تنمية ومجتمع

تنمية العمران من أجل الفقراء

إلى جانب الاهتمام بتعزيز الاقتصاد الوطني من خلال تشييد الآلاف من المشروعات التنموية، لم تنسَ الدولة حق المواطنين من أبناء الفئات الفقيرة والفئات الأكثر فقرًا في الحياة الكريمة الآمنة. فبعد أن اضطر المواطنون البسطاء من أبناء تلك الفئات المجتمعية “الأقل حظًّا” لسكن العشش والبنايات المتداعية لعقود طويلة، وحرمانهم من أغلب أشكال الخدمات والبنية التحتية، وسط غياب لدور الحكومات السابقة بشكل شبه تام لعقود طويلة؛ قامت الدولة ومنذ عام 2016 بإتاحة عشرات الآلاف من الوحدات السكنية الجديدة، المدعومة بكافة المرافق الأساسية، من مؤسسات تعليمية وصحية وخدمية وغيرها لهؤلاء المواطنين. وما زالت الجهود جارية على الأرض من أجل الانتهاء من تنفيذ عشرات…

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة

إلى جانب الاهتمام بتعزيز الاقتصاد الوطني من خلال تشييد الآلاف من المشروعات التنموية، لم تنسَ الدولة حق المواطنين من أبناء الفئات الفقيرة والفئات الأكثر فقرًا في الحياة الكريمة الآمنة. فبعد أن اضطر المواطنون البسطاء من أبناء تلك الفئات المجتمعية “الأقل حظًّا” لسكن العشش والبنايات المتداعية لعقود طويلة، وحرمانهم من أغلب أشكال الخدمات والبنية التحتية، وسط غياب لدور الحكومات السابقة بشكل شبه تام لعقود طويلة؛ قامت الدولة ومنذ عام 2016 بإتاحة عشرات الآلاف من الوحدات السكنية الجديدة، المدعومة بكافة المرافق الأساسية، من مؤسسات تعليمية وصحية وخدمية وغيرها لهؤلاء المواطنين. وما زالت الجهود جارية على الأرض من أجل الانتهاء من تنفيذ عشرات الآلاف الأخرى من الوحدات السكنية، وذلك ضمن خطة شاملة للقضاء على كافة مظاهر السكن العشوائي في المدن بحلول عام 2030. وكما يتضح من بيانات الشكل رقم (1)، فقد بلغ عدد الوحدات السكنية المنفذة والجاري تنفيذها في إطار مشروعات القضاء على العشوائيات 272,000 ألف وحدة، ينتهي تنفيذها في عام 2020.

المصدر: صندوق تطوير المناطق العشوائية.

ومنذ بداية تنفيذ المشروع القومي لحل مشكلة العشوائيات في عام 2015، قامت الدولة بالتركيز على المناطق غير الآمنة والأشد خطرًا على سلامة المواطنين، فعملت على تعزيز وإسراع عمليات التطوير المختلفة بتلك المناطق في شكل خطة عاجلة لمدة 4 سنوات. كما بدأت أيضًا بالعمل على مشروعات موازية لتطوير العديد من المناطق العشوائية الآمنة غير المخططة، بالإضافة إلى خطة لتطوير العشرات من الأسواق العشوائية. ولتحقيق تلك المشروعات قامت الدولة حتى الآن برصد ما يقرب من 380 مليار جنيه، خصص منها 30 مليار جنيه للعمل على المناطق غير الآمنة وحدها.

1- المناطق العشوائية الخطرة:

يوجد في مصر 357 منطقة غير آمنة يقطنها أكثر من 850 ألف نسمة، وتتوزع على 25 محافظة. وتنقسم المناطق غير الآمنة على مستوى الجمهورية إلى أربع درجات وفقًا لمقياس الخطورة. وتحتل مناطق الدرجة الثانية -وفق ذلك المقياس- النصيب الأعظم من حيث عدد المناطق بنسبة تفوق 71% بعدد 251 منطقة، تليها مناطق الدرجة الثالثة بفارق كبير بنسبة 16.80%. وتتبعهما الدرجتان الأولى ثم الرابعة بنسب 9.96% و4.55% على التوالي (انظر شكل رقم 2).

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، دراسة تطوير وتنمية المناطق العشوائية في مصر، عام 2016.

ولقد تم الانتهاء حتى الآن من العمل على 195 منطقة متنوعة في درجة الخطورة، فيما يجري العمل حاليًّا على الـ162 منطقة الأخرى. وقد ساعدت تلك المجهودات في تمكين محافظة بورسعيد من القضاء على آخر المناطق العشوائية الخطرة بها، لتصبح رسميًّا أول محافظة مصرية خالية من العشوائيات بنهاية عام 2018. فيما تشهد محافظة القاهرة حاليًّا أكبر نسبة من مشروعات تطوير المناطق غير الآمنة، وذلك بالنظر إلى احتواء القاهرة على أكبر كتلة من تلك المناطق على مستوى الجمهورية بنسبة 16.23%. وتعتزم الدولة القضاء على كافة المناطق الخطرة وغير الآمنة من الدرجة الأولى بنهاية عام 2019.

2- المناطق العشوائية غير المخططة:

بالتوازي مع مشروع تطوير المناطق السكنية الخطرة وغير الآمنة، بدأت الدولة في تنفيذ مشروع طموح لتطوير كافة المناطق العشوائية غير المخططة، والتي بلغت نسبتها 97.2% من إجمالي مساحة المناطق العشوائية في عام 2016، والتي تنتشر في 226 مدينة على مستوى الجمهورية من أصل 234 مدينة، أي إنه لا يوجد سوى ثماني مدن فقط من المدن المصرية خالية من العشوائيات السكنية. وقد كانت البداية بوضع خطة لتطوير 15 منطقة موزّعة على 6 محافظات. وتشمل خطط التطوير المستهدفة في تلك المناطق أعمال رصف الطرق، وإنارة الشوارع، بالإضافة إلى إدخال شبكات المياه والصرف الصحي والغاز المنزلي. وقد تم بالفعل الانتهاء من تطوير ثلاث مناطق منها في محافظات الإسكندرية والغربية والوادي الجديد (انظر الشكل رقم 3).

المصدر: صندوق تطوير المناطق العشوائية.

ومن المتوقع أن يحتاج هذا الملف لمزيد من الوقت والجهد في عمليات التطوير، نظرًا لارتفاع أعداد المناطق العشوائية في كل أنحاء الجمهورية، فمن أصل ما يزيد عن 417 ألف فدان هي إجمالي مساحة الكتلة العمرانية في مصر، هناك 160 ألف فدان من المناطق العشوائية، أي ما يمثل 38.6% من جملة الكتلة العمرانية. فيما تتركز الكثافات العشوائية في عدد 19 محافظة بنسب تفوق 50% من كتلها العمرانية، وأبرز تلك المحافظات هي سوهاج التي تصل نسبة المساحات العشوائية فيها إلى 71.1%، تليها محافظة الشرقية بنسبة 69.5%، ثم محافظة المنوفية بنسبة 64.4%. لذلك وضعت الدولة خطة طويلة المدى لتطوير كافة المناطق غير المخططة. ومن المقرر أن تنتهي هذه الخطة بحلول عام 2030.

3- مشروعات تطوير الأسواق العشوائية:

بالإضافة إلى تطوير المناطق السكنية، تقوم الدولة بالعمل على إنشاء عدد من الأسواق الشعبية الجديدة لتكون بديلًا عن تجمعات الباعة العشوائية، بالإضافة إلى عملية تطوير العديد من الأسواق العشوائية القائمة، وذلك بهدف ضبط الشكل الحضاري للأسواق وتسهيل الوصول للسلع التي يحتاجها المواطنون. وقد بلغ العدد الكلي لتلك المشروعات 20 مشروعًا موزعة على 10 محافظات، تم إنجاز عدد 5 مشروعات منها بمحافظات الجيزة والقاهرة والوادي الجديد والإسماعيلية وبورسعيد (انظر شكل رقم 4).

المصدر: صندوق تطوير المناطق العشوائية.

ولعل تلك الخطة الطموحة تمثل نواة لتطوير شامل لكافة الأسواق العشوائية، التي قدر عددها في عام 2015 بـ1099 سوقًا موزعة على 25 محافظة، والتي يتركز أكبر عدد منها في محافظة القاهرة بواقع 134 سوقًا عشوائية، تليها محافظتا الجيزة والإسكندرية والتي يوجد بكلٍّ منهما 83 سوقًا عشوائية. إن مشروعات التنمية الهادفة إلى القضاء على مظاهر العشوائية العمرانية لا تقل أهمية عن المشروعات الاقتصادية الكبرى، فإذا كانت الأخيرة تُهيئ المناخ المواتي للاستثمار والمستثمرين، فإن الأولى تهيئ الحياة الكريمة للمواطن البسيط الذي عانى من تردي الأوضاع المعيشية وإهمال الإدارة لعقود

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة