوبا 

جاءت زيارة دولة جنوب السودان كأول محطة لرئيس وزراء السودان “عبدالله حمدوك” في الثاني عشر من سبتمبر من العام الجاري، وذلك للعمل على توطيد العلاقات الاستراتيجية مع جنوب السودان، خاصة أن الأخيرة كان لها دور كبير في توفير مناخ للتفاهم بين الحكومة السودانية وبين الحركات المسلحة السودانية المنخرطة في “الجبهة الثورية”، وهو ما يُعد شرطًا أساسيًّا لوقف الحرب وبناء السلام المستدام، وذلك في إطار إعلان جوبا أو ما يُعرف باسم “اتفاق إعلان مبادئ للسلام” المقدم من رئيس جمهورية جنوب السودان “سلفا كير”.

وتأتي زيارة “حمدوك” للعاصمة جوبا رغبةً منه في حسم الخلافات الحدودية بين البلدين الجارين، فضلًا عن حل مشكلات التجارة وحركة المواطنين. كما استهدفت الزيارة تعزيز التكامل التجاري بين الطرفين، علاوة على إقرار عددٍ من التفاهمات حول ملف البترول المستخرج من جنوب السودان والذي يتم تصديره للخارج عبر الموانئ السودانية على البحر الأحمر. بهذا سعت الحكومة السودانية الجديدة عبر تلك الزيارة لتعزيز التعاون مع جنوب السودان، خاصة في المجال الاقتصادي والأمني.

2- القاهرة 

جاءت زيارة “حمدوك” إلى القاهرة في الثامن عشر من سبتمبر في إطار حرص السودان على تعزيز علاقتها بجوارها الإقليمي، الذي تعد مصر أهم أطرافه، لما تتمتع به من مكانة كبيرة على الساحتين العربية والإفريقية. وقد شكّل لقاء رئيس الوزراء السوداني بالرئيس “عبد الفتاح السيسي” مناسبة مهمة لتأكيد الجهود المصرية المستمرة لدعم السودان في المرحلة الانتقالية والتي بدأت بالمساعي المصرية لمنع تعليق عضوية السودان داخل الاتحاد الإفريقي، ثم رفع هذا التعليق الذي أُقِرّ في أعقاب واقعة فض اعتصام القيادة العامة. كما بذلت مصر جهودًا مهمة تستهدف رفع اسم السودان من القوائم الأمريكية للدول الراعية للإرهاب في أعقاب التغيير السياسي الشامل الذي تشهده السودان من أبريل الماضي. كما كان ملف التعاون الثنائي من بين الملفات ذات الأولوية في زيارة “حمدوك” للقاهرة، خاصة فيما يخص مشروع الربط الكهربائي الذي بات يُشكل ضرورة ملحة للجانب السوداني.

3- نيويورك 

جاءت كلمة رئيس الوزراء السوداني “عبدالله حمدوك” في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة لتكسر سنوات طويلة من عزلة السودان الدولية في ظل نظام الإنقاذ الذي اعتُبر على نطاق واسع نظامًا داعمًا للإرهاب وعدم الاستقرار في المنطقة والعالم بأسره. وقد انعكست الآثار المهمة للتغيير السياسي في الترحيب الدولي الكبير الذي حظيت به مشاركة “حمدوك” في الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأمر الذي مثّل اعترافًا دوليًّا بالجهود السودانية المبذولة لإقرار سياسة خارجية متزنة تقوم على التواجد والمشاركة في المحافل الدولية لتثبيت أركان الدولة وتحقيق دعم دولي للنهوض مرة أخرى، علاوة على إضفاء الشرعية الدولية على مكتسبات الثورة السودانية.

4- باريس 

في أعقاب مشاركة رئيس الوزراء السوداني “عبدالله حمدوك” بالدورة الرابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، توجه إلى باريس على رأس وفد رفيع المستوى، وذلك بناءً على طلبٍ من الرئيس الفرنسي “مانويل ماكرون”. وقد جاءت الزيارة تأكيدًا للمواقف الفرنسية الداعمة للثورة السودانية، ودعم فرنسا لتحقيق السلام، فضلًا عن كون فرنسا من بين الدول الداعمة لرفع اسم الخرطوم من لائحة واشنطن للدول الراعية للإرهاب، وهو ما تجلى بشكل واضح خلال خطاب الرئيس “ماكرون” في الأمم المتحدة أثناء دورتها المنصرمة.

ومن بين العوامل التي رجّحت أن تكون باريس المحطة الأوروبية الأولى لحمدوك ما تتمتع به فرنسا من مكانة خاصة في المجتمع الدولي كإحدى أهم الدول الأوروبية، وما تُمثله فرنسا من قوة دولية لها مكانتها العالمية وثقلها السياسي داخل المحافل المختلفة، وإعلان باريس دعمها للاقتصاد السوداني بحزمة مساعدات مالية تُقدر بنحو 67 مليون يورو، وذلك وفقًا لـ”جان إيف-لودريان” (وزير الخارجية الفرنسي) خلال زيارته إلى السودان في السادس عشر من سبتمبر من العام الجاري، وهو ما تأكد خلال الزيارة من خلال إعلان الرئيس الفرنسي عن نية فرنسا استضافة مؤتمر مع الدائنين الدوليين للسودان من أجل مساعدة الخرطوم على معالجة مشاكل الديون وذلك فور قيام الولايات المتحدة برفع اسم السودان من قائمتها للدول الراعية للإرهاب.

ثانيًا: الأولويات الجديدة للسياسة الخارجية السودانية

من خلال قراءة أهم ما حملته جولة رئيس الوزراء السوداني “عبد الله حمدوك” الخارجية يمكن القول إن الأولويات الجديدة للسياسة الخارجية للسودان تتجه للعمل على ثلاثة محاور.

المحور الأول: هو المحور السياسي عبر عودة الانخراط في النطاق الإقليمي والدولي مرة أخرى، وعودة السودان للمشاركة الفعالة في إطار المؤسسات المختلفة والتقارب مع القوى الإقليمية والدولية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة خلال الفترة المقبلة لتحقيق ذلك الهدف. 

المحور الثاني: يتعلق بالمجال الاقتصادي، وهو ما تفرضه التركة الثقيلة التي خلّفها النظام السابق من علاقات اقتصادية خارجية مضطربة ومتدهورة، الأمر الذي انعكس بشكل كبير على الاقتصاد الوطني السوداني، خاصة بعد فرض عقوبات اقتصادية على الخرطوم، وحرمان السودان من العديد من فرص التنمية والتعاون الدولي. على هذا تبدو السياسة الخارجية السودانية أكثر انفتاحًا على التقارب مع الدول الأوروبية وذلك لفتح الباب أمام الحصول على قروض ميسرة من جانب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، علاوة على الاستفادة من التعاون التنموي الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي لمجموعة الدول الإفريقية الكاريبية الباسفيكية في إطار اتفاقية (كوتونو) المُوقعة في عام 2000.

المحور الثالث: يتصل بتفعيل دور السودان في مجال مكافحة الإرهاب، ولا شك أن قضية رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب الأمريكية تُمثل أولوية في ملف العلاقات الخارجية للسودان. وتحقيقًا لذلك الهدف قام “حمدوك” بإجراء تفاهمات حول رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بصورة مباشرة عبر التواصل مع الولايات المتحدة، أو بصورة غير مباشرة عبر الدور المصري أو من خلال المحافل الدولية المهمة كالجمعية العامة للأمم المتحدة.

ثالثًا: مستقبل السياسة الخارجية السودانية: التحولات الجديدة

بالرغم من قصر مدتها في الحكم، كشفت السياسة الخارجية للحكومة السودانية الجديدة عن ظهور العديد من المتغيرات التي تمثل تحولات كبرى عن السياسة الخارجية السودانية خلال حكم الرئيس “عمر البشير”. وتتمثل أهم مظاهر هذا التغير فيما يلي: 

1- تصفير المشكلات وتجنب سياسة المحاور: فإذا كانت السياسة الخارجية في عهد “البشير” تميل إلى استغلال التناقضات بين المحاور الإقليمية والدولية؛ فإن السودان الجديد في مرحلة ما بعد “البشير” -كما أكد عبدالله حمدوك- يسعى إلى انتهاج سياسة خارجية تبتعد عن سياسة المحاور الإقليمية والدولية. كما يمكن القول إن هناك توجهًا عامًّا في السياسة الخارجية السودانية يقوم على تصفير كافة المشكلات، خاصةً مع دول الجوار العربي والإفريقي.

2- تعزيز الدبلوماسية السودانية وفك العزلة الدولية: لقد بات جليًّا أن التحركات الخارجية للسودان، خاصة في إطار المشاركة في الدورة الرابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة واللقاءات المتعددة التي أجراها “عبدالله حمدوك” على هامش الدورة؛ تشير إلى أن هناك رغبة لدى الحكومة السودانية الانتقالية لإعادة التموضع مرة أخرى على الساحتين الإقليمية والدولية، من أجل فك العُزلة التي كانت تعاني منها السودان على خلفية اتهامات دولية متعددة لرموز الحكم في السودان بدعم الإرهاب وارتكاب جرائم حرب.

3- إعادة ترتيب مسار جديد للعلاقة مع واشنطن والاتحاد الأوروبي: يُمكن القول إن “عبد الله حمدوك” باتت لديه رؤية لإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية التي ارتأى معها أهمية ترتيب مسار جديد للعلاقات بين الخرطوم وواشنطن، واستئناف الحوار العالق بينهما بما يفضي إلى رفع اسمه من قائمة الإرهاب، علاوة على طرق أبواب الاتحاد الأوروبي لفتح آفاق جديدة للتعاون الدولي كانت تعاني من انسداد طويل خلال سنوات حكم “البشير”. 

ختامًا، يمكن القول إن العديد من المظاهر الإيجابية للتطور قد كشفت عنها سياسة حكومة “عبد الله حمدوك” الخارجية، وهو الأمر الذي يأتي ليستعيد الكثير من التوازن المفقود في ملف السياسة الخارجية السودانية التي مثلت لعقود مصدرًا للعديد من الأزمات الخارجية ذات التداعيات الداخلية الخطيرة، بدلًا من أن تكون أداة فعالة لدعم السلام والتنمية في الداخل السوداني. 

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at