وحدة الدراسات العربية والإقليمية

تعدد الصراعات في اليمن: الإشكاليات والنتائج

تتضاعف مخاطر التداعيات الناجمة عن اشتعال بؤرة جديدة على الساحة اليمنية في ظل جولات المعارك المتعاقبة التي يشهدها الجنوب اليمني بين قوات الحكومة الشرعية والانتقالي الجنوبي، مع اتساع دوائرها من معركة محدودة في عدن في مطلع أغسطس استهدف فيها الانتقالي إنهاء التواجد الرمزي للشرعية، إلى معركة أشمل في شبوة وأبين وعدن شنتها قوات الجيش لاستعادة السيطرة الأمنية على الجنوب. وتثير هذه المعارك -في الوقت ذاته- أجواء من التوتر داخل قيادة التحالف العربي في ضوء تنامي الحديث من جانب مراقبين عن تباين مواقف التحالف من العلاقة بين الانتقالي والحكومة، وهو تباين عكسته مؤشرات عديدة منها تطورات ميدانية، ووحدة الخطابين السياسي والإعلامي…

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح

تتضاعف مخاطر التداعيات الناجمة عن اشتعال بؤرة جديدة على الساحة اليمنية في ظل جولات المعارك المتعاقبة التي يشهدها الجنوب اليمني بين قوات الحكومة الشرعية والانتقالي الجنوبي، مع اتساع دوائرها من معركة محدودة في عدن في مطلع أغسطس استهدف فيها الانتقالي إنهاء التواجد الرمزي للشرعية، إلى معركة أشمل في شبوة وأبين وعدن شنتها قوات الجيش لاستعادة السيطرة الأمنية على الجنوب. وتثير هذه المعارك -في الوقت ذاته- أجواء من التوتر داخل قيادة التحالف العربي في ضوء تنامي الحديث من جانب مراقبين عن تباين مواقف التحالف من العلاقة بين الانتقالي والحكومة، وهو تباين عكسته مؤشرات عديدة منها تطورات ميدانية، ووحدة الخطابين السياسي والإعلامي لطرفي الأزمة على ساحة الجنوب. 

إشكاليات متعددة

هناك عديد من الإشكاليات التي يثيرها الصراع/ الصراعات الدائرة على الساحة اليمنية، نشير فيما يلي إلى أبرزها: 

1- تعدد دوائر الصراع: تتعدد دوائر الصراع في المشهد اليمني بتعدد ساحات المعارك في الشمال والجنوب، ودخول تنظيمات التطرف على خط الأزمة، بحيث أصبح المشهد في الجنوب ربما أكثر تصعيدًا من نظيره في الشمال. ومن المتصور أن مواصلة هذه الجولات وعدم توقفها سيفتح الباب لمزيد من الأنماط الأخرى من الصراعات المناطقية، في إطار الأوزان العصوبية في الجنوب. فالرئيس اليمني ينتمي إلى أبين على سبيل المثال، كذلك قد تنتفض حضرموت لاحقًا في حال تمكن الانتقالي من فرض سيطرته على الجنوب في أي من الجولات الدائرة. وهناك خلاف حول المشروع السياسي قائم بين المؤتمر الوطني الجامع في حضرموت وبين الانتقالي في عدن. كما قد يوقظ مشروع الانتقالي نفسه المكونات السياسية الأخرى المعارِضة له في عدن، والتي كانت تنضوي تحت إطار الحراك الجنوبي قبل ظهور الانتقالي عام 2017. 

2- تغير مدركات الأطراف لطبيعة الأزمة: هناك متغير يتعلق بمدركات الأطراف لطبيعة الأزمة اليمنية في الوقت الراهن، والمسار الذي يجب اتباعه مرحليًّا؛ إذ انحرف مسار الصراع المركزي الذي بدأ مع إطلاق “عاصفة الحزم” في مارس 2015 لإنهاء التمرد الحوثي في الشمال وإعادة الشرعية إلى العاصمة، ليتمدد الصراع حاليًّا إلى الجنوب مع تمرد الانتقالي على الشرعية، وبالتالي أصبحت هناك مدركات مختلفة بين الفاعلين الإقليميين والمحليين في الصراع، فاختلطت الأوراق حول ترتيب الأولويات والأهداف المرحلية، بين تمكين الشرعية في المناطق المحررة وتأجيل النظر في أي مشروع سياسي إلى حين الانتهاء من المهمة الأصلية، وبين استكمال مشروع تحرير العاصمة في الشمال. وأيضًا هناك حاجة لإعادة النظر في بنية التحالف، وطبيعة القيادة والشراكة واستحقاقات كل دور من تلك الأدوار.

3- تعمق الخلاف وتراجع الحوار: من شأن تعاقب جولات المعارك الحالية في الجنوب تعميق الخلاف بين الانتقالي والشرعية، ولا سيما مع تمسك كل طرف بفرض أجندته السياسية على الآخر؛ فالانتقالي يتمسك بإعادة هيكلة الحكومة، وإنهاء دور الإصلاح (الإخوان) فيها، وإنهاء التواجد العسكري في الجنوب، حيث تشير كافة بيانات الانتقالي المتعددة إلى إخراج “القوات الشمالية” من الجنوب، ومواصلة المساعي نحو “دولة الجنوب الفيدرالية المستقلة”، وتدويل قضية الجنوب بوضعها على جدول أعمال المبعوث الأممي في مقابل القبول بالشرعية الرئاسية فقط، مقابل دعم الانتقالي للمعركة ضد الحوثي. وفي المقابل، ترفض الشرعية تلك الصفقة، وتتمسك بالعودة إلى وضع ما قبل أغسطس، الأمر الذي عرقل الحوار الذي دعت إليه المملكة العربية السعودية في جدة قبل أسبوعين. ومن المتصور أن الجولات الحالية ستزيد من صعوبات انعقاد الحوار بين الطرفين. 

التداعيات

التطورات الأخيرة في اليمن تُثير عددًا من التداعيات الخطيرة، نشير فيما يلي إلى أهمها: 

1- المخاوف من تصدع التحالف: اتساع مساحة التباين داخل التحالف، واحتمالات خروج المعارك عن السيطرة، في إطار معادلات الاشتباك الحالية؛ سينعكس على تماسك التحالف في المرحلة القادمة، بحيث أصبح التحالف يُعبَّر عنه حاليًّا في إطار الخطاب الإعلامي والدبلوماسي فقط، بينما تراجعت آليات التنسيق الميداني، وهو مأزق قد يقود إلى سيناريو التفكك إن لم يتم احتواء التصعيد على الساحة الجنوبية، خاصةً أن كل طرف لديه وجهة نظر مختلفة تحمل قدرًا من الوجاهة. فالإمارات التي تتأهب للخروج من اليمن، لا تريد أن يشكل هذا التوجه فرصة لاستعادة الإصلاح نفوذه في الجنوب، ما تعتبره تهديدًا وإهدارًا لمكتسبات دورها في التحالف. في المقابل، فإن الرياض ترى أن تقويض حضور الشرعية يخالف المرتكزات الأساسية للبرنامج الأساسي للتحالف. وفي الواقع، فإن تداعيات تصدع التحالف ربما تتسع دائرتها هي الأخرى في حال عدم احتواء الأزمة، لا سيما وأن هناك دولًا خليجية أخرى -مثل سلطنة عمان- تراقب المشهد، وقد ترى ضرورة في تعزيز نفوذها في جبهة المهرة وحضرموت.

2- إضعاف جبهة الشرعية: من شأن تفتيت جبهة إسناد الشرعية في سياق التجاذبات والاستقطابات الحادة بين القوى اليمنية إضعاف جبهة الشرعية والتحالف معًا، وهو ما يصب مباشرة لصالح ميليشيا الحوثي في الشمال، على أكثر من صعيد. فلا شك أن انشغال الشرعية بجبهة صراع جنوبية يخفف الضغوط على الجبهات التي تخوض فيها مواجهات مع الحوثي في الشمال. وفي واقع الأمر، فإن هذه الأزمة ليست وليدة التطور الأخير، وإنما فقط جاء كاشفًا لها، حيث لم يتم بناء القوة العسكرية اليمنية في مرحلة ما بعد سقوط صنعاء في إطار كيان موحد، وإنما تعددت الكيانات، وأصبح لدى كل منها مشروعها الخاص مع استمرار الصراع وعدم القدرة على حسمه سياسيًّا أو عسكريًّا. يضاف إلى ما سبق أيضًا أن الحوثي سيرى في الصراع الجنوبي فرصة جديدة لزيادة مكتسباته السياسية على طاولة المفاوضات الجارية. 

3- ديمومة الصراعات: تتوالى البيانات العسكرية لقوات الشرعية والانتقالي، يتحدث بعضها عن انتصارات، ويتحدث بعضها الآخر عن هزائم، وتتبدل المواقع بينهما من جولة لأخرى. ويعزز هذا المشهد استمرار مسار التصعيد بين الطرفين، مع خلق حالة من الثأر المتبادل على الجانبين. وفي ظل تراجع دعوات الحوار، وتعزيز موازين الصراع، فسيطيل ذلك من عمر هذا الصراع. وفي واقع الأمر، فإن درس التاريخ اليمني يُفيد بأنه لا يمكن أن يندلع صراع ويمكن السيطرة عليه حتى يستكمل الصراع دورته، وأنه لا يمكن أن يندلع صراع في الشمال دون أن يمتد إلى الجنوب والعكس، وأن وضع حدٍّ لأي صراع لا يحسمه معيار الانتصارات والهزائم وإنما سياسات النفس الطويل، وأن أي مبادرة مهما تحمل من ضمانات ما هي إلا مجرد وقفة تعبوية لكل طرف من الأطراف طالما لم تحلّ تعقيدات الأزمة بشكل حاسم. الخلاصة، لقد وصلت الجبهة الداخلية اليمنية إلى مستوى غير مسبوق من التمزق، وربما لن يقود التصعيد الحالي إلى الانزلاق لمشروع تقسيم الدولة فقط، وإنما إلى تفككها. ورغم مشهد التصعيد الراهن، إلا أنه لا تزال هناك إمكانية لتصويب المسار الحالي، واحتواء الأزمة عبر العودة إلى طاولة الحوار، بدءًا بوقف مظاهر التصعيد العسكري والإعلامي، على أن يعالج هذا الحوار كافة أبعاد الأزمة، ويشمل الحوار أولًا داخل التحالف لإعادة ترتيب المشهد، وأولويات التحركات السياسية والعسكرية، ليشمل بعد ذلك كافة المكونات اليمنية المنخرطة في الصراعات الدائرة دون إقصاء أي طرف، فلا يعني تجميد الجنوب لمسار حق تقرير المصير وفقًا لآليات سلمية أن تُهمَّش القضية الجنوبية، لكن مرحليًّا على الأقل استيعاب الانتقالي والجنوب بصفة عامة في إطار التمثيل الحكومي والمؤسسي.

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح