وحدة الدراسات العربية والإقليمية

عقبات العودة المحتملة للمسار السياسي في ليبيا

في الوقت الذي تسود فيه حالة من الجمود النسبي في الأوضاع العسكرية بمعركة طرابلس، بعد أكثر من خمسة أشهر على نشوبها في الرابع من أبريل الماضي؛ تصاعد الاتجاه من قبل القوى الدولية والأمم المتحدة إلى إحياء المسار السياسي مجددًا بين الفرقاء المتنازعين في ليبيا. ولعل آخر المؤشرات في هذا الشأن بدت في سعي ألمانيا لاستضافة مؤتمر دولي بالتعاون مع الأمم المتحدة حول أزمة ليبيا في نهاية العام الجاري. لكن مع ذلك، تظل التساؤلات الصعبة قائمة، حول ما إذا كانت العودة المحتملة للمسار السياسي ستحظى بقبول أطراف النزاع من عدمه، وبأي شروط ممكنة لا تؤثر على شرعية المتنازعين وسط أنصارهم وحلفائهم…

د. خالد حنفي علي

في الوقت الذي تسود فيه حالة من الجمود النسبي في الأوضاع العسكرية بمعركة طرابلس، بعد أكثر من خمسة أشهر على نشوبها في الرابع من أبريل الماضي؛ تصاعد الاتجاه من قبل القوى الدولية والأمم المتحدة إلى إحياء المسار السياسي مجددًا بين الفرقاء المتنازعين في ليبيا. ولعل آخر المؤشرات في هذا الشأن بدت في سعي ألمانيا لاستضافة مؤتمر دولي بالتعاون مع الأمم المتحدة حول أزمة ليبيا في نهاية العام الجاري.

لكن مع ذلك، تظل التساؤلات الصعبة قائمة، حول ما إذا كانت العودة المحتملة للمسار السياسي ستحظى بقبول أطراف النزاع من عدمه، وبأي شروط ممكنة لا تؤثر على شرعية المتنازعين وسط أنصارهم وحلفائهم سواء في الداخل أو الخارج، بخلاف التحديات المنتظرة أمام ذلك المسار، ولا سيما في ظل خبرات المسار الانتقالي المتعثر. والأهم أن المشهد الليبي في مرحلة ما بعد معركة طرابلس قد لا يكون كما قبله، سواء على مستوى التوازنات السياسية أو العسكرية.

تحركات متعددة

لقد اتجهت التحركات الدولية لاستعادة المسار السياسي إلى حث الفرقاء المتنازعين في ليبيا على الهدنة ووقف إطلاق النار، وعقد مؤتمر دولي لحل الأزمة، ثم مؤتمر وطني جامع يضم مختلف الاتجاهات الليبية. وعُدت تلك النقاط الثلاث ملامح المبادرة التي كان قد أطلقها بالأساس المبعوث الأممي “غسان سلامة” في نهاية يوليو الماضي، وأخذت دفعًا واسعًا في الأسابيع الماضية في التفاعلات الدولية حول أزمة ليبيا. على سبيل المثال، دعا بيان قمة الدول السبع الصناعية في 26 أغسطس الماضي في ختام أعمالها في بيارتز بفرنسا إلى أمرين؛ الأول: هدنة تمكن من وقف إطلاق النار، وعودة الحل السياسي في ليبيا. والثاني: مؤتمر دولي تشارك فيه الأطراف المحلية والإقليمية. كما دعمت القمة جهود الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي لإقامة مؤتمر ليبي-ليبي.

بعد قرابة أسبوعين من تلك القمة، برز تحرك ألماني يسعى لعقد مؤتمر دولي حول الأزمة الليبية، وعكس على ما يبدو محاولة دولية للخروج من أزمة الاستقطاب وتباين المصالح والأهداف بين فرنسا وإيطاليا في ليبيا، فضلًا عن المخاوف من تمدد أزمة عدم استقرار ليبيا إلى الساحل الإفريقي، حيث تلعب ألمانيا أدوارًا متعددة أمنية وتنموية في دعم حكومات المنطقة في مكافحة الإرهاب والهجرة. ولعل المستشارة الألمانية عبرت عن تلك المخاوف، عندما أكدت مؤخرًا أن بلادها ستتحرك للقيام بدورها في منع الحرب بالوكالة في ليبيا، لأنها تنذر بزعزعة الاستقرار في إفريقيا.

بموازاة ذلك، عادت الولايات المتحدة إلى التوازن البراجماتي بين الفرقاء المتنازعين في ليبيا، بعدما كانت قد مالت نسبيًّا لـ”حفتر” عندما اتصل به “ترامب” في منتصف أبريل الماضي داعمًا إياه في مكافحة الإرهاب وأمن الموارد النفطية. فقد تصاعد الاتجاه الأمريكي الداعي للحل السياسي في ليبيا، خاصة من طرف “مايك بومبيو”، وزير الخارجية الأمريكي، الذي عبر عنه من خلال اتصال أجراه مع نظيره المصري “سامح شكري” في 19 أغسطس الماضي.

وتُعزز ذلك الاتجاه بتعيين “ريتشارد نورلاند” سفيرًا أمريكيًّا جديدًا في هذا الشهر، والذي كان أول بيان له لدعم العملية السياسية في ليبيا. ثم تلا ذلك انفتاح أمريكي على قوى غرب ليبيا، كما برز في لقاء قائد الأفريكوم الجديد “ستيفين تاونسيند” رئيسَ حكومة الوفاق “فايز السراج” في تونس، في 26 أغسطس الماضي، وتأكيده دعم الحل الدبلوماسي لإنهاء النزاع الحالي، ومكافحة التنظيمات المتطرفة في ليبيا.

بدورها، مالت فرنسا لتأييد عقد مؤتمر دولي حول ليبيا، معتبرة ذلك “حاجة ملحة” على لسان وزير خارجيتها “جان إيف لودريان”، خلال سبتمبر الجاري. بينما وضع “جوزيبي كونتي” (رئيس الوزراء الإيطالي) استقرار ليبيا من أولويات حكومته أثناء خطابه قبل التصويت على الثقة في حكومته الجديدة، وكان “كونتي” قد دعم من قبل المسار السياسي الأممي لحل الأزمة الليبية.

دوافع أساسية

عبرت عملية الدفع الدولي للعودة للمسار السياسي من قوى دولية ذات مصالح وأهداف متباينة في ليبيا عن تعثر الحل العسكري، الذي ظل يُنظر إليه ببراجماتية كمسار قد يُنهي أزمة عدم الاستقرار في هذا البلد. لكن على العكس فقد تحولت معركة طرابلس إلى حرب بالوكالة على الصعيدين الإقليمي والدولي، كما الحال في الدعم التركي العلني والمباشر لميليشيات الوفاق بالأسلحة والطائرات دون طيار، ما أسهم في خلق حالة اللا حسم الميداني في طرابلس.

ومع استمرار اللا حسم لعدة أشهر، تصاعدت الهجمات الجوية المتبادلة بين المتنازعين على طرابلس، باستخدام الطيران التقليدي أو الطائرات المسيرة، خاصة في الشهرين الماضيين، لتبلغ المناطق الخلفية للقتال، سواء في مصراتة (غرب) والجفرة (وسط). وعنى ذلك توسيع دائرة الصراع وتهديد البنية التحتية الليبية، وزيادة وتيرة الخسائر الإنسانية، بخلاف تصاعد الخشية من استغلال ميليشيات غرب ليبيا استمرار النزاع لزيادة حركة المهاجرين واللاجئين إلى سواحل البحر المتوسط كإحدى أوراق الضغط على القوى الأوروبية.

في الوقت نفسه، شاب القتالَ على الأرض جمودٌ نسبي في طرابلس، فلم يستطع الجيش الوطني الليبي استعادة مدينة غريان جنوب طرابلس (ذات الأهمية الاستراتيجية في توازنات المعركة) برغم أنه حاول ذلك في الأسبوع الأخير من أغسطس 2019. كما تعرض الجيش الليبي لاختراقات في جنوب ليبيا، خاصة مدينة مرزق، التي شهدت اشتباكات سعت حكومة الوفاق إلى توظيفها لصالحها واجتذاب ميليشيات قبلية من المدينة.

ودفع جمود الوضع الميداني المبعوث الأممي “غسان سلامة” إلى الإشارة في إحاطته أمام مجلس الأمن في الرابع من سبتمبر الجاري إلى أن الحل العسكري “مجرد وهم”، وأن ليبيا أمام سيناريوهين، إما إطالة النزاع منخفض الشدة، ما يعني تنامي التهديد الإرهابي وزيادة معاناة الليبيين، أو مضاعفة الأطراف الخارجية لدعمها العسكري للفرقاء الليبيين، وبالتالي تصاعد حدة النزاع وإغراق المنطقة في حالة فوضى.

عقبات منتظرة

على الرغم من تصاعد الطلب الدولي على استعادة المسار السياسي في ليبيا، لكن ثمة مخاوف من معادوة أطراف النزاع الليبي للعبة الخلافات المزمنة، لا سيما في ضوء اعتبارين جوهريين؛ الأول: أن أي وقف محتمل لمعركة طرابلس سيُفرز تداعيات محتملة على التوازنات الداخلية الليبية، وهو أمر سينعكس على أجندة أي مسار سياسي. والثاني: خبرات المسار السياسي الليبي المتعثر، والذي لم يفلح معه لا اتفاق الصخيرات الموقع في عام 2015، ولا المبادرات الأخرى التي تلته في السنوات الماضية، سواء من قبل الأمم المتحدة أو قوى دولية مثل باريس وروما.

وهنا يمكن طرح بعض العقبات المتوقعة حال عودة المسار السياسي، ومن أبرزها ما يلي:

1- احتمال نشوب خلافات بين الحلفاء المحليين، إذ إن القوى المحلية في غرب ليبيا، مثل مصراتة والزنتان وميليشيات طرابلس والزاوية، والتي توحدت مؤقتًا على جبهات القتال لمواجهة عملية تحرير الجيش الوطني الليبي للعاصمة، ربما تعاود خلافاتها إذا ما انفض غبار المعارك، خاصة أن هنالك فجوة هيكلية فيما بينها حول توزيع السلطة والثروة في العاصمة، بخلاف عدم نجاعة الترتيبات الأمنية التي قادتها الأمم المتحدة بالمنطقة بعد الاشتباكات الميليشياوية خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2018.

لذا، ثمة توقعات بأن تطالب قوى، كمصراتة والزنتان، بنصيب أكبر نظير مساندتها حكومة الوفاق، حال توقف المعارك، وهو الأمر الذي قد يثير مجددًا الصراع مع كارتل الميليشيات الأربع الكبرى في طرابلس، في ضوء متغير ميداني فرضته المعارك ويتعلق بأن ميليشيات مصراتة والزنتان أدخلت قواتها للعاصمة، وبالتالي يصبح السؤال المرتقب هو: هل ستترك تلك الميليشيات مواضع نفوذها، وتعود إلى مناطقها في مدنها لتترك طرابلس غنيمة للميليشيات، كما الحال قبل نشوب المعارك الأخيرة مع الجيش الليبي. وإذا أضفنا لذلك انقسام ولاءات مدن غرب ليبيا، مثل الزنتان وترهونة وبني الوليد وغيرها، ما بين موالين للجيش الليبي، وآخرين معارضين له؛ فإن احتمال نشوب صراعات مناطقية أمر ليس مستبعدًا.

2- معضلة شروط وقف إطلاق النار، إذ تسعى حكومة الوفاق إلى وقف إطلاق النار في طرابلس، ولكن دون شروط، بحيث يقضي بعودة الجيش الوطني الليبي إلى مواقعه قبل معركة طرابلس، وهو مطلب كان قد عبّر عنه وزير خارجية الوفاق “محمد سيالة” في قمة التيكاد الأخيرة في طوكيو، ليكرر بذلك ما طرحه من قبل “فايز السراج”. وتخشى حكومة الوفاق من أن أي وقف للنار دون انسحاب الجيش الليبي من مواقعه الراهنة في غرب ليبيا يعني امتلاكه أوراقًا ضاغطة لا يزال يملكها، خاصة في ترهونة ومناطق أخرى في محيط طرابلس. وبالطبع، ليس من مصلحة الجيش التخلي عن تلك المواقع حال وقف إطلاق النار في طرابلس، لأنها تمثل إضافة لموازين القوى العسكرية له، حيث يسيطر بالأساس على مناطق الشرق والجنوب.

ولعل ذلك ما قد يُفسر ضغط ميليشيات الوفاق على الجيش الليبي في ترهونة جنوب شرق طرابلس، وهي المعقل الأكثر أهمية له بعد خسارة استعادة غريان، إذ هنالك مؤشرات على سعي حكومة الوفاق لانتزاع هذه الورقة المحورية للجيش، سواء عبر خلخلة ولاءات ترهونة من خلال إطلاق قوى في مصراتة لحوارات مع فصائل داخل المدينة ثم نفي ذلك، أو تكثيف الهجمات الجوية على اللواء التاسع في ترهونة الداعم للجيش الليبي، في مسعى لإضعاف تمدداته في الجبهات الأمامية لمعركة طرابلس.

أضف لذلك، أنه برغم الميل الأمريكي والأوروبي لوقف إطلاق النار في طرابلس، إلا أن ذلك يستلزم من الناحية العملية وقتًا، سواء لأن الضغوط السياسية والدبلوماسية الغربية لا تتسم بالضغط الفوري، أو لأن مفاوضات وقف إطلاق النار ذاتها تتطلب تعيين الحدود الجغرافية والمناطق العازلة التي ستفصل بين القوى العسكرية المتنازعة في جبهات القتال، بخلاف أنه يصعب أساسًا عقد مؤتمر دولي للخروج بحلول للأزمة الليبية دون وقف إطلاق النار.

3- تعقد توازنات القوى الداخلية والخارجية: فاللا حسم العسكري في معركة طرابلس قد لا يعني تلقائيًّا إقرار الفرقاء بالحل السياسي وما قد ينتجه من مخرجات، في ظل تعقد التوازنات الداخلية والخارجية حول ليبيا. فمن جهة، لا تزال موازين القوى العسكرية تميل على الأرض في مجمل ليبيا لصالح الجيش الوطني وحلفائه في شرق ليبيا برغم لا حسم طرابلس، وبالتالي فهو يملك أوراق قوة تفاوضية في أي مسار سياسي قادم. وما لم تنعكس تلك الأوراق في طروحات ذلك المسار، فذلك يعني تعثره، خاصة في ضوء عامل مهم يتعلق بأن الجيش الليبي قد يحتاج إلى تأمين موقفه وشرعيته في المناطق التي يسيطر عليها من الارتدادات المحتملة لأي وقف لإطلاق النار في معركة طرابلس. ولعله لوحظ أن بعض التقارير الصحفية الغربية “ليبراسيون” قد نقلت عن “غسان سلامة” في سبتمبر الجاري تصريحات تشير إلى أن هنالك مطالبات لـ”حفتر” بضمانات من قوى طرابلس ومناصب داخل الدولة مقابل الانسحاب المحتمل، لكن العقيد “أحمد المسماري” (المتحدث باسم الجيش الليبي) نفى ذلك، وقال إن “حفتر” لم ولن يفاوض على منصب.

من جهة أخرى، فإن حالة اللا حسم العسكري قد ارتبطت -في أحد جوانبها- بدعم قوى خارجية إقليمية ودولية لأطراف النزاع الليبي، وبالتالي فما لم تتفق هذه القوى ذاتها على إقرار الحل السياسي وتسوية الحد الأدنى من خلافات مصالحها في لبييا فعلى الأرجح فإن الجمود قد يسود المسار السياسي إذا تم إحياؤه مجددًا. إذ تعاني ليبيا مستويات متعددة ومعقدة من خلافات القوى الخارجية، كما الحال مثلًا بين فرنسا وإيطاليا؛ إذ تميل الأولى إلى الجيش الوطني الليبي، كجزء من استراتيجية باريس لتكريس نفوذها في شرق وجنوب ليبيا المرتبط جيوسياسيًّا بمصالح فرنسا في الساحل الإفريقي، بينما تراهن الثانية أكثر على حكومة الوفاق، كون مصالحها تتركز في غرب وجنوب ليبيا، حيث منع تدفق الهجرة، وإمدادات الغاز. أضف لذلك، الانقسام الإقليمي بين قوى كمصر والإمارات والسعودية التي تدعم الجيش الوطني في سياق توجهاتها الإقليمية لدعم بناء مؤسسات الدولة الوطنية، وأخرى كقطر وتركيا اللتين تميلان لحكومة الوفاق وحلفائها من الإسلاميين ومصراتة.

4- غياب رؤية واضحة للتعامل مع مسببات النزاع، إذ لا يعني وقف إطلاق النار المحتمل أو حتى عقد مؤتمر دولي أن الأزمة الليبية في طريقها للحل السياسي، فالأمر هنا يتعلق بمضمون الحلول التي يتم طرحها لحل النزاع الليبي، وما إذا كانت تتعامل مع العوامل الهيكلية المسببة له خلال المرحلة الانتقالية. وتكمن أزمة ليبيا بعد “القذافي” في ثلاث قضايا جوهرية؛ الأولى: الأمن، حيث هنالك غياب لقوة مركزية أمنية موحدة تحتكر وظائف الدولة بعد انتشار الميليشيات والسلاح، والثانية: العدالة، أي التوزيع العادل للموارد النفطية، والثالثة: المصالحة، أي تجاوز حالة الاحتقانات والكراهية بين المناطق والقبائل التي تعمقت مع انتشار الفوضى بعد الانتفاضة الليبية في فبراير 2011.

لكن القضية الأولى خضعت لحسابات المتنافسين الإقليميين والدوليين في دعم وكلاء ميليشياويين في ليبيا، دون أن يتم الضغط لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، ما أفرز بيئة مواتية لنشوء عدم استقرار تتغذى عليه تنظيمات الإرهاب، وتفشل فيها الاستحقاقات السياسية والانتخابية التي عقدت في عامي 2012 و2014، إذ لا يمكن أن تكون هنالك انتخابات تلتزم فيها الأطراف المتنازعة بنتائجها، دون وجود ضامن أمني محايد وموحد.

بينما القضية الثانية تسببت -بدرجة كبيرة- في تعثر اتفاق الصخيرات، الذي لم يحسم قضية توزيع عوائد النفط، لا سيما إذا أدركنا أن أحد عوامل انتفاضة شرق ليبيا ضد “القذافي” كانت تتعلق بتهميشه التنموي، برغم حيازته المنطقة لغالبية هذا المورد. وزادت المشكلة تعقيدًا لأن القوى الدولية، ومنها الولايات المتحدة، دعمت سيطرة حكومة الوفاق على عائدات النفط، برغم أن الجيش الليبي هو الذي يسيطر على غالبية حقول النفط. ومع ذلك، تذهب تلك العائدات لتغذية الميليشيات في غرب ليبيا، ما عزز الفجوات أكثر بين شرق وغرب البلاد. أما القضية الثالثة، والمتعلقة بالمصالحات المجتمعية، فبرغم وجود مبادرات متعددة من أطر تقليدية وغير تقليدية كمنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية لتسوية الأزمات المجتمعية، خاصة في جنوب وغرب ليبيا؛ إلا أن اتفاقات المصالحة المحلية تعطل تنفيذها، في ظل انقسام السلطة ومؤسساتها التنفيذية شرقًا وغربًا، وغياب ضامن أمني، كما الحال بين مصراتة وتاورغاء.

خلاصة القول، إن ثمة عقبات متعددة تواجه الدعوات الدولية للعودة المحتملة للمسار السياسي في ليبيا، وما لم توضع في الحسبان عند التجهيز لذلك المسار، فإن دورة الصراع الليبي لن تتوقف، لأنه ببساطة إذا كان كل إنهاك أو لا حسم عسكري بين المتنازعين تعقبه لحظة ناضجة للتفاوض السياسي، فبالمثل فإن كل مسار سياسي لا يتوافر فيه الحد الأدنى من العدالة، أو الحلول الواقعية للتعامل مع موازين القوى والأزمات الهيكلية في النزاع، فعادة ما يكون مصيره الفشل، والذي يدفع بدوره الأطراف المتنازعة إلى اللجوء مجددًا للأداة العسكرية. ولعل ما جرى من نزاعات مسلحة في ليبيا بعد تعثر اتفاق الصخيرات هو دليل على تلك المعادلة الحاكمة لديناميات السلم والحرب في مناطق النزاعات.

د. خالد حنفي علي