وحدة الدراسات الأفريقية

دراسة: نحو دور أكثر فعالية لمصر في أجهزة الاتحاد الإفريقي

أُنشئت منظمة الوحدة الإفريقية في عام 1963 بهدف التحرر من الاستعمار وتحقيق الاستقرار، بالإضافة إلى الأمن والتنمية في القارة الإفريقية، والتنسيق بين دول القارة في القضايا الإفريقية. ثم تحولت المنظمة إلى الاتحاد الإفريقي لاحقًا، حيث تطورت أهدافها لتتماشى مع الآمال والتطلعات الجديدة للشعوب والدول الإفريقية، وأصبحت تركز بشكل كبير على تحقيق التكامل الاقتصادي، والاندماج الإقليمي، وبالتالي صارت هناك ضرورة لمراجعة مهام وهيكل المنظمة. وتم في هذا الإطار اعتماد القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي في قمة لومي بتوجو عام 2000، وأنشئ الاتحاد الإفريقي بشكل رسمي في يوليو 2002. وتوالى إنشاء تكتلات إقليمية تابعة للاتحاد لخدمة أهدافه، وتم إنشاء هيئة النيباد، وآلية مراجعة…

د نهى بكر
عضو الهيئة الاستشارية

أُنشئت منظمة الوحدة الإفريقية في عام 1963 بهدف التحرر من الاستعمار وتحقيق الاستقرار، بالإضافة إلى الأمن والتنمية في القارة الإفريقية، والتنسيق بين دول القارة في القضايا الإفريقية. ثم تحولت المنظمة إلى الاتحاد الإفريقي لاحقًا، حيث تطورت أهدافها لتتماشى مع الآمال والتطلعات الجديدة للشعوب والدول الإفريقية، وأصبحت تركز بشكل كبير على تحقيق التكامل الاقتصادي، والاندماج الإقليمي، وبالتالي صارت هناك ضرورة لمراجعة مهام وهيكل المنظمة. وتم في هذا الإطار اعتماد القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي في قمة لومي بتوجو عام 2000، وأنشئ الاتحاد الإفريقي بشكل رسمي في يوليو 2002. وتوالى إنشاء تكتلات إقليمية تابعة للاتحاد لخدمة أهدافه، وتم إنشاء هيئة النيباد، وآلية مراجعة النظراء. 

ولعبت مصر دورًا فعالًا وبارزًا في إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية، فكانت من الدول المؤسسة لها، وشاركت في مؤتمر أديس أبابا الذي عُقد في الحبشة، حيث تم إقرار ميثاق المنظمة، والتوقيع عليه واعتُبر دستورًا لعملها. وتم الاتفاق على أن تكون عضوية هذه المنظمة مفتوحة للدول الإفريقية المستقلة ذات السيادة، بما في ذلك الجزر الإفريقية، شريطة أن تؤمن هذه الدول بمبادئ المنظمة المتمثلة في سياسة عدم الانحياز، وعدم ممارسة التفرقة العنصرية. وفي حالة انضمام عضو جديد، يقرر قبوله بالأغلبية المطلقة للدول الأعضاء، ويُسمح لكل عضو بالانسحاب من المنظمة بطلب انسحاب خطي، ويصبح الانسحاب نافذًا بعد مضي عام. 

وتضم عضوية الاتحاد الإفريقي حاليًّا كل الدول الإفريقية (55 دولة) بعد عودة المغرب في قمة أديس أبابا في يناير 2017. وكانت آخر دولة قد انضمت للاتحاد قبل ذلك هي جنوب السودان. وتبلغ مساحة القارة الإفريقية 30 مليون كم مربع، وتشكل 20% من مساحة اليابسة الأرضية، وتمثل أكبر سوق واعدة في العالم، إذ يزيد عدد سكانها على مليار ومائة مليون نسمة. وتشير المؤشرات الاقتصادية الإفريقية إلى توجهات إيجابية، على رأسها بلوغ معدل نمو الناتج الإجمالي المحلي في إفريقيا سنة 2017 حوالي 3.6%، ما يمثل تعافيًا جيدًا مقارنة بمعدل 2.2 % في سنة 2016. وقد ارتفع هذا المعدل إلى 4.1% سنة 2018. ومن المتوقع استمرار هذا التوجه في عام 2019. وأصبحت البنية الاقتصادية للقارة أكثر تنوعًا ومرونة، حيث ارتفع إسهام القطاعات الصناعية والخدمية في الناتج المحلي الإجمالي. 

مؤخرًا، أسهمت الإصلاحات الاقتصادية بدول القارة في ارتفاع حجم الصادرات الإفريقية لتصل إلى 413.8 مليار دولار في عام 2017، مقارنة بحوالي 355.4 مليار دولار في عام 2016، وانخفاض عجز الميزان التجاري الإفريقي بنسبة 14.5%، حيث بلغ 120.4 مليار دولار في عام 2017، مقارنة بنحو 140.9 مليار دولار في عام 2016، فضلًا عن انخفاض عجز ميزان المدفوعات في إفريقيا بنسبة 34.7%، حيث بلغ 78.8 مليار دولار في عام 2017، مقارنة بنحو 120.7 مليار دولار في عام 2016. ويرتبط التحسن في المؤشرات الاقتصادية في القارة الإفريقية بالعديد من السياسات الإصلاحية التي تبنتها الحكومات الإفريقية، والتي انعكست بالإيجاب على قضايا مثل مكافحة الفساد، وتطوير القدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية، والتي تجاوزت قيمتها على مستوى القارة 60 مليار دولار، ومكافحة التهرب الضريبي بما رفع قيمة الضرائب التي تحصلت عليها الدول الإفريقية خلال عام 2018 إلى أكثر من 500 مليار دولار. كما أدى الموقع الاستراتيجي للقارة الإفريقية، وارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، وتنوعه، وهيكلها الديمغرافي، إلى تكالب القوى العظمى على التواجد الاقتصادي والأمني في القارة، التي وإن كانت تتعافى اقتصاديًّا إلا أن بؤر الصراعات والإرهاب لا تزال تؤثر سلبًا على طموحاتها التنموية، وتفتح بابًا لتدخل القوى العظمى في شئونها الداخلية.

يتناول هذا البحث الدور المصري في منظمة الاتحاد الإفريقي، وسبل التفعيل الأفضل لهذا الدور في أجهزة الاتحاد، مع التركيز على التكتلات الاقتصادية الإقليمية التابعة للمنظمة، بالإضافة إلى نيباد والآلية الإفريقية لمراجعة النظراء، مستخدمًا المنهجين القانوني والتاريخي، والمنهج المقارن في إطار التحليل الكمي والكيفي. علمًا بأن الخروج بتوصيات في هذا الشأن استوجب توضيح تطور الوضع الاقتصادي، والسياسي، والأمني في إفريقيا، وتحديد أجهزة الاتحاد، والتكتلات الاقتصادية الإقليمية التابعة له، لتحليل أوجه القوة والقصور، وصولًا لتوصيات محددة في هذا الشأن.

أولًا- مصر والموارد الطبيعية في القارة الإفريقية:

تتنوع الموارد الطبيعية في إفريقيا، ما قد يجعلها مطمعًا ما لم تستطع تشبيك وتنسيق قدراتها بين دولها، وتشبيك العلاقات بين التكتلات الاقتصادية الإقليمية، وتفعيل أفضل للنيباد، ولدعم الآلية الإفريقية لمراجعة النظراء لحوكمة أفضل، كي لا تعمل هذه الأجهزة التابعة للاتحاد الإفريقي كجزر منعزلة. أضف إلى ذلك تعميق وتفعيل آليات تعاون الجنوب-الجنوب منعًا لاستنزافها من جانب القوى الكبرى، وهو ما أدركته مصر في حقبة ما بعد ثورة يونيو 2013، حيث تسعى جاهدة للعمل عليه، من خلال إدراجه كأحد محددات السياسة الخارجية المصرية. القارة الإفريقية هي أحد أهم مصادر الطاقة في العالم، وهو ما يعضد أهميتها في استراتيجيات أمن الطاقة للقوى الدولية، حيث تملك القارة حوالي 124 مليار برميل من احتياطي النفط، وهو ما يشكل حوالي 12% من الاحتياطي العالمي. كما تبلغ احتياطاتها من الغاز الطبيعي حوالي 10% من إجمالي الاحتياطي العالمي، حيث تملك حوالي 500 تريليون متر مكعب من احتياطي الغاز الطبيعي. كما تعد القارة أحد المصادر المهمة للمعادن والموارد الطبيعية، حيث تنتج حوالي 90% من البلاتين المنتج في العالم، و40% من إنتاج الماس، وتحوز على 50% من احتياطي الذهب، و30% من اليورانيوم المهم في الصناعات النووية، وتنتج 27% من إجمالي كمية الكوبالت المنتجة، وتنتج 9% من الإنتاج العالمي من خام الحديد. 

كما تعد القارة أحد مصادر الأمن الغذائي للعالم، حيث تعتبر الزراعة أحد أهم الأنشطة الاقتصادية في القارة، بالنظر إلى تنوع المناخ، وكثرة الأنهار، حيث يعمل ثلثا سكان القارة بالزراعة تقريبًا، والتي تساهم بحوالي 20% – 60% من الناتج المحلي الإجمالي بدول القارة، إضافة إلى كونها أحد أكبر مصادر المنتجات الزراعية مثل البن، والقطن، والكاكاو. كما تتميز إفريقيا بوجود الكثير من الغابات التي يُنتَج منها الأخشاب بكميات كبيرة؛ علاوة على الثروة السمكية التي تساعد على توفير الدخول لحوالي 10 ملايين إفريقي يعملون بمهنة صيد الأسماك. فيما تبلغ قيمة الأسماك التي تصدرها القارة 2.7 مليار دولار أمريكي سنويًّا. 

بالإضافة إلى ذلك، تعد إفريقيا سوقًا مهمة حاليًّا ومستقبليًّا للمنتجات والاستثمارات، حيث تشير الإحصاءات إلى ارتفاع عدد سكان إفريقيا من 1.2 مليار نسمة حاليًّا إلى ملياري نسمة بحلول عام 2050، ما يعزز مكانتها كواحدة من أكبر الأسواق المستهلكة وكقوة شرائية في العالم. وتسعى مصر من خلال عقد الاتفاقيات الثنائية مع الدول الإفريقية، والمتعددة الأطراف من خلال الاتحاد الإفريقي، لأن تكون حلقة وصل بين الأسواق الإفريقية والأسواق الشمالية مما يمكنها من أن تصبح ركيزة لإفريقيا من قبل المستثمرين.

ثانيًا- مصر وأجهزة وهيئات الاتحاد الإفريقي وتكتلاته الاقتصادية الإقليمية:

ا- الدور المصري في إنشاء الاتحاد الإفريقي:

يتناول هذا الجزء الإطار القانوني والهيكلي لمنظمة الاتحاد الإفريقي، وتطور التواجد المصري ودوره داخل الاتحاد. يتكون القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي من 33 مادة، وتحدد مقدمة نص القانون أهداف الاتحاد، وهي: تحقيق وحدة وتضامن أكبر بين الشعوب والبلدان الإفريقية، والدفاع عن السيادة والأراضي، والاستقلال لكافة الدول الإفريقية، والتعجيل بالتكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي لإفريقيا، وتعزيز السلام والأمن والاستقرار في القارة، وتوطيد النظام الديمقراطي ومؤسساته، وتعزيز المشاركة الشعبية والحكم السديد، وحماية حقوق الإنسان وفقًا للميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وكذلك المواثيق ذات الصلة، وتهيئة الظروف الضرورية التي ستمكن القارة من لعب دورها المناسب في الاقتصاد العالمي والمفاوضات بين الدول، والإسراع بتنمية القارة، خاصةً عن طريق البحث في مجال العلم والتكنولوجيا.

وتنص المادة الرابعة من القانون التأسيسي على المبادئ الأساسية للاتحاد، وهي: مبدأ المساواة والترابط بين الدول الأعضاء، واحترام الحدود الموروثة عند الاستقلال، وإقامة سياسة دفاعية مشتركة، ومنع استخدام القوة أو التهديد بها بين الدول الأعضاء، وعدم التدخل في الشئون الداخلية لأي دولة عضو، وحق الاتحاد في التدخل في شئون دولة عضو عند وقوع ظروف خطيرة مثل جرائم الحرب والإبادة الجماعية، وحق الدول في طلب تدخل الاتحاد لإعادة السلام والأمن، واحترام قدسية الحياة الإنسانية ورفض الإفلات من العقوبة والأعمال الإرهابية والأنشطة التخريبية، ورفض وإدانة أي تغيير غير دستوري للحكومات.

فيما يخص نشاط مصر على مستوى إفريقيا والاتحاد الإفريقي والتكتلات الاقتصادية الإقليمية، ساهمت مصر في تأسيس هيكل الاتحاد الإفريقي الذي جاء خلفًا لمنظمة الوحدة الإفريقية. كما كانت أيضًا من الدول المؤسسة لمنظمة الوحدة الإفريقية عام 1963. وجاءت مساهمة مصر من خلال تقديم الوفد المصري المشارك بقمة لومي عام 2000، وهي القمة التأسيسية للاتحاد، طلبًا لإدخال بعض التعديلات على مشروع الوثيقة، شملت: تعديل المادة 4 (ح) بحيث تتضمن قصر حق الاتحاد في التدخل في شئون الدول الأعضاء في ثلاث حالات محددة، هي: جرائم الإبادة، الجرائم ضـد الإنسانية، وجرائم الحـرب؛ وتعديل المادة (5) الخاصة باللغات المستخدمة في الاتحاد بما يتضمن إدراج اللغة العربية لتكون ضمن لغات عمل الاتحاد. وقد تم الأخذ بهذه التعديلات. كما قامت مصر بالتصديق على 20 اتفاقية في إطار الاتحاد الإفريقي، دخلت منها 16 حيز النفاذ و2 حيز النفاذ مؤقتًا، ويضاف إلى ذلك النظام الأساسي للجنة القانون الدولي للاتحاد الإفريقي الذي دخل حيز النفاذ فور اعتماده من قمة أديس أبابا في فبراير 2009. كما وقعت مصر على 6 اتفاقيات، هي: الميثاق الإفريقي للشباب في 16/10/2008، والاتفاقية الإفريقية لإنشاء برنامج التعاون الفني في 23/9/2004، وميثاق النهضة الثقافية الإفريقية في 2/11/2009، والمعاهدة الإفريقية لإقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية (معاهدة بليندبا) في 11/4/1996، والاتفاقية المؤسسة للمعهد الإفريقي لإعادة التأهيل في 8/4/1986، وبروتوكول الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب بشأن إنشاء محكمة إفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. وتجدر الإشارة إلى أن مساهمة مصر في ميزانية الاتحاد الإفريقي تمثل 12% من إجمالي مساهمة الدول الأعضاء في ميزانية الاتحاد، وبذلك تعتبر مصر واحدة من الدول الخمس الأكبر مساهمة في ميزانية الاتحاد، وهي: أنجولا، وجنوب إفريقيا، والجزائر، ونيجيريا.

ب- الدور المصري في أجهزة الاتحاد الإفريقي:

قامت مصر بدور فعال في إنشاء وتفعيل أجهزة الاتحاد الإفريقي. وقد نشط هذا الدور بعد يونيو 2013، حيث تبنت مصر سياسة خارجية ترتكز على دعم مصر لعلاقات الجنوب-الجنوب، خاصة في إطار العمق الإفريقي، بالإضافة لإدراك مصر أهمية أن يكون لها دور فعال في تنمية إفريقيا، ودعم إحلال السلم فيها، وأهمية تناغم الدول الإفريقية في مواقفها السياسية في القضايا الدولية، لما تمثله من كتلة تصويتية مهمة (55 دولة) داخل المنظمات والمنتديات الدولية.

يأتي في مقدمة أجهزة الاتحاد الإفريقي مؤتمر الاتحاد Assembly أو القمة، وتعد أعلى سلطة في الاتحاد، وتشمل رؤساء الدول أو الحكومات أو ممثليهم. ويجتمع مرتين على الأقل سنويًّا، ويتولى رئيس دولة أو حكومة رئاسة المؤتمر بعد مشاورات بين الدول الأعضاء ولمدة سنة واحدة، بالتناوب بين الأقاليم الإفريقية الخمسة (شمال/ وسط/ غرب/ شرق/ جنوب). ويتم تحديد موضوع رئيسي لكل قمة. وترأس مصر الاتحاد خلال العام الحالي 2019. 

المستوى الثاني: هو المجلس التنفيذي Executive Council (EC)، ويتكون من وزراء الخارجية أو أي وزراء يتم تسميتهم من قِبَل حكوماتهم. ويجتمع عادة مرتين سنويًّا في دورتين عاديتين، ويجتمع في دورات غير عادية بناءً على طلب أي دولة عضو وبموافقة ثلثي الأعضاء.

المستوى الثالث: هو “لجنة الممثلين” أو “المندوبون الدائمون” Permanent Representative Committee (PRC)، وتتكون من سفراء أو مندوبي الدول الدائمين المعتمدين لدى الاتحاد. وهي لجنة مسئولة عن التحضير لأعمال المجلس التنفيذي، وتعمل بناءً على توجيهاته، ويجوز لها تشكيل لجان فرعية أو مجموعات عمل عند الحاجة.

المستوى الرابع: هو “البرلمان الإفريقي” Pan-African Parliament (PAP). فقد نص القانون التأسيسي للاتحاد على إنشاء برلمان عموم إفريقيا كأحد أجهزة الاتحاد لضمان مشاركة كاملة للشعوب الإفريقية في تنمية وتكامل القارة. ويهدف البرلمان الإفريقي إلى تسهيل تنفيذ أهداف المنظمة، ودعم حقوق الإنسان والديمقراطية في القارة، وتشجيع الحكم الرشيد والشفافية والمساءلة في الدول الأعضاء، ودعم الأمن والاستقرار والسلام في الدول الإفريقية، وتسهيل التعاون والتنمية، وتعزيز التضامن بين دول القارة. وقد تقرر أن يكون مقر البرلمان الإفريقي الذي أطلق عام 2004 في جنوب إفريقيا. وللبرلمان دور استشاري، وهو يتكون من رئيس و4 نواب يمثلون المناطق الجغرافية الخمس للاتحاد الإفريقي. والهدف من وجود 4 نواب هو تكريس مفهوم المساواة بين الشعوب والمناطق الجغرافية الخمس في القارة، ويضم البرلمان 265 عضوًا. ويضم البرلمان الإفريقي 11 لجنة؛ التجارة والجمارك والهجرة، والتعليم والثقافة والسياحة، والشئون المالية، والعلاقات الدولية وحل المنازعات، والاقتصاد والزراعة، والعدل وحقوق الإنسان، والصحة والشئون الاجتماعية، والنقل والاتصالات والتكنولوجيا. ويمثل مصر في البرلمان الإفريقي 6 من أعضاء البرلمان المصري الحالي من لجنة الشئون الإفريقية، هم اللواء “حاتم باشات” رئيس لجنة الشئون الإفريقية، والنائبة “مي محمود” أمين سر لجنة الشئون الإفريقية، والنائب “مصطفى الجندي”، والنائب الدكتور “السيد فليفل”، والنائب اللواء “صلاح عفيف”، كما تم تسكينهم في لجان البرلمان الإفريقي، حيث انضم اللواء “حاتم باشات” إلى لجنة العلاقات الخارجية وفض المنازعات، وانضم الدكتور “السيد فليفل” إلى لجنة التعليم، وانضم النائب “مصطفى الجندى” إلى لجنة حقوق الإنسان، وانضمت النائبة “مي محمود” إلى لجنة الموارد الطبيعية والبيئة والزراعة، وانضم اللواء “صلاح عفيفي” إلى لجنة المقترحات والشكاوى. كما استقبل الرئيس “عبدالفتاح السيسي” في 2016 رئيس البرلمان الإفريقي “روجيه نكوندو دانج”، واستضافت مصر الدورة التشريعية الرابعة للبرلمان الإفريقي في شرم الشيخ في أكتوبر في العام نفسه، حيث عُقدت الجلسة المشتركة بين البرلمانين الإفريقي والعربي. 

المستوى الخامس: هو المفوضية African Union commission (AUC)، وتعد بمثابة الأمانة العامة أو سكرتارية الاتحاد، وتتكون من رئيس ونائب رئيس و8 مفوضين يتولون المسائل المتعلقة بكل من السلم والأمن، والشئون السياسية، والبنية التحتية والطاقة، والشئون الاجتماعية، والموارد البشرية والعلوم والتكنولوجيا، والتجارة والصناعة، والاقتصاد الريفي والزراعة، والشئون الاقتصادية. ويتم انتخاب أعضاء هيئة المفوضية لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط. وتم انتخاب هيئة مفوضية الاتحاد الإفريقي الحالية برئاسة التشادي “موسى فقيه أحمد” خلال قمة أديس أبابا (يناير 2017). وتعتبر هذه الهيئة هي الهيئة الرابعة التي تتولى إدارة مفوضية الاتحاد الإفريقي منذ إنشائه. ولمصر خطة واضحة في إعادة هيكلة وتطوير المفوضية لتحقيق أهداف الاتحاد الإفريقي. 

المستوى السادس: هو اللجان الفنية المتخصصة، وتضم 14 لجنة، أهمها لجنة الدفاع والسلامة والأمن، ولجنة الهجرة واللاجئين والمشردين داخليًّا، ولجنة الشئون المالية والنقدية والتخطيط الاقتصادي والتكامل، ولجنة النقل والبنية التحتية عبر القارية والإقليمية المشتركة، والطاقة، والسياحة. وتعتبر اللجان الفنية أحد الأذرع التنفيذية المهمة للاتحاد الإفريقي، حيث تعمل عن قرب مع الإدارات المعنية في مفوضية الاتحاد. ويتم تقديم نتائج أعمال اللجان الفنية إلى المجلس التنفيذي الوزاري (على مستوى وزراء الخارجية) للاتحاد الإفريقي للاعتماد تمهيدًا لعرضها على قمة الاتحاد الإفريقي لرؤساء الدول والحكومات. وتم إنشاء اللجان الفنية المتخصصة بقرار من قمة الاتحاد الإفريقي بهدف تعجيل التكامل الإقليمي في القارة من خلال تنفيذ مشروعات وبرامج الاتحاد. وتتابع اللجان تنفيذ برامج التنمية الخاصة بمفوضية الاتحاد الإفريقي والتكتلات الاقتصادية الإقليمية. 

أحد الأهداف الرئيسية من استحداث اللجان الفنية المتخصصة هو تقليل عدد الاجتماعات الوزارية. وفي إطار نشاط مصر وتفاعلها مع تلك اللجان مؤخرًا إيمانًا منها بأهمية التفاعل وتفعيل عمقها الإفريقي، استضافت مصر في عام 2017 فعاليات الاجتماع الثاني للجنة الفنية المتخصصة للتعليم والعلوم والتكنولوجيا، وتسلمت رئاسة اللجنة من السنغال في الدورة التالية للاستضافة. كما استضافت الدورة العادية الثانية للجنة النقل والبنية التحتية العابرة للقارة والأقاليم STC-TTIET في أبريل 2019، والتي عقدت اجتماعها تحت عنوان “تنمية البنية التحتية الذكية لتعزيز التحول والتكامل القاري في إفريقيا”، وذلك بالتعاون مع مفوضية الاتحاد، ونيباد، وبنك التنمية الإفريقي AfDB، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا UNECA لمناقشة خطط العمل على مستوى القارة الإفريقية في مجال البنية التحتية والنقل والطاقة والسياحة، وتعزيز الحوار عبر القطاعات من أجل وضع استراتيجيات شاملة للتنمية في القارة فيما يخص تلك القطاعات، بالإضافة إلى تقييم ما تم عمله خلال الفترة الماضية، والمشروعات خلال الفترة القادمة، وتقديم توصيات بمبادرات محددة (برامج خاصة، سياسات، أطر تنظيمية وهيكلية) ليتم تقديمها واعتمادها من قمة الاتحاد الإفريقي لرؤساء الدول والحكومات، واعتماد خطة عمل اللجنة عن الفترة (2019-2021) بمشاركة كافة الدول الإفريقية أعضاء الاتحاد الإفريقي. 

المستوى السابع: هو “المجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي” ECOSOCC، ويهدف إلى دعم وتشجيع الحوار بين الشعوب الإفريقية وقيادتها حول مختلف المسائل الحيوية، وضمان مشاركة الشعوب الإفريقية بصورة فعالة في تنفيذ وتقييم برامج الاتحاد الإفريقي. 

المستوى الثامن: هو المؤسسات المالية، وتشمل صندوق النقد الإفريقي، وبنك الاستثمار الإفريقي (ومقره الدائم في ليبيا)، والبنك المركزي الإفريقي (مقره الدائم في نيجيريا). 

المستوى التاسع: المؤسسات القضائية ذات الصلة بموضوعات حقوق الإنسان، وتتمثل في: (1) “اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب” ACHPR، حيث وقعت مصر على الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب في 16/11/1981، وصدقت عليه في 20/3/1984. (2) “المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب” AFCHPR، حيث وقعت مصر على البروتوكول المنشئ للمحكمة في 17/2/1999 (لم تقم بالتصديق عليه). (3) “اللجنة الإفريقية لحقوق الطفل ورفاهيته”، حيث وقعت مصر على الميثاق الإفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته في 30/6/1999، وصدقت عليه في 9/5/2001. 

المستوى العاشر: “مجلس السلم والأمن” AU-PSC. وتم إنشاؤه في عام 2004، وتعد قراراته ملزمة لجميع الدول الأعضاء بالاتحاد. ويتشكل من خمسة عشر عضوًا، يتم انتخاب عشرة منهم لمدة عامين وخمسة لمدة ثلاثة أعوام، وذلك على أساس التناوب وفقًا لمبدأ التمثيل الجغرافي للقارة. وقد أنشئ المجلس وفق نموذج مجلس الأمن الدولي الذي كرس للمرة الأولى مبدأ التدخل الإفريقي في أزمات القارة. ويمكن لهذا المجلس إرسال بعثة سلام إلى دولة عضو -وهو ما تشارك فيه مصر بفاعلية- ورفع توصية إلى المؤتمر بنشر قوة عسكرية في حال حدوث حرب إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وقد وقعت مصر على البروتوكول المنشئ للمجلس في مارس 2004، ثم أودعت وثيقة التصديق على البروتوكول في مارس 2005. كما انتُخبت مصر عضوًا بالمجلس عن إقليم الشمال، ثم بدأت في ممارسة مهام عضويتها اعتبارًا من 17 مارس 2006 لمدة عامين وحتى نهاية مارس 2008، وترأسته في عام 2006. وأطلقت مصر المبادرة المصرية لإنشاء آلية التشاور بين مجلسي السلم والأمن الإفريقي ومجلس الأمن الدولي خلال رئاستها مجلس السلم والأمن في ديسمبر 2006، ثم انتخبت مجددًا عضوًا بالمجلس لمدة عامين اعتبارًا من مارس 2012. وفي إطار السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة 2013 التي ترتكز على العمق الإفريقي انتخبت مصر لعضوية المجلس لمدة 3 أعوام عن إقليم الشمال بدءًا من شهر أبريل 2016. كما تولت مصر رئاسة المجلس في سبتمبر 2016، وفي يناير 2018. ودعا السيد رئيس الجمهورية لعقد جلسة رئاسية للمجلس برئاسته على هامش قمة الاتحاد الإفريقي في يناير 2018 تحت عنوان “نحو مقاربة شاملة لمكافحة التهديد العابر للحدود للإرهاب في إفريقيا”. كما أقرت قمة نواكشوط في يوليو 2018 المسعى المصري لاستضافة المركز الإفريقي للتنمية وإعادة الإعمار بعد النزاعات AUPCRD، والذي ستعمل مصر والدول الإفريقية من خلاله على تعزيز السلم والأمن بهدف تحقيق التنمية الشاملة في القارة.

وتساهم مصر في إقرار السلم والأمن في إفريقيا، وتقوم بتفعيل دورها من خلال عمليات حفظ السلام في إفريقيا في إطار الدور المصري في دعم الأمن والاستقرار داخل القارة. وتشارك مصر في 8 بعثات للأمم المتحدة لحفظ السلام من أصل 9 بعثات على مستوى القارة الإفريقية في كل من: بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية MINURSO، وبعثة ​​ الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية إفريقيا الوسطى MINUSCA، وبعثة الأمم المتحدة لتحقيق ​ الاستقرار في مالي MINUSMA، وبعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في كوت ديفوار UNOCI، وبعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في ليبيريا UNMIL، وبعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية MONUSCO، والبعثة الهجين للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة بدارفور UNAMID، وبعثة الأمم​​ المتحدة لحفظ السلام في جمهورية جنوب السودان UNMISS، كما ستستضيف مصر بصورة مؤقتة مقر الأمانة التنفيذية لقدرة إقليم الشمال NARC بالقوة الإفريقية الجاهزة لمدة عام واحد قابل للتجديد. وتتعاون مصر مع القدرة الإفريقية للرد الفوري في الأزمات ACIRC، حيث تم إيفاد ممثلين لها للعمل بالخلية.​

وكان مجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد الإفريقي قد أصدر قرارًا عقب ثورة 30 يونيو 2013 بتجميد عضوية مصر في أنشطة الاتحاد الإفريقي، استنادًا إلى المادة الرابعة من القانون التأسيسي للاتحاد التي تنص على رفض وإدانة أي تغيير غير دستوري للحكومات. وقد سعت الدبلوماسية المصرية وبذلت الجهد لإزالة هذا الالتباس، إلا أن هذا التجميد تسبب في غياب مصر لأول مرة منذ أكثر من خمسين عامًا عن القمة الإفريقية، قبل أن تعود مرة أخرى للمشاركة في المحافل الإفريقية وتحديدًا في أعمال الدورة العادية الـ 23 لقمة الاتحاد، في 25 يوليو 2014، التي أُقيمت بغينيا الاستوائية، بمشاركة الرئيس “عبدالفتاح السيسي”.

وتشغل مصر عضوية مجلس السلم والأمن لمدة ثلاثة أعوام اعتبارًا من أبريل 2016، وقد ترأسته في عام 2018.

ج- الدور المصري في التكتلات الاقتصادية الإقليمية داخل الاتحاد الإفريقي:

تم تأسيس “التكتلات الاقتصادية الإقليمية في الاتحاد الإفريقي على أساس جغرافي، أو على أساس نوعي. ويشار إلى تلك التكتلات في الكتابات الأكاديمية، والسياسية أحيانًا، بمفهوم “التجمعات”، أو التكتلات الاقتصادية. وقد تم إنشاؤها جميعًا في حقبة منظمة الوحدة الإفريقية. هذه التكتلات الاقتصادية الإقليمية تشمل: الكوميسا، و”تجمع دول الساحل الصحراوية”، و”إيكواس”، و”ساداك”، و”إيكاس”، و”الاتحاد المغاربي العربي”، و”إياك”، و”إيجاد”. وتعد مصر عضوًا في اثنين من هذه التكتلات على أساس جغرافي، وهما تجمع الكوميسا وتجمع الساحل والصحراء. كما تتمتع بصفة العضو المراقب في أحد هذه التكتلات، وبصفة “دولة صديقة” في تكتل آخر، هذا بالإضافة إلى “نيباد” (NEPAD ) New Partnership for Africa’s Development وهي مبادرة تتضمن رؤية الاتحاد الإفريقي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للقارة الإفريقية، تم صياغتها وتبنيها من قبل رؤساء خمس دول إفريقية، هي مصر والجزائر ونيجيريا وجنوب إفريقيا والسنغال، وأقرتها قمة منظمة الوحدة الإفريقية التي عُقدت في لوساكا (زامبيا) في يوليو 2001، وتركز الآن على تحقيق أجندة إفريقيا 2063.

(1) “السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا” (كوميسا) COMESA: أُنشئت “كوميسا” في سنة 1993 لتحل محل تجمع سابق هو “المنطقة الحرة للتجارة التفضيلية لدول شرق وجنوب إفريقيا”، حيث تم مد عمل معاهدة التجارة التفضيلية ليتم تطبيقها في “كوميسا”، وبحيث تتحول من منطقة حرة إلى سوق مشتركة بعد عشر سنوات من تاريخ إنشائها، لكن تواجه المنظمة مشكلات خاصة بالتزام الدول بتطبيق البرنامج الموضوع لتخوفها من فتح أسواقها مما يؤدي إلى الإضرار بصناعاتها، وكذلك التخوف من انخفاض حصيلة الجمارك التي تعتبر مصدرًا رئيسًا للدخل في موازنات العديد من الدول الإفريقية. وفي 1997 التزمت دولتان فقط بتخفيض الجمارك إلى 80%، وفي عام 1999 التزمت أربع دول أعضاء بالتخفيض إلى 90% من الجمارك البينية للدول الأعضاء، وفي عام 2000 تم إنشاء المنطقة الحرة للكوميسا بتسع دول فقط من الدول الأعضاء. وتضم “كوميسا” 19 دولة من جنوب وشرق وشمال إفريقيا، وتعد مصر، أكبر عضو في هذا الكيان الاقتصادي، الذي يعد من أكثر التكتلات الاقتصادية الإقليمية الإفريقية فعالية، بالإضافة إلى كونها ثاني أكبر تجمع من حيث الكثافة السكانية، حيث يزيد عدد سكان دوله عن 350 مليون نسمة. وقد تم التوقيع على المعاهدة المؤسسة للكوميسا في 8 ديسمبر 1994، وذلك من قبل 22 دولة إفريقية، وكان من المفترض أن يكون 8 ديسمبر 2008 تاريخًا لإطلاق الاتحاد الجمركي. وقد انسحب من عضوية الكوميسا عددٌ من الدول، منها: تنزانيا، وناميبيا، وموزمبيق، والصومال، ومملكة ليسوتو، وأنجولا (جمدت عضويتها)، لينخفض عدد الدول الأعضاء إلى 19 دولة، هي: مصر، وبوروندي، وجزر القمر، وجيبوتي، وإريتريا، وإثيوبيا، وكينيا، ومدغشقر، وملاوي، وموريشيوس، ورواندا، وسيشل، والسودان، وسوازيلاند، وأوغندا، وزامبيا، وزيمبابوي، والكونغو الديمقراطية، وليبيا.

وتعد “كوميسا” أول تجمع اقتصادي إقليمي للاتحاد الإفريقي تنضم إليه مصر، حيث انضمت للتجمع في عام 1998. وقد شهد التجمع دورًا رائدًا وقياديًّا لمصر بعد ثورة يونيو 2013 من أجل تحقيق الأهداف والمبادئ التي يتبناها التجمع، حيث أصبحت مصر من أوائل الدول ضمن قائمة حركة التجارة البينية للتجمع، كما أصبحت لمصر استثمارات متزايدة في عدد من دول الكوميسا. كما وجهت مصر الدعوة لعدد من دول الكوميسا للمشاركة في منتدى إفريقيا 2018، تحت شعار “القيادة الجريئة والالتزام الجماعي نحو تعزيز الاستثمارات البينية الإفريقية” برعاية الرئيس “عبدالفتاح السيسي”. وشارك في المنتدى لفيف من الزعماء والقادة والرؤساء الأفارقة، من بينهم رؤساء زيمبابوى، وتوجو، والنيجر، ورواندا، إضافة إلى عدد من كبار رجال الأعمال والقادة الحكوميين لمناقشة القضايا الاقتصادية والتجارية الملحة التي تساهم في تحقيق النمو المتواصل والتنمية المستدامة في الدول الأعضاء. وشارك أيضًا ممثلون عن شركاء مصر في التنمية، ورجال الأعمال والمستثمرون وشخصيات رفيعة المستوى من مجال الأعمال من المصريين والأفارقة وجميع أنحاء العالم، بهدف تحفيز الاستثمار في القارة الإفريقية. كما شارك أكثر من 800 شركة ومؤسسة دولية في المنتدى و120 متحدثًا و90 دولة و3000 مشارك. كما عقد المنتدى 50 جلسة بهدف الاستفادة المتبادلة وتأكيدًا للترابط بين اقتصاديات الكوميسا. وقد كان من أبرز نتائج قمة شرم الشيخ توقيع رؤساء دول وحكومات أعضاء التجمعات الثلاثة على اتفاقية منطقة التجارة الحرة الثلاثية (اتفاقية شرم الشيخ) والتي من شأنها أن تُعزز حركة التجارة البينية، وزيادة التدفقات الاستثمارية، وفتح المزيد من الأسواق، وتعزيز التنافسية، ودعم تنمية البنية التحتية لتكون المنطقة رائدة عملية الاندماج الاقتصادي والتجاري على مستوى قارة إفريقيا. كما وجهت مصر أيضًا في ديسمبر 2018 الدعوة للدول الأعضاء بالكوميسا للمشاركة في المعرض التجاري الدولي الإفريقي الذي استضافته القاهرة وذلك بالتعاون مع بنك الاستيراد والتصدير الإفريقي. علمًا بأن هذا المعرض يعد الأول من نوعه حيث يمثل منصة لتبادل المعلومات حول التجارة والاستثمار والسوق بهدف تعزيز التجارة البينية بين الدول الأعضاء.

(2) تجمع دول الساحل الصحراوية Community of Sahel-Saharan States: ويعتبر هذا التجمع أكبر التجمعات الاقتصادية الإفريقية من حيث الوزن النسبي للناتج المحلي الإجمالي. وقد وُقعت وثيقة تأسيس هذا التجمع بمدينة “سرت” في عام 1998، بهدف إنشاء كتلة اقتصادية إفريقية متكاملة لها استراتيجية تنموية تحقق رسالة مشتركة وهي الاعتماد الذاتي التكاملي لاقتصادات الدول الأعضاء ككتلة موحدة، بالإضافة إلى التكامل السياسي والاجتماعي والثقافي. وفي عام 1999 تم توسيع مجالات العمل للتجمع بإضافة الميثاق الأمني وتبادل المعلومات، والتنسيق في مجالات الزراعة والصناعة والاستثمار. وتتمتع مصر بالعضوية الكاملة في تجمع الساحل والصحراء منذ عام 2001، وصدقت على المعاهدة المنشئة للتجمع عام 2006. كما شاركت مصر بفاعلية وبوفد رفيع المستوى ترأسه السيد رئيس الوزراء المصري في القمة الاستثنائية للتجمع في أنجامينا في فبراير 2013. كما شاركت مصر في آخر اجتماع وزاري للتجمع بالخرطوم في مارس 2014، وهو أول اجتماع وزاري عقب التوقيع على المعاهدة المنقحة للتجمع في قمة أنجامينا في فبراير 2013. وعلى الرغم مما يشهده هذا التجمع من مشاكل وعقبات، إلا أن مصر وعددًا من الدول الأعضاء يقومون بدور بارز من أجل العمل على مواجهة تلك المشاكل، والعمل على إعادة تفعيل دور التجمع، خاصة في المجالات الأمنية والسياسية، والعمل على مواجهة ظاهرة الإرهاب المتنامية في إقليم التجمع. وكان من أهم التحركات التي قامت بها مصر من أجل إعادة تفعيل دور التجمع دعوة وزراء دفاع الدول الأعضاء للاجتماع في القاهرة في عامي 2018، 2019. 

(3) التجتمع الاقتصادي لدول غرب إفريقيا (إيكواس) ECOWAS: وقعت أربع دول على اتفاقية إنشاء “الإيكواس” عام 1965، لكن لم يتم تفعيل الاتفاقية، وتجددت الدعوة لإنشائها في عام 1972 عن طريق نيجيريا. واستغرقت الاجتماعات التحضيرية مدة ثلاث سنوات، إلى أن تم التوقيع على معاهدة إنشاء المنظمة في “لاجوس” في مايو 1975، وتم التوقيع على البروتوكولات المنفذة لها في العام التالي في “لومي”. وفي يوليو 1993، وقعت الدول الأعضاء الست عشرة، التي تقع جميعًا في منطقة غرب إفريقيا، على معاهدة معدلة للمنظمة لدفع عملية التكامل الاقتصادي عن طريق الاندماج في جميع مجالات النشاط الاقتصادي: الصناعي، والنقل، والاتصالات، والطاقة، والموارد الطبيعية، والتجارة، والمسائل المالية والاقتصادية، بالإضافة إلى تعظيم التعاون السياسي بين الدول الأعضاء. وتتمتع مصر بصفة عضو مراقب بالتجمع. 

(4) جماعة التنمية للجنوب الإفريقي (سادك) SADC: بدأت فكرة التجمع الاقتصادي لدول جنوب إفريقيا في عام 1979، وتم إعلان المنظمة رسميًّا في قمة “لوساكا” في أبريل 1980 تحت مسمى “مؤتمر التنسيق والتنمية للجنوب الإفريقي”. غير أنه في عام 1992 حدث تطور تكاملي ووظيفي للتكتل ليتغير اسمه إلى المسمى الحالي. ويبلغ عدد الدول الأعضاء في “سادك” 16 دولة موزعة على مناطق جنوب ووسط القارة. وتضم المنظمة ما يزيد على 200 مليون نسمة، بالإضافة إلى ناتج محلي إجمالي يزيد عن 176 مليار دولار، وتستحوذ جنوب إفريقيا بمفردها على 78% من هذا الناتج. وتتبنى الجماعة مدخلًا تكامليًّا جديرًا بالدراسة والمتابعة التحليلية يتلخص في إسناد المشروعات التكاملية داخل الأقاليم الاقتصادية بتوزيعها بشكل يتوافق مع الميزة النسبية للدول داخل تلك الأقاليم. على سبيل المثال، اختصت موريشيوس بمشروعات السياحة، في حين اختصت زامبيا بمشروعات التعدين لتميزها بوجود ثروات معدنية كبيرة، واختصت جنوب إفريقيا بمشروعات الصحة وتمويل الاستثمارات لتقدمها العلمي وتوفر مؤسسات التمويل. وتؤدي المنظمة بعض الأنشطة السياسية، مثل: الرقابة على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الدول الأعضاء. ومن أمثلة ذلك الانتخابات البرلمانية التي عقدت في زيمبابوي، والتي أرسلت المنظمة بعثة من مراقبين، بالتوازي مع البعثة التي أرسلها الاتحاد الإفريقي لنفس الغرض، للتأكد من حسن سير الانتخابات.

(5) هيئة التنمية بين الحكومية (الإيجاد) IGADD: أُنشئت الهيئة في عام 1986 تحت مسمى “المنظمة بين الحكومية للجفاف والتنمية”، إي إنها تحصر اهتماماتها في مجالات الجفاف والتصحر. وفي منتصف التسعينيات من القرن العشرين، قررت الدول المؤسسة إعادة الحيوية إلى أوصال المنظمة، وتحويلها إلى منظمة إقليمية بصلاحيات كاملة في المجالات السياسية والتنموية والاقتصادية والتجارية، وبذلك تحول كل اهتماماتها إلى العمل من أجل الأمن الإقليمي والحوار السياسي بين دول القارة. وكان ينظر استراتيجيًّا إلى منظمة “الإيجاد” على أنها تمثل الضلع الشمال الإفريقي لمنظمة “كوميسا”، بينما تمثل منظمة “سادك” المنظمة الند لها في جنوب إفريقيا. علمًا بأن الأقسام التنفيذية للمنظمة تعكس القضايا الملحة وأولويات المنظمة طبقًا للحقائق التالية: متوسط نمو السكان في الدول الأعضاء يتجاوز 3% سنويًّا، وموجة التصحر التي يعاني منها الدول الأعضاء تفرز نقصًا في الإنتاج الغذائي مما يفرز مجاعات، وتعاني معظم الدول الأعضاء من أزمات إنسانية من انتهاكات لحقوق الإنسان والهجرة الجماعية، وأخيرًا عدم الاستقرار السياسي والأمني على المستوى الوطني والبيني في ست دول من إجمالي الدول الأعضاء السبع، هي: الصومال، والسودان، وأوغندا، وإريتريا، وإثيوبيا، وجيبوتي. وتطرح المنظمة مفهوم مساءلة القادة الأفارقة أمام الشعوب الإفريقية، وهو ما يوضح التزام القادة الأفارقة بالمد الديمقراطي، والذي بدون الالتزام بمبادئه لن يتسنى للقارة الاندماج في عملية العولمة، وتفهم واستيعاب القادة الإفريقية للارتباط الوثيق القائم بين متطلبات التنمية المستدامة في القارة الإفريقية، وهي: التكامل الاقتصادي بين دول القارة، والنمو الاقتصادي المتسارع، والتنمية السياسية والاجتماعية، وإعادة الهيكلة الاقتصادية، والتفاعل المنضبط مع قوى العولمة بالاندماج المدروس وتفادي تهميش القارة عالميًّا. 

(6) الاتحاد الاقتصادي لدول إفريقيا الوسطى (إيكاس) ECCAS: نشأت فكرة تكوين اتحاد اقتصادي لدول منطقة إفريقيا الوسطى في مؤتمر قمة لدول المنطقة في ديسمبر عام 1981، وتوجت مجهودات تلك الدول بإنشاء المنظمة بنهاية عام 1983، وإن لم تبدأ أنشطتها الفعلية إلا في عام 1985. ويضم الاتحاد 11 دولة في منطقة وسط إفريقيا، ويعيش فيه ما يقرب من 50 مليون شخص. ويهدف “إيكاس” إلى إنشاء منطقة تجارة حرة بين الدول الأعضاء، ولكنه حقق نجاحًا هامشيًّا لوجود تجمعات فرعية به، مما يؤدي التنافس فيما بينها إلى تعطيل التجارة بين باقي الدول الأعضاء ككل، وتسهيلها بين دول التكتلات الاقتصادية الاقتصادية الإقليمية. التجمع الأول بين دول البحيرات العظمى، ويضم: الكونغو الديمقراطية، وبوروندي، ورواندا. بينما يتكون التجمع الثاني من ست دول، وهي: الكاميرون، وإفريقيا الوسطى، وتشاد، والكونغو بيساو، والجابون، وغينيا الاستوائية. 

وقد تبنت المنظمة برنامجًا مرحليًّا لتحرير التجارة البينية بين أعضائها في أول ثماني سنوات من عمرها. المرحلة الأولى كانت تهدف إلى خفض تدريجي للعوائق غير الجمركية بين أعضائها، وإن لم تكلل هذه المرحلة بالنجاح لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي لبعض دولها (مثل: الكونغو الديمقراطية، وبوروندي، ورواندا). وكان من أهداف منظمة الإيكاس تحقيق الوحدة الجمركية للدول الأعضاء بحلول عام 2003، ولكن الظروف السابقة حالت دون تحقيق هذا الإنجاز. ومنذ عام 1992 تقلصت أنشطتها بشكل كبير لعدة أسباب منها المشكلات المالية التي تعاني منها المنظمة لعدم التزام الدول الأعضاء بدفع حصصها في الموازنة، بالإضافة إلى دخول بعض أعضائها أطرافًا في نزاعات إقليمية ضد أعضاء آخرين. وقد تم اعتماد مصر كدولة صديقة لدى التجمع في 16 يناير 2014، الأمر الذي يتيح لها حضور اجتماعات التجمع بصفة دورية، ومتابعة تطورات الأوضاع في منطقة وسط إفريقيا.  

(7) الاتحاد المغاربي العربي UMA: بدأت بوادر تكوين الاتحاد في عام 1964 ضمن فعاليات مؤتمر وزراء اقتصاد دول المغرب العربي بين الجزائر، والمغرب، وليبيا، وتونس، للتنسيق بين خطط التنمية للدول الأربع، وكذلك بين منطقة المغرب العربي، والتنظيمات الاقتصادية والوحدوية الأوروبية، ولكن لأسباب سياسية لم يكتب لتلك الخطط النجاح. وفي عام 1988 تم إعادة تفعيل الاتحاد في مؤتمر قمة عُقد في الجزائر بمشاركة رؤساء دول المغرب العربي. وفي العام التالي تم توقيع معاهدة إنشاء الاتحاد في “مراكش” بالمغرب لتفعيل التعاون السياسي والاقتصادي بين الدول الأعضاء، إلا أن الشد والجذب بين الجزائر والمغرب، وانهيار مؤسسات الدولة الليبية بعد ثورات ما يسمى بالربيع العربي أدى إلى شبه تجميد لأنشطة الاتحاد. 

(8) مجموعة شرق إفريقيا East African Community EAC: وتضم ست دول من شرق إفريقيا، هي: بوروندي، وكينيا، وأوغندا، ورواندا، وتنزانيا، وجنوب السودان، وتأسست سنة 1967، ثم تم حلها في سنة 1977 وأُعيد تأسيسها سنة 2000. وتوصلت المجموعة في سنة 2008، وبعد مباحثات ومفاوضات مع مجموعة تنمية إفريقيا الجنوبية وكوميسا، لاتفاق بشأن توسيع سوق التجارة الحرة بين بلدان المنظمات الثلاث.

(9) “الشراكة الجديدة من أجل التنمية الإفريقية” (نيباد) NEPAD، وهي رؤية إفريقية لاستراتيجية شاملة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالقارة، صاغها وتبناها رؤساء الدول الخمس: مصر، والجزائر، ونيجيريا، وجنوب إفريقيا، والسنغال، واعتمدتها منظمة الوحدة الإفريقية في يوليو 2001. وقد تم إدماج النيباد في أجهزة الاتحاد الإفريقي بموجب قرار قمة الاتحاد في أديس أبابا في فبراير 2010 كهيئة فنية تابعة للاتحاد، وذلك لتسهيل وتنسيق وحشد الموارد لتنفيذ البرامج والمشروعات القارية والإقليمية ذات الأولوية. وتتمثل الأهداف الرئيسية للمبادرة في: القضاء على الفقر، وتحقيق التنمية المستدامة، وتدارك تهميش القارة الإفريقية، وتمكين المرأة، ودمج الاقتصاد الإفريقي مع الاقتصاد العالمي. وتتمثل مبادئ النيباد في التأكيد على الملكية الإفريقية للتنمية القارية، والاعتماد على الموارد الذاتية، والشراكة بين الشعوب الإفريقية، وتحقيق التكامل الإقليمي والقاري، وتنمية التنافسية لدول القارة الإفريقية، والشراكة مع الدول المتقدمة من أجل تقليص الفجوة بينها وبين إفريقيا. وتعد مصر من بين الدول الأعضاء الفاعلة بالمجموعة. 

وفي إطار توزيع المهام بين الدول الخمس المؤسسة للمبادرة، تولت مصر مسئولية ملفي الزراعة والتجارة والنفاذ للأسواق، ويجري الآن العمل على الانضمام للبرنامج الشامل للتنمية الزراعية في إفريقيا CAADP من خلال جدول زمني تم اقتراحه من قبل وكالة النيباد ووافقت عليه وزارة الزراعة المصرية. وتتولى مصر في إطار عضويتها في المبادرة الرئاسية لتنمية البنية الأساسية بالقارة PICI، مسئولية مشروعات إدارة موارد المياه والأنهار والنقل البري والنقل بالسكك الحديدية، ويتبنى السيد رئيس جمهورية مصر العربية في هذا الإطار مشروع الربط الملاحي بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط. كما قامت مصر بالانتهاء من تنفيذ طريق توشكى أرقين الذي يربط بين مصر والسودان بتكلفة 190 مليون جنيه بطول 110 كم في إطار مشروع محور القاهرة كيب تاون الذي تتولاه جنوب إفريقيا.

وقد نشطت الجهود المصرية في “نيباد” بعد ثورة يونيو 2013، فقد شاركت مصر في اجتماعات قمة لجنة توجيه المبادرة الجديدة لتنمية إفريقيا “النبياد” في عام 2014 والتي تضم في عضويتها عشرين دولة إفريقية برئاسة الرئيس “ماكي سات” رئيس السنغال وتتولى فيها مصر منصب نائب الرئيس. وتقوم مصر بدور أساسي في الهيئة باعتبارها المسئولة عن ملف الزراعة والتجارة منذ إطلاق مبادرة النيباد عام ٢٠٠١، وتضع كافة إمكاناتها وخبراتها في هذا المجال لخدمة أشقائها الأفارقة، والاستفادة من مركز البحوث الزراعية المصرية لمساعدة الدول الإفريقية على زيادة إنتاجيتها الزراعية وتحسين التربة والتوسع في استخدام الأسمدة، وغيرها. وتتولى -في هذا السياق- مسئولية التوسع في استخدام نهر النيل لزيادة حجم التبادل التجاري وانتقال الأفراد بين الدول المشاطئة للنهر من خلال ربط بحيرة فيكتوريا بالموانئ المصرية على البحر المتوسط. كما تتولى مصر مع جنوب إفريقيا المشروعات الخاصة بمد طريق بري يصل القاهرة بكيب تاون مرورًا بالدول الإفريقية شرق ووسط القارة، حيث انتهت مصر بالفعل من استكمال القطاع الذي يربط بين جنوب مصر وشمال السودان. كما كان لمصر حضور قوي في قمة “نيباد” التي عُقدت على هامش اجتماعات الاتحاد الإفريقي، بعاصمة جنوب إفريقيا في 2015. 

في إطار التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تهدف لها “نيباد”، ومع نهاية عام 2000، قامت ثماني دول فقط بإلغاء العوائق الجمركية على السلع المصنعة، بالإضافة إلى اثنتي عشرة دولة قامت بإلغاء العوائق غير الجمركية. وفيما يخص إلغاء العوائق على تدفق عوامل الإنتاج بين حدود الدول الأعضاء، تم اتخاذ إجراءات تنفيذية مهمة، مثل إلغاء تأشيرات الدخول لمواطني الدول الأعضاء، علمًا بأن اتفاقية التجارة الحرة الثلاثية في القارة الإفريقية TETA مكونة من ثلاثة تجمعات فرعية، هي: السوق المشتركة للشرق والجنوب الإفريقي (الكوميسا)، وتجمع شرق إفريقيا (إياك)، والجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي (سادك). ومن المعلوم أن “المنطقة الثلاثية” لا تضم سوى 26 دولة من بين الأعضاء في “الاتحاد الإفريقي” المكون من 55 دولة. ورغم ذلك فإن المنطقة الثلاثية ستكون “قطب الجذب” الأكبر في عملية التنمية الاقتصادية للقارة خلال العقود القادمة، باعتبارها المنطقة الكبرى في القارة جغرافيًّا، وسكانيًّا، واقتصاديًّا. وقد وُقعت الاتفاقية التأسيسية للمنطقة الثلاثية في مدينة “شرم الشيخ” المصرية في العاشر من يونيو 2015، وصدر في الفترة الأخيرة القرار الجمهوري بالموافقة على انضمام مصر للاتفاقية، كخطوة أخيرة في المسار التشريعي. ويأتي ذلك تجسيدًا للاهتمام المصري بتكوين مسار التكامل الاقتصادي المصري في الإطار الإفريقي العام، لجني المكاسب المتوخاة تجاريًّا واستثماريًّا. ويُعد ذلك تفعيلًا لتعاون التكتلات الاقتصادية الإقليمية، فيما يخص اتفاقية التجارة الحرة في إفريقيا، والذي يُعد خطوة في طريق الوحدة الاقتصادية الكاملة التي تتميز بتحرير التجارة البينية، والتي تتحقق بإلغاء جميع العوائق الجمركية وغير الجمركية، وإلغاء كل العوائق أمام انتقال عوامل الإنتاج بين الدول الأعضاء، والتنسيق بين سياساتها الداخلية، بالإضافة إلى الالتزام بسياسة تجارية مشتركة تجاه الدول غير الأعضاء. 

في إطار إيمان مصر بأهمية عمقها الإفريقي بعد ثورة يونيو 2013، وقعت مصر واحدة من أهم الاتفاقيات في تاريخ القارة الإفريقية، لإطلاق منطقة التجارة الحرة القارية، والتي عقدت بالعاصمة الرواندية كيجالي تحت مظلة الاتحاد الإفريقي في 21 مارس 2018، وهي اتفاقية تهدف إلى خلق سوق حرة بين 55 دولة إفريقية من “كيب تاون” في أقصى جنوب إفريقيا إلى القاهرة في أقصى شمال القارة. ويهدف الاتفاق إلى إزالة العوائق الجمركية، والقيود غير الجمركية أمام حركة التجارة الإفريقية، وخلق سوق لكافة السلع والخدمات داخل القارة، بهدف الوصول إلى إنشاء الاتحاد الجمركي الإفريقي وتطبيق التعريفة الجمركية الموحدة تجاه واردات القارة الإفريقية من الخارج، وفي مرحلة لاحقة إعلان اتحاد الدول الإفريقية. كما تم اعتماد نماذج للتخفيضات الجمركية لتحرير التجارة في السلع على أن يكون التحرير بنسبة 90% على مدار 5 سنوات بنسب تحرير متساوية، ونسبة 10% المتبقية من الخطوط السلعية ما بين قائمة سلع حساسة وأخرى مستثناة ويتم تحريرهما على مدار 10 سنوات. كما يهدف الاتفاق إلى زيادة حجم ومعدل التجارة البينية الإفريقية التي تبلغ 16% فقط، بينما تبلغ 19% في حالة دول أمريكا اللاتينية، و51% في حالة الدول الآسيوية، و54% في أمريكا الشمالية، و70% في أوروبا. وبدخول الاتفاقية حيز التنفيذ فستعتبر أكبر اتفاقية تجارة حرة في العالم متفوقة بذلك على اتفاقات التجارة الحرة في شمال الأطلسي والأمريكتين والاتحاد الأوروبي.

فيما يخص علاقة مصر مع الشراكات الاستراتيجية الإفريقية، فمصر تقوم بدور ريادي في إطار تلك الشراكات، خاصة الفاعلة منها، والمشاركة بإيجابية وفاعلية في مختلف اجتماعات وقمم تلك الشراكات الاستراتيجية. فقد تولت مصر الرئاسة المشتركة للشراكة الاستراتيجية بين الصين وإفريقيا لمدة 6 سنوات متصلة، وهو الأمر الذي لم يتحقق ويصعب أن يتحقق مع أي من الدول الإفريقية الأخرى. كما كانت مصر رائدة للشراكة بين إفريقيا والاتحاد الأوروبي، واستضافة القمة الأولى في عام 2000 ووضع أسس للتعاون المستقبلي بيـن الطرفين مـن خلال إعلان وخطـة عمـل القاهرة. كما استضافت مصر في إطار دعمها للشراكات الاستراتيجية بين إفريقيا والعالم الخارجي كلًّا من المنتدى الوزاري الرابع للصين إفريقيا (شرم الشيخ 6-9 نوفمبر 2009)، والمؤتمر الوزاري العربي الإفريقي للوزراء المعنيين بالزراعة (فبراير 2010)، والاجتماع الرابع عشر للجنة الـ24 الوزارية للتعاون العربي الإفريقي (4 مارس 2010).​

د- الدور المصري في لجنة مراجعة النظراء:

أُنشئت الآلية الإفريقية لمراجعة النظراء في ‏9‏ مارس ‏2003‏ بموافقة جميع الدول الأعضاء بالاتحاد الإفريقي، كآلية مراقبة ذاتية‏، تهدف إلى تحقيق التنمية والحكم الرشيد‏، والإدارة الاقتصادية الرشيدة، وإدارة قطاع الأعمال، وأخيرًا التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويكون الانضمام للآلية طواعية، وبذلك فإن الدول التي لم تنضم لها لا تخضع لعملها. وقد انضم حتى الآن 39 دولة إلى الآلية، من بينها مصر التي انضمت إليها في عام 2004، وذلك من بين 55 دولة عضوًا بالاتحاد الإفريقي. وتقع آلية مراجعة النظراء تحت مظلة الاتحاد الإفريقي إلا أنها تعمل خارج إطار الاتحاد، فهي تعد أحد الأذرع التي جاءت بها مبادرة نيباد في سبيل تحقيق التنمية المستدامة في القارة. وينقسم العمل داخل آلية مراجعة النظراء بشكل رئيسي وفقًا لنوعين من الهياكل.

أولها: على مستوى القارة، حيث يعقد اجتماع لرؤساء وقادة الدول المنضمة إليها، مرتين سنويًّا، ويكون ذلك على هامش اجتماعات القمة الخاصة بالاتحاد الإفريقي. ووفقًا للآلية فإنه يتم إجراء تقييم ذاتي لما تحقق من هذه الأهداف تحت إشراف لجنة وطنية للوصول للحوكمة الرشيدة على المستوى الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، وقد أنشئت هذه الآلية في عام 2003، وتم توقيع اتفاقية تعاون بين مصر والآلية في عام 2018، واستضافت اجتماعاتها في شرم الشيخ في أبريل 2019.

وتضم الآلية لجنة الشخصيات البارزة، التي تتكون من 9 شخصيات إفريقية بارزة، وهي بمثابة الذراع التنفيذية للآلية. ويتم ترشيح هذه الشخصيات والتصويت على انضمامها على أن يكون مدة عملها داخل اللجنة 4 سنوات، ومن مصر يوجد السفير “أشرف راشد” وهو نائب رئيس اللجنة.

ثانيها: الهياكل الوطنية، وهي عبارة عن لجان يتم تشكيلها على مستوى كل دولة، وتضم ممثلين عن حكومة الدولة نفسها وممثلين للمجتمع المدني والنشطاء والنقابات والمرأة وغيرها، بحيث تضم اللجنة جميع الأطياف المعنية بعملية الإصلاح.

وتقوم اللجنة الوطنية بإعداد تقرير تقوم فيه بتقييم ذاتي لأداء الدولة. وعادة تحتاج كل دولة لعامين أو ثلاثة لإعداد هذا التقرير الذي يضم توصيات لتحقيق الإصلاح والتنمية. وتقوم اللجنة الوطنية بعرض التقرير والتوصيات على مراكز أبحاث لتقييمه من الناحية الموضوعية والعلمية. ثم ترفع اللجنة الوطنية تقريرها الذي يتضمن التوصيات للجنة الشخصيات البارزة لبحثه ودراسته وكتابة تقرير آخر يتضمن النقاط التي توافق عليها اللجنة والنقاط التي تعترض عليها، ويحق للدولة الرد على تقرير اللجنة، ليتم رفع تقرير نهائي يتضمن كل التقارير والتقييمات السابقة والتوصيات للقمة الخاصة بالآلية ليتم مناقشة التقرير النهائي على مستوى الرؤساء.

ومن هنا جاءت تسمية مراجعة النظراء، حيث يقوم الرؤساء بمراجعة بعضهم بعضًا بشأن التقارير المقدمة. ويتم إرسال التقرير النهائي للبرلمانات الوطنية والتجمعات الإفريقية. ويتم تمويل الآلية من الدول الأعضاء بها وشركاء التنمية مثل كندا والمملكة المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي. لكن لا يزال هناك إخفاق في التزام جميع الدول الأعضاء بدفع حصصهم المالية. وتجدر الإشارة -في هذا الصدد- إلى الالتزام المصري بدفع حصتها المالية.

وفيما يتصل بمصر، فقد بدأ تأسيس اللجنة الوطنية المعنية بإعداد التقرير الخاص بمصر قبل يناير 2011، لكن مع تطور الأحداث تجمد الوضع، ثم عاد النشاط المصري داخل الآلية بعد ثورة يونيو 2013 إيمانًا من الحكومة المصرية بأهمية اللجنة، وأهمية الانخراط في العمل الإفريقي المشترك. وقد التقى الرئيس المصري ببعض أعضاء اللجنة في 2018، واستضافت مصر الاجتماع السنوي للجنة في أبريل 2019 في شرم الشيخ. وكانت الآلية قد رفضت تعليق أنشطة مصر بها بعد 30 يونيو 2013 رغم قيام الاتحاد الإفريقي بوقف أنشطة مصر آنذاك، حيث رأت الآلية ضرورة مساندة ودعم مصر التي تمر بمرحلة سياسية جديدة تستحق المساندة وليس المقاطعة.

ثالثاً- توصيات لتفعيلٍ أفضل للدور المصري في التكتلات الاقتصادية الإقليمية، والنيباد، وآلية مراجعة النظراء:

إجمالًا، فيما يتعلق بنشاط مصر على مستوى القارة بعد استعادة نشاطها في 2014، فقد استضافت مصر عدة فعاليات إفريقية مهمة كالقمة الثلاثية لتجمعات الكوميسا، والسادك، وشرق إفريقيا في عام 2015، والتي تم خلالها التوقيع على اتفاقية إنشاء منطقة تجارة حرة بين التجمعات الاقتصادية الثلاثة. واستضافت مصر أيضًا الدورة السابعة لملتقى وسطاء ومبعوثي السلام في إفريقيا عام 2016، لمناقشة سبل تحقيق السلم والأمن في القارة، بالإضافة إلى عقد منتدى الاستثمار في إفريقيا لأعوام 2016 و2017 و2018. هذا وقد انعكست جهود مصر في إفريقيا وحرصها على تحقيق التنمية في القارة، في تسلم السيد رئيس جمهورية منصب منسق لجنة رؤساء الدول والحكومات الإفريقية المعنية بتغير المناخ CAHOSCC خلال الفترة من 2015 إلى 2017. كما تؤمن مصر بأن أحد أهم سُبل تحقيق التنمية في إفريقيا يكمن في تنفيذ مشروعات عملاقة في مجال البنية التحتية لتسهيل حركة التجارة عبر الربط بين دول القارة، واستثمار الموارد البشرية والطبيعية. ومن هنا حرصت مصر على شغل منصب مفوضة البنية التحتية والطاقة للاتحاد الإفريقي، حيث شغلت الدكتورة “إلهام محمود” المنصب خلال الفترة من يناير 2008 حتى أبريل 2017، ثم انتخاب الدكتورة “أماني أبو زيد” لذات المنصب لمدة أربع سنوات اعتبارًا من شهر أبريل 2017 في انتخابات هيئة المفوضية. هذا بالإضافة لتقلد مصر رئاسة مجلس السلم والأمن الإفريقي، ورئاسة الاتحاد الإفريقي. 

إن البحث في سبل تفعيل الدور المصري في التكتلات الاقتصادية الإقليمية التابعة للاتحاد الإفريقي، والنيباد، والآلية الإفريقية لمراجعة النظراء، يستلزم ما يلي: 

أولًا- النظر بصورة كلية للاتحاد الإفريقي على المستوى المؤسسي الكلي وإصلاح هذا المستوى كمدخل لإصلاح الأبنية الفرعية، لذلك على مصر المضي في المشاورات الدبلوماسية على المستوى المتعدد الأطراف لتطبيق خطتها الإصلاحية للمنظمة، ومواصلة ما بدأ من برنامج الإصلاح، مع الحرص على عدم المساس بقانون التأسيس، لما يوفره من عنصر الاستقرار المؤسسي اللازم للاتحاد، فهناك أهمية عظمى لاستمرار مصر في التركيز على مواصلة عملية الإصلاح المؤسسي والمالي للاتحاد الإفريقي بما يعزز حوكمة الدول الأعضاء للاتحاد، وبما يجعل مفوضية الاتحاد أكثر قدرة على تقديم العون اللازم للدول الأعضاء بغرض تحقيق أهداف أجندة 2063 الإنمائية، وتعزيز آليات عمل لجنة المندوبين الدائمين للاتحاد بما يساهم في تأسيس إجماع بين الأعضاء بشأن ما تتخذه المنظمة القارية من قرارات وسياسات. ومع تمكين المفوضية الإفريقية وتعزيز قدراتها في الوقت ذاته من خلال مراجعة الآليات ووضع أطر جديدة لعملها وتغيير هيكلها العام، على نحو يحقق التوازن المأمول بين الجنسين، والأقاليم الجغرافية الخمسة، لتصبح المفوضية أكثر فاعلية ومرونة، ومساعدتها على القيام بدورها وتوفير الإمكانيات اللازمة لذلك.

ثانيًا- هناك أهمية لتفعيل الدور المصري، وتفعيل آليات العمل داخل التكتلات التي تحظى مصر بعضويتها، حيث يتضح من الدراسة أن معظم التكتلات الاقتصادية الإقليمية بالاتحاد الإفريقي لم تنتقل من مرحلة التعاون إلى مرحلة التكامل الاقتصادي والسياسي لعدة أسباب، منها ما تعاني منه من عدم وجود نظام مؤسسي مستقل عن الدول الأعضاء، بالإضافة إلى ضعف في آليات اتخاذ القرارات، ووجود دول تقود كل تكتل على حدة مثل نيجيريا في منظمة “الإيكواس”، وجنوب إفريقيا في منظمة “سادك”. بالإضافة إلى انتشار ظاهرة “شخصنة السلطة” على مستوى القارة مما يؤدي أحيانًا إلى إخضاع سياسات الدول الأعضاء في كل تكتل إلى التقلبات المزاجية الشخصية لتلك القيادات، علمًا بأن آليات اتخاذ القرار في تلك التكتلات تعتمد في الأساس على مؤتمرات القمة. أضف إلى ذلك عدم الاستقرار السياسي لمعظم دول القارة الناتج عن وجود بعض النظم السلطوية التي تسيطر بشكل كامل على عمليتي صناعة واتخاذ القرار السياسي بدون مشاركة شعبية أو تفعيل لمنظمات المجتمع المدني.

ثالثًا- هناك أهمية لتفعيل الدور المصري في توفير سبل التواصل بين التكتلات الاقتصادية الإقليمية الثمانية والنيباد، والآلية الإفريقية لمراجعة النظراء، علمًا بأن هذا التواصل سيؤدي لدعمهم لأدوارهم، وتوفير مزيد من المعلومات، وأسس الحوكمة لبعضهم بعضًا مما سيوفر على منظمة الاتحاد الإفريقي إعادة إنتاج العجلة، أو ازدواجية الجهد والتكلفة، مع إمكانية توفير مصر ذلك عن طريق عقد الاجتماعات الدورية، وتوفير البرامج الإلكترونية عن طريق الخبرات المصرية.

رابعًا- لا بد من دور مصري لسرعة تفعيل اتفاقية التجارة الحرة من خلال مساعي دبلوماسيتها العريقة حتى يتم تخطي عقبة النمط السائد للتعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء في التكتلات الاقتصادية الإقليمية الإفريقية الذي يتسم بعدم المساواة فيما بينهم، أي إن كل المزايا الاقتصادية تكون في صالح الدولة القطب في التكتل. وتتعدد الأمثلة على ذلك حيث نجد جنوب إفريقيا في منظمة “سادك”، ونيجيريا في منظمة “إيكواس”، والكونغو الديمقراطية في منظمة “إيكاس”، وكينيا في منظمة “جماعة شرق إفريقيا”. فقد أدت الظروف الاقتصادية غير المواتية في القارة إلى تغليب النظرة الذاتية الأحادية على مفهوم التكامل الاقتصادي والسياسي، والذي تراجعت أسهمه في سلم أولويات سياسات الدول الأعضاء في تلك التكتلات. وكذلك أدت تلك الظروف إلى عدم استكمالهم لموازناتهم المخططة مما أثر بالسلب على تنفيذ الأنشطه وتحقيق الأهداف. وأفرز ذلك حالة من الإحباط والتشاؤم، والتي خلقت بدورها مناخًا من التشكك في جدوى تلك التكتلات. لذا يوصي باستمرار الجهود المصرية لدخول الدول الأعضاء جميعًا اتفاقية التجارة الحرة القارية إنفاذًا لأجندة 2063 وصولًا لمضاعفة التجارة الإفريقية البينية مرتين بحلول عام 2022، وكخطوة مهمة لتحرير التجارة بين دول القارة، والتفاوض حول مجالات جديدة لم تخضها إفريقيا فيما بينها من قبل، مثل: تحرير قطاع الخدمات والتجارة الإلكترونية، والتفاوض حول أسس المنافسة فيما بينها، ودعم الاستثمارات والالتزام بالمعايير. ويوصي أيضًا بأن تحتضن مصر هذه المفاوضات وتسعى إلى الدفع بها، لأنها المجال الوحيد أمام التكامل الإفريقي وإنشاء هدفها الأسمى وهو تكوين سوق إفريقية موحدة. 

كما يفرض إنجاح إنفاذ هذه الاتفاقية على مصر أن تولي اهتمامًا خاصًّا بتطوير البنية التحتية في إفريقيا وإدماج القطاع الخاص وتهيئة البيئة المناسبة، وتفعيل بنية النقل النهري عن طريق نهر النيل. ومساهمة مصر بقدراتها وخبراتها البشرية في تنفيذ مشروعات البنية التحتية في إفريقيا للمساهمة في تحقيق التكامل الاقتصادي، والاندماج وتعزيز التجارة البينية. أضف إلى ذلك ضرورة تعزيز التعاون بين الاتحاد الإفريقي وشركاء التنمية الدوليين والإقليميين، ومد جسور التواصل الثقافي والحضاري بين الشعوب الإفريقية، وذلك بدعم الفاعليات الثقافية الإفريقية، والتوسع فيها، والتبادل الثقافي بين الدول الإفريقية، وتطوير منظومة الرياضة الإفريقية.

خامسًا- أهمية الاستمرار في الجهود المصرية النشطة في الوساطة الدبلوماسية الفاعلة لحل المنازعات بين الدول الإفريقية، حيث إن وجود خلافات سياسية بين أعضاء التكتلات الإفريقية، ومن أبرزها النزاعات الحدودية؛ أدى إلى ظهور تداعيات سياسية سلبية ألقت بظلالها على عمليتي التعاون والتكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء، لذا يلزم تفعيل أقوى للدور المصري من خلال منح ملف الأمن وتسوية النزاعات اهتمامًا خاصًّا بما يعكس المبادئ التي تتبناها السياسة الخارجية المصرية في معالجة هذا النوع من القضايا، وفي مقدمتها السلامة الإقليمية، ووحدة الدولة، وتجنب التدخلات الخارجية ومكافحة الإرهاب، في إطار الاستراتيجية المصرية المتكاملة في مكافحة الإرهاب، وتعزيز التعاون القاري لدحره وتجفيف منابعه، مع العمل الاستباقي لمنع النزاعات، والوقاية من خلال التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث تركز مصر على المردود الاقتصادي على الشباب بتوفير فرص العمل، وتوفير الأمن الغذائي من خلال تطوير المنظومة الزراعية، والتصنيعية الإفريقية وتعزيز الآليات، والقدرات الإفريقية لإعادة الإعمار والتنمية لمرحلة ما بعد النزاعات، وتأسيس وإطلاق مركز الاتحاد الإفريقي لإعادة الإعمار والتنمية، مع العمل على التكامل الاقتصادي، والاندماج الإقليمي.

سادسًا- ضرورة تفعيل أكبر وأوسع للدور المصري في تدريب الكوادر للمساهمة في تأسيس منظمات اقتصادية وتنموية إفريقية موحدة، منها -على سبيل المثال- بنك الاستثمار الإفريقي، والبنك المركزي الإفريقي، تنفيذًا لتوصيات تشمل أجندة وتشبيك الخبرات الاقتصادية المصرية مع القوى الكبرى، والمؤسسات المالية الدولية، لحشد الموارد المالية، والاستثمارات، والدعم الفني للقارة على النحو الذي بدأ بالفعل من خلال المشاركة الفعالة في منتدى الصين إفريقيا، ومنتدى روسيا إفريقيا، ومنتدى ألمانيا-إفريقيا، والمنتدى الأوروبي-الإفريقي في عام 2018. وذلك بسبب عدم نضوج المؤسسات داخل كل تكتل فرعي، حيث توجد مؤسسات مالية، وتمويلية، وتشريعية، وتنفيذية في العديد من تلك التكتلات بدون إمكانيات مادية كافية، أو مؤهلات بشرية كافية قادرة على تنفيذ الأهداف الطموحة بعيدة المنال.

سابعًا- أهمية الدور المصري التفاعلي في التنسيق والتشبيك الدبلوماسي الاقتصادي بين التكتلات الاقتصادية الإقليمية، ذلك أن عدم التنسيق بين تلك التكتلات على المستوى الأفقي، وخاصة في ظل تكرار عضوية العديد من الدول الأعضاء، وكذلك المؤسسات في أكثر من تكتل إقليمي، وهو ما أدى إلى إذكاء روح التنافس والتصارع بين تلك التكتلات على حساب قيم التعاون والتنسيق والتكامل فيما بينها. 

ثامنًا- تطوير العلاقات العربية-الإفريقية من خلال استثمار العلاقة الاستراتيجية التي تجمع مصر والمملكة العربية السعودية، والاستمرار والبناء على تدريب الدبلوماسين الأفارقة في معهد الدراسات الدبلوماسية التابع لوزارة الخارجية المصرية، وتعزيز قدرات التجمعات الاقتصادية الإقليمية، وتطوير نظام متكامل لتقييم الأداء والمحاسبة.

تاسعًا- إنشاء تكتل إقليمي لدول شمال إفريقيا، ليشمل مصر، وليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، وموريتانيا، فهي دول ناطقة باللغة العربية، وتتشارك في الآمال والطموحات التنموية المشتركة، مع البحث في نقاط القصور في التكتلات الثمانية الموجودة لتفادي حدوثها في هذا التكتل.

وأخيرًا وليس آخرًا، يجب أن يتزامن مع التوصيات المذكورة أعلاه رفع الوعي الشعبي في مصر، وفي الدول الإفريقية، بأهمية تجانس دول شمال إفريقيا مع آليات وتكتلات وهيئات الاتحاد الإفريقي، وهو ما يستلزم تفعيل العمل باللغة العربية على الشبكة الإلكترونية للاتحاد الإفريقي، والمراسلات التي ترسلها المنظمة للمهتمين بالشأن الإفريقي، حيث يقتصر العمل في أغلب تلك الآليات على اللغة الإنجليزية والفرنسية، واستحداث إنشاء محاكاة لمنظمة الاتحاد الإفريقي في المؤسسات التعليمية، أسوة بمحاكاة جامعة الدول العربية، ومحاكاة الأمم المتحدة.

خاتمة

تولي مصر بعد ثورة يونيو 2013 أهمية كبرى لدورها الإفريقي، حيث سعت إلى لعب دور فاعل ونشط في مختلف آليات العمل الإفريقي المشترك، وفي كافة المجالات، وهو الأمر الذي انعكس في القيام بالعديد من الزيارات واستقبال المسئولين الأفارقة في مصر، وما شهدته تلك الزيارات من توقيع العديد من الاتفاقيات الثنائية بين مصر والدول الإفريقية بهدف دعم التعاون الاقتصادي.

كما تركز مصر على تفعيل العمل الإفريقي على مستوى متعدد الأطراف من خلال منظمة الاتحاد الإفريقي. وفي هذا الإطار، يأتي الجهد المصري لتفعيل أنشطة منظمة الاتحاد الإفريقي بصورة كلية أفضل من خلال استكمال ما تم من خطوات إصلاحية، وتفعيل عمل التكتلات الاقتصادية الإقليمية داخل التكتلات التي تتمتع مصر بعضويتها، وتشبيكها مع باقي التكتلات الإقليمية الاقتصادية الأخرى، بالسعى لتسخير المزايا النسبية لكل تكتل اقتصادي متخطية التحديات الداخلية المانعة لذلك، وهو أمر شديد الأهمية، لدرء الأطماع التي تواجهها إفريقيا من قبل بعض القوى الكبرى التي تسعى لاستنزاف مواردها. بالإضافة لتشبيك المصالح الاقتصادية الإفريقية مع المصالح العربية، ودعم البنية التحتية الإفريقية. 

إن الدور المصري المساهم في دعم المنظمة الإفريقية ككل، والتكتلات الاقتصادية الإقليمية، ونيباد، وآلية حوكمة النظراء؛ سيدعم إنفاذ أجندة 2063، وهي الرؤية الإفريقية الخالصة للنهوض بالقارة وطموحات تنتظرها 55 دولة عضوًا في الاتحاد، لتحقيق مردود ملموس من واقع الاحتياجات الفعلية للدول والشعوب الإفريقية. وتأتي أهمية الدور المصري هنا في ظل الإمكانات المهمة التي تمتلكها مصر، والتي تتيح لها المشاركة في تدريب الكوادر، وتبادل الخبرات، ومثال لذلك وضع استراتيجية وسياسات وخطة عمل للقضاء على الأوبئة، بالاستعانة بالتجربة المصرية في القضاء على مرض شلل الأطفال في العقد السابق، والقضاء على فيروس سي مؤخرًا، وخفض عدد وفيات الأطفال، وتشيبك مؤسسات الفكر في الدول الإفريقية، ومؤسسات المجتمع المدني، ومد جسور التواصل الحضاري مع كافة الشعوب الإفريقية، وكذلك تفعيل دور القوى المصرية الناعمة بالقارة والانخراط بفاعلية في صياغة وتطوير مبادئ وآليات العمل الإفريقي المشترك تحقيقًا للمنفعة لجميع الدول الإفريقية فيما يتعلق بالقضايا المحورية التي تمسها، خاصةً الملفات التنموية وملفات صون السلم والأمن في إفريقيا، وتعبئة الموارد الإفريقية وبناء أسواق رأسمالية قارية ومؤسسات مالية، بالإضافة إلى الاستفادة من التجارب المتنوعة لمختلف البلدان والأقاليم كأساس لتحديد نهج إفريقي تنموي.

المصادر
  1.  سمر نصر، “الخارجية تنشر فيديو بـ3 لغات عن تاريخ تأسيس الاتحاد الإفريقي”، بوابة الأهرام، 10-2-2019. http://gate.ahram.org.eg/News/2107824.aspx (accessed on 22 Feb. 2019).
  2. “بالإنفوجراف: إعلام مجلس الوزراء يسلط الضوء على التعاون المصري الإفريقي”، مركز إعلام مجلس الوزراء، متاح على الرابط التالي: https://www.google.com/search?q=:+إعلام+مجلس+الوزراء+يسلط+الضوء+علي+التعاون+المصري+الإفريقي&tbm=isch&source=iu&ictx=1&fir=x3FZWAKIjskTaM%25 (accessed on 28 Feb. 2019).
  3.  خالد حنفي (تحرير)، رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي، توقعات 20019: استشراف مصري لأبرز قضايا الإقليم والعالم، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، يناير 20019، ص 16-19. 
  4.  شريفة عبدالرحيم، “الاقتصاد الإفريقى.. صعود رغم التحديات”، الاهرام الاقتصادي، 11-5-2018. 
  5.  القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، الموقع الإلكتروني للمنظمة. https://au.int/ar/constitutive-act (accessed on 1st April 2019).
  6. الموقع الألكتروني لوزارة الخارجية المصرية، متاح على الرابط التالي (تم الدخول علي الموقع في 27-3-2019) https://www.mfa.gov.eg/Arabic/ForeignPolicy/Pages/African-Union-Chair.aspx
  7.  راجع موقع الهيئة العامة للاستعلامات المصرية على الرابط التالي (تم الدخول على الموقع بتاريخ 22-2-2019) http://www.sis.gov.eg/Story/48760/%D8%AF%D9%88%D8%B1-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%81%D9%89-%D8%AA%D8%A3%D8%B3%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%89?lang=ar
  8.  Jacob Wanjala Musila. “The Intensity of Trade Creation and Trade Diversion“, Journal of African Economies, Vol. 14, Number 1, 2005. p. 118.
  9.  د. فرج عبدالفتاح فرج، “إمكانيات التعجيل بتنفيذ الجماعة الإفريقية في ظل الاتحاد الإفريقي”، الاتحاد الإفريقي ومستقبل القارة الإفريقية (القاهرة: مركز البحوث الإفريقية، جامعة القاهرة، أكتوبر 2001). ص 284-295. 
  10. موقع الهيئة العامة للاستعلامات، على الرابط التالي (تم الدخول على الموقع في 7-4-2019). http://www.sis.gov.eg/Story/181603/%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%A3%D9%81%D8%B6%D9%84-%D8%A8%D9%84%D8%AF-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%AA%D8%AB%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%89-%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7?lang=ar
  11. الموقع الإلكتروني الرسمي للاتحاد الإفريقي، الرابط التالي (تم الدخول علي الموقع في 21-2-2019) https://au.int/ar/node/3587
  12.  المرجع السابق مباشرة.
  13. “Where the Only Way to Vote is With Your Feet”, TheEconomist. Vol. 375. Issue 8421, April 9, P. 39.
  14. الموقع الإلكتروني الرسمي للاتحاد الإفريقي، على الرابط التالي (تم الدخول على الموقع في 21-2-2019)http://www.africa-union.org/About_Au/Abau_in_a_nutshell.htm
  15.  المرجع السابق مباشرة. 
  16. Noha Bakr, “The Arab Maghreb Union”, Review of Economics & Political Science, Cairo: Faculty of Economics & Political Science, Vol. 2 No. 2, April 2017.
  17. تصريح السفير إبراهيم على حسن، ممثل مصر في لجنة تسيير النيباد علي هامش جتماعات قمة لجنة توجيه المبادرة الجديدة لتنمية إفريقيا “النبياد” في عام 2014 على موقع الجهاز المركزي للمحاسبات، مجلة الجهاز، العدد 198، ديسمبر 2014: http://www.asa.gov.eg/attach/19_197-198.pdf
  18. الموقع الإلكتروني لوزارة الصناعة والتجارة المصرية، على الرابط التالي (تم الدخول علي الموقع في 2-4-2019) http://www.mti.gov.eg/Arabic/MediaCenter/News/Pages/—%D8%A8%D9%85%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D9%A5%D9%A4-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A9.aspx
  19. الموفع الإلكتروني لوزارة الحارجية المصرية على الرابط التالي (تم الدخول علي الموقع في: 22-2-2019) https://www.mfa.gov.eg/Arabic/ForeignPolicy/Pages/african-organizations-and-gatherings.aspx
  20.  المرجع السابق.
  21. African Peer Review Mechanism (APRM), African Union. Avaialble at: https://au.int/en/organs/aprm (accessed on 9 April 2019).
  22.  ماجد رضا بطرس، مرجع سبق ذكره. 
  23.  مقترحات قدمت شفهيًّا في الاجتماعات التي عقدت في شرم الشيح لآلية حوكمة أداء النظراء خلال الفترة (4-6) أبريل 2019. 
  24. د. ماجد رضا بطرس، مرجع سبق ذكره .
د نهى بكر
عضو الهيئة الاستشارية