وحدة الدراسات الأوروبية

قمة السبع الصناعية 2019: عندما يكون عدم الفشل نجاحًا

من المبكر الحكم على نتائج قمة السبع التي انعقدت في فرنسا الأسبوع الماضي؛ فتاريخ تلك القمم حافل بإعلانات لم تتبعها أفعال، لكن من الواضح أن القمة تجنبت فشلًا كفشل القمة التي سبقتها، عندما سحب الرئيس الأمريكي “ترامب” توقيعه على البيان النهائي، واشتبك في معركة كلامية مع رئيس وزراء الدولة المنظمة (كندا). ومن الواضح أيضًا أن ما تم غير متوقع، وإن كان من المبكر الحكم على تبعاته وعلى تأثيره على المعطيات. كان سقف التوقعات منخفضًا للغاية، وحرصت فرنسا -وغيرها- على التأكيد على هذا. وأسباب هذا التشاؤم عديدة، نذكر هنا بعضها:  1- ما حدث أثناء القمة الماضية، والذي سبق ذكره، فقد دفعت…

توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

من المبكر الحكم على نتائج قمة السبع التي انعقدت في فرنسا الأسبوع الماضي؛ فتاريخ تلك القمم حافل بإعلانات لم تتبعها أفعال، لكن من الواضح أن القمة تجنبت فشلًا كفشل القمة التي سبقتها، عندما سحب الرئيس الأمريكي “ترامب” توقيعه على البيان النهائي، واشتبك في معركة كلامية مع رئيس وزراء الدولة المنظمة (كندا). ومن الواضح أيضًا أن ما تم غير متوقع، وإن كان من المبكر الحكم على تبعاته وعلى تأثيره على المعطيات.

كان سقف التوقعات منخفضًا للغاية، وحرصت فرنسا -وغيرها- على التأكيد على هذا. وأسباب هذا التشاؤم عديدة، نذكر هنا بعضها: 

1- ما حدث أثناء القمة الماضية، والذي سبق ذكره، فقد دفعت هذه السابقة فرنسا إلى الإعلان عن أنه لن يَصْدُرَ بيانٌ ختامي، وإلى التقليل من أهمية ودور وإنجازات تلك القمم الدورية، فزعمت أنها قمم للتشاور والتنسيق لا لاتخاذ قرارات. 

2- أن نصف القادة الغربيين الحاضرين يواجهون أزمات داخلية توثر بالسلب على قدرتهم على المبادرة وعلى اتخاذ القرار، فالمستشارة الألمانية “ميركل” في نهاية مشوارها السياسي، وستغادر الحياة السياسية قريبًا، ورئيس الحكومة البريطانية لا يتمتع بأغلبية مستقرة في البرلمان، ولا يملك من الأوراق الكثير نظرًا للانقسامات الحادة في الرأي العام البريطاني وفي نخبة المملكة المتحدة، ويراهن خصومه في الخارج والداخل على عدم قدرته على الاستمرار. ورئيس حكومة إيطاليا تراجعت شعبية حزبه واستقالت حكومته. والرئيس “ترامب” عاش أسبوعًا عصيبًا في واشنطن قبل القمة. ويمكن القول إن أداء “ميركل” و”كونتي” كان باهتًا نسبيًّا، وإن “جونسون” ترك انطباعًا جيدًا، وبدا متحكمًا في خطابه واثقًا من نفسه، وإن لم يأتِ بجديد، ولا سيما فيما يتعلق بالبريكزيت.

3- اتساع هوة الخلافات السياسية والاقتصادية والتجارية والاستراتيجية بين الزعماء الحاضرين، ومن مظاهرها مثلًا احتجاج الإدارة الأمريكية على جدول الأعمال الذي أعدته فرنسا، فقد اتهمتها بالتركيز على قضايا ليست القمةُ محل مناقشتها، ومن ذلك دعم دول إفريقيا، والعمل على تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة. وفي السياق نفسه، نشير إلى نوع من التراشق خلال الأسبوع الذي سبق القمة بين الأعضاء حول قضية إعادة قبول روسيا بهذا النادي الغربي، بدأ بتصريح للرئيس “ماكرون” قال فيه إن عودة روسيا متوقف على حل أزمة أوكرانيا، أعقبته تغريدة للرئيس “ترامب” حول الموضوع ذاته، دعا فيها إلى عودة روسيا. وأثيرت المسألة مجددًا أثناء القمة، عندما دعا “ترامب” إلى مراجعة الموقف من روسيا، وأيده في هذا رئيس الحكومة الإيطالية، ووقف رئيس الوزراء الياباني على الحياد، بينما رفض الباقون منطق “ترامب” الذي رأى أن روسيا طرف أساسي في عددٍ مهم من القضايا الدولية، ومنها أزمتا سوريا والخليج، بينما تمسك الفريق الآخر بفكرة أن القمة نادٍ ديمقراطي يتشارك في نفس القيم مما يستوجب الاستمرار في رفض ضم كلٍّ من الصين وروسيا.

4- صحيح أن تعارض وتناقض المصالح والمشارب ليس جديدًا، لكنه بلغ حدًّا غير مسبوق مؤخرًا مع عودة التوتر الروسي-الغربي بعد نشوب أزمة أوكرانيا، ومع ازدياد واضح في حدة وخشونة التعامل والتراشق بين أعضاء المعسكر الغربي، وهي خشونة يتحمل مسئوليتها بصفة رئيسية “ترامب” و”أردوغان” و”ماكرون” والوزير الإيطالي “سالفيني”. ومع بروز اختلاف جذري يمنع الحلول الوسطى في المواقف من آليات العمل الجماعي ومن منظومة التجارة العالمية ومن قضايا البيئة ومن الأزمة الإيرانية. ونضيف أن هناك زعماء أبناء لأحزاب ،عريقة وآخرين يمثلون قوى حزبية جديدة أو معادية للأحزاب التقليدية، كما أن هناك ممثلين لليبرالية ومعادين لها.. إلخ.

5- ازداد تأثير اعتبارات وعوامل السياسة الداخلية على حسابات القادة: كان إنهاء الخدمة العسكرية الإلزامية في بلاد متعددة قد قلل من اهتمام الجماهير الغربية بالسياسة الخارجية. وأتاح هذا التراجع مساحة كبيرة من حرية الحركة للقادة، لكن الأزمة الاقتصادية الكبرى التي اندلعت في سنة ٢٠٠٨، وبروز العولمة وعملية بناء الاتحاد الأوروبي كقضيتين حيويتين وخلافيتين، أعادا نوعًا من الاهتمام بالسياسة الخارجية، بل جعلا مستحيلًا بناء إجماع وطني حولهما. وإلى جانب هذا البعد البنيوي كانت غالبية القادة الحاضرين تعاني على الجبهة الداخلية، وتحتاج إلى نصر دبلوماسي أو سياسي. وكان هذا واضحًا في سلوك كل من “ماكرون” و”جونسون” وبدرجة أقل “ترامب”. ونكتفي بالإشارة هنا إلى كيفية تعامل الرئيس “ماكرون” مع نظيره البرازيلي “بولسونارو” والتراشق بينهما حول حرائق غابات الأمازون. فعلى الرغم من أهمية البرازيل كشريك تجاري، وضخامة الاستثمارات الفرنسية هناك، وبصرف النظر عن أهمية الملف البيئي؛ إلا أن تصعيده بالشكل الذي تم جاء لأسباب داخلية فرنسية، فـ”ماكرون” استهدف مخاطبة الخضر والمتعاطفين معهم، وتسفيه اليمين الشعبوي، وإبراز نفسه كرئيس له ثقل ودور دوليان يعكسان مكانة فرنسا الحقيقية أو المتوهمة. 

لقد لعبت الاعتبارات الداخلية دورًا في كيفية “إخراج” مشهد الزيارة المفاجئة لوزير الخارجية الإيراني السيد “جواد ظريف”، المدرج على قائمة العقوبات الأمريكية، الذي جاء بدعوة فرنسية إلى المدينة التي تُعقد فيها القمة دون أن يشارك فيها، لكنه التقى هناك مع الرئيس “ماكرون” ووزيري الخارجية والمالية الفرنسيين، إضافة إلى المستشارين الدبلوماسيين لرئيسي الحكومتين الألمانية والبريطانية، علمًا بأنه كان في باريس قبلها بيومين. وبمعنى آخر، وبصرف النظر عن صلب الموضوع ومساره؛ فإن البعد الرمزي كان طاغيًا. الرئيس الفرنسي أراد أن يقول لجمهوره إن سياسة فرنسا مستقلة، وإنه يتعامل بندية مع الولايات المتحدة، وإنه قادر على إحراج رئيسها. بالطبع وازن الأمور بالحرص على القول إنه أخبر الرئيس “ترامب” أولًا بأول بكل تحركاته وأفكاره ومبادراته، وحرص على القول إن مآخذ الرئيس الأمريكي على السلوك الإيراني وعلى أوجه النقص في الاتفاق النووي لها ما يبررها. لكن الانطباع المتولد لم يتغير، من أن “ماكرون” أحرج “ترامب”.

أما فيما يتعلق بصلب الموضوع، فيبدو أن الفرنسيين يسعون إلى حل للأزمة يقوم على قبول الولايات المتحدة التخفيف من العقوبات، والسماح لإيران بتصدير ٧٠٠ ألف برميل يوميًّا مقابل التزام إيران بعدم خرق الاتفاق النووي، وقبولها العودة إلى طاولة المفاوضات لتعديل الاتفاق لإطالة أمده، وليشمل قضية الصواريخ الباليستية الإيرانية، وعقد لقاء قمة بين الرئيسين “ترامب” و”روحاني”. وكان من الواضح أن الصعوبات ما زالت كبيرة وكثيرة، بعضها متعلق بتوقيت خطوات خفض التوتر (مَن يتخذ الخطوة الأولى؟ ومتى؟ وكيف؟)، وبعضها متعلق برفض أحد الطرفين أو كليهما للمبادئ التي تقوم عليها الصفقة، إذ طالبت إيران الولايات المتحدة بالعودة إلى الاتفاق النووي قبل بداية أي مفاوضات.

ويؤكد هذا الحدث ما ذهبنا إليه من أن تقييم نتائج القمة يحتاج إلى وقت، فلا نعلم إن كانت هذه الزيارة بداية عملية خفض التوتر وتدشين المفاوضات للتوصل إلى حل، أم إنها مجرد مبادرة فشلت ولم تؤثر على ديناميكيات الأزمة. ولا نعرف تأثير صدى الوساطة الفرنسية على الوساطات الأخرى الجارية، فهل سيكثف الوسطاء الآخرون من جهودهم أم سينسحبون؟. وما يمكن قوله إن الرئيس “ماكرون” أبدى تفاؤلًا حذِرًا، وأقر بوجود صعوبات جمة، وإن عدم حدوث صدام حول إيران بين السبعة الكبار هو -في ذاته- إنجاز نظرًا لحدة الخلافات. 

والشيء نفسه يمكن أن يُقال عما تم الاتفاق عليه في الملف الليبي، من المطالبة بهدنة طويلة الأجل، والعمل على تنظيم مؤتمرين؛ أحدهما دولي يجمع الدول المعنية بالشأن الليبي، وآخر ليبي/ ليبي يجمع الفاعلين الليبيين ليتوصلوا إلى حل سياسي، أي إنه من المبكر الحكم على آثار الاتفاق، ولكن عدم حدوث شقاق بين فرنسا وإيطاليا مثلًا هو في حد ذاته إنجاز.

وكان ملفتًا أن الرئيس “ترامب” خالف توقعات الإعلام الأوروبي الليبرالي المتحامل عليه، ولم ينسحب ولم “يسبّ” نظراءه، وبدا غير مكترث بالأبعاد الرمزية لزيارة “ظريف”، وعُدَّ ذلك انتصارًا لـ”ماكرون”، ودليلًا على براعته. وفي الواقع، كان هذا السلوك مفهومًا، فهدف الرئيس الأمريكي ليس إسقاط النظام الإيراني، بل إجباره على قبول شروط أكثر صرامة. ومن ناحية أخرى، سمحت له القمة بإحراز نصر كبير لم يلتفت إليه الإعلام، إذ نجح في فرض شروطه على اليابان دون مقابل سوى عدم توقيع عقوبات على صناعة السيارات اليابانية برفع الجمارك عليها، واتفق مع رئيس الحكومة اليابانية “شينزو آبي” على المبادئ الحاكمة لاتفاق تجاري سيتم توقيعه في سبتمبر، ويتلخص في خفض الجمارك لفتح الأسواق اليابانية أمام اللحوم الأمريكية، وهذا الاتفاق تتويج لضغوط “ترامب” التي لم ينجح “آبي” في التخفيف منها رغم قيام حكومته بمضاعفة مشترياتها من الولايات المتحدة من السلاح وغيره. ولم ينجح أيضًا في دفع الرئيس الأمريكي في اتخاذ موقف أكثر تشددًا من تجارب كوريا الشمالية العسكرية.

ولا يتسع المجال لحصر ما تم الاتفاق عليه ونقاط الخلاف، لكن نجمل الوضع على النحو التالي: إن كان غرض تلك القمم الاتفاق على قواعد عامة تحكم النظام الدولي والتجارة الدولية، وتنظم جهود مقاومة الاحتباس الحراري وتدوين تلك القواعد في اتفاق نهائي، أو على تحديد موقف مشترك من روسيا والصين (الغائبين الرئيسين)، فإن القمة فشلت فشلًا ذريعًا، واكتفت بإعلانات عن نوايا تتحدث مثلًا عن رغبة الحاضرين في تحديث قواعد الضرائب الدولية، وفي مراجعة القواعد الحاكمة لعمل منظمة التجارة الدولية لتمكينها من مواجهة عمليات السرقة الفكرية (المتهم الرئيس فيها الصين)، وبما أن هذه المنظمة تعمل بإجماع الأعضاء -بما فيهم الصين- فإن أهمية الإعلان محدودة جدًّا. 

لكن لم يكن أحد يتوقع انفراجًا للموقف في أي من هذه الملفات. وفي المقابل، إن كان سقف التوقع منخفضًا، فإن القمة نجحت نجاحًا ملحوظًا، فلم يتكرر الفشل الذريع للقمة الماضية، وتوصل السبعة إلى اتفاقيات جماعية أو ثنائية في ملفات مهمة، منها: الاتفاق على ميثاق لمبادئ رقابة خطابات الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى تخصيص ٢٥١ مليون دولار لدعم جهود البنك الإفريقي للتنمية لدعم استقلال المرأة الاقتصادي بتسهيل تملكها منشآت صغيرة. وتم الاتفاق على خطوات للتعامل مع حرائق الأمازون، ونزع فتيل أزمة قرار فرنسا فرض ضرائب على كل من جوجل وآبل وفيسبوك وأمازون، وتمت لقاءات ثنائية مفيدة بين الحاضر الجديد (بوريس جونسون) وباقي القادة، ترك فيها رئيس الوزراء الجديد انطباعًا جيدًا، لقدرته على موازنة الحلفاء بعضهم ببعض ولوضوح خطابه.

الخلاصة أن تلك القمة لم تقم بتجسير الفجوة الكبيرة بين لغة وتصورات ومصالح ومشروعات الكبار، لكنهم نجحوا في التوصل إلى اتفاقات حول بعض الملفات وفي تنظيم عمل مشترك في ظل تلك التناقضات، وهذا في حد ذاته إنجاز يعتد به نظرًا للأجواء الراهنة، ولكنه إنجاز قد يكون مؤقتًا.

توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية