قراءات وعروض

إعادة النظر في منع الصراعات … ICEBERG AHEAD: RETHINKING CONFLICT PREVENTION

تُمثل الصراعات والنزاعات حول العالم أحد أهم التحديات التي تؤثر على السلم والأمن الدوليين نظرًا لما ينتج عنها من خسائر وتداعيات سلبية على كافة الأصعدة، سواء في مناطق الصراع أو خارجه، الأمر الذي يستدعي البحث عن سبل منع نشوب أو إدارة الصراعات والممارسات الممكنة لتجنب مثل هذه النزاعات. في هذا السياق، سعت ورقة بحثية بعنوان “إعادة التفكير في منع الصراع”، نشرها معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية EUISS (أبريل 2019)، وكتبها الباحثان “جيوفاني فالج”، و”فلورنس غاب”، للبحث في السبل التي يمكن أن تساهم في الحد من أو منع نشوب الصراعات. تكلفة بشرية ومادية شدد الكاتبان على التكلفة البشرية والاقتصادية الناجمة عن…

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

تُمثل الصراعات والنزاعات حول العالم أحد أهم التحديات التي تؤثر على السلم والأمن الدوليين نظرًا لما ينتج عنها من خسائر وتداعيات سلبية على كافة الأصعدة، سواء في مناطق الصراع أو خارجه، الأمر الذي يستدعي البحث عن سبل منع نشوب أو إدارة الصراعات والممارسات الممكنة لتجنب مثل هذه النزاعات. في هذا السياق، سعت ورقة بحثية بعنوان “إعادة التفكير في منع الصراع”، نشرها معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية EUISS (أبريل 2019)، وكتبها الباحثان “جيوفاني فالج“، و”فلورنس غاب“، للبحث في السبل التي يمكن أن تساهم في الحد من أو منع نشوب الصراعات.

تكلفة بشرية ومادية

شدد الكاتبان على التكلفة البشرية والاقتصادية الناجمة عن الصراعات في عددٍ من المناطق حول العالم، حيث تضاعف عدد المدنيين الذي يُقتلون جراء هذه الصراعات خلال الفترة بين عامي 2005 – 2016. كما زاد حجم النزوح القسري خمسة أضعاف خلال الفترة بين عامي 2010 – 2016. وعلى الرغم من انخفاض نسبة الوفيات نتيجة الصراعات العنيفة في عام 2017 بنسبة 31% مقارنة بعام 2014؛ إلا أن أعداد الوفيات لا تزال مرتفعة، حيث خلف الصراع السوري نحو 560 ألف قتيل، بالإضافة إلى أكثر من 200 ألف قتيل في العراق منذ عام 2003، فضلًا عن 60 ألف قتيل في اليمن، ونحو 19 ألف قتيل في أفغانستان. من ناحية أخرى، تسبب العنف في مقتل ما يقرب من 2000 شخص في كلٍّ من الكونغو الديمقراطية ونيجيريا خلال عام 2018.

من ناحيةٍ أخرى، يترتب على العنف والصراعات عدد من التداعيات الاقتصادية، فقد قُدرت كلفة الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني بنحو 12 تريليون دولار. كما تسبب الصراع السوري في خسائر بلغت نحو 388 مليار دولار. وقد امتد تأثير هذه التكلفة على المجتمع الدولي، فقد تسبب الصراع خلال عام 2018 في حاجة أكثر من 135 مليون شخص للمساعدات الإنسانية والحماية. كما ارتفع عدد من يتلقون مساعدات الطوارئ من 28 مليون خلال عام 2008 وصولًا إلى 97.9 مليون في عام 2018، فضلًا عما أفرزته الصراعات من فجوة واضحة بين المتطلبات المالية للتعامل مع المساعدات الإنسانية والأموال المتاحة للصراع. فخلال عام 2008 بلغت هذه الاحتياجات نحو 6.3 مليارات دولار بتمويل وصل إلى نحو 5.2 مليارات دولار، وخلال عام 2018 قُدرت المتطلبات بنحو 25.2 مليار دولار بتمويل بلغ نحو 15.1 مليار دولار. وقد لفت الكاتبان إلى أن مقابل كل دولار يتم استثماره في حل الصراع يمكن توفير نحو 16 دولارًا، وهو ما يعني أن منع النزاعات يمكن أن يوفر ما يتراوح بين 5 – 70 مليار دولار سنويًّا.

جذور تاريخية وممارسات المنع

أكد الكاتبان أن منع نشوب الصراعات والعمل على وقف حدوثها مر بمجموعة من المحطات التاريخية التي ساهمت في بروز الفكرة، حيث بدأت مع ظهور الدبلوماسية الحديثة من خلال توظيف السفارات للحفاظ على العلاقات السلمية بين الدول وتجنب الحروب والنزاعات. كما مثّل مؤتمر فيينا عام 1815 مرحلة مهمة في منع الصراعات، إذ أكد المؤتمر على جملة من التدابير، منها: المشاورات المتبادلة، وإنشاء مناطق منزوعة السلاح، والتسوية السلمية للصراعات. كما اتجهت القوى العظمى إلى اعتماد الدبلوماسية الجماعية لمنع الصراع، وذلك من خلال المنظمات الدولية للعمل على منع وإزالة التهديدات ومظاهر الصراعات.

في السياق ذاته، شدد الكاتبان على أن منع الصراع يظل فكرة معقدة رغم أنها قد تبدو بسيطة، ذلك أن منع الصراع لا يشير فقط إلى النزاعات التي يجب تجنبها، بل يمتد إلى منع الانتكاسات في مجتمع ما بعد الصراع، خاصة أن النزاعات الداخلية تستمر في المتوسط من 5 إلى 10 سنوات. وقد ميز الباحثان بين نوعين من إجراءات منع الصراع، هما:

– المنع المباشر/ التطبيقي: ويشمل الإجراءات المُصممة لمعالجة الأسباب المباشرة للصراعات، وتتضمن عدة أمور منها: الإنذار والاستجابة المُبكرة، والدبلوماسية الوقائية، والتدابير الاقتصادية، واستخدام القوة. وتثور هذه الإجراءات خلال المراحل الأولى من التصعيد. 

– المنع الهيكلي: ويقوم على تقليل احتمالات نشوب النزاع والعنف من خلال حوافز إيجابية للمجتمعات بهدف تعزيز المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، عبر تطوير أنظمة العدالة والحكم، والتنمية الاقتصادية والسياسية. 

اتصالًا بما سبق، حدد الباحثان جملة من الممارسات التي تحول دون نشوب أو استمرار الصراعات، حدداها فيما يلي:

1- الوساطة: وهي عملية ينتج عنها قيام طرف ثالث بمساعدة طرفين أو أكثر على منع أو إدارة أو حل النزاع عبر اتفاقيات يقبلها الطرفان. وقد حظيت الوساطة كأسلوب لمنع النزاعات بقبول مجتمعي ودولي واسع. فخلال الفترة (1989-2014) نجحت جهود الوساطة في 24% من النزاعات المسلحة. ورغم ذلك فإن محاولات الوساطة قد تُواجه بمجموعة من العراقيل من بينها صعوبة التعاون بين الدبلوماسية الوقائية وآليات صنع السلام المحلية، وكذا التحديات الناجمة عن مخاطر الاتصالات مع الجماعات المتطرفة.

2- حفظ السلام والاستقرار: شدد الباحثان على دور حفظ السلام في منع وإدارة الصراع العنيف، خاصة أن مبدأ حفظ السلام كان قد خُصص لإزالة الصراعات أو الإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار لمنع انتكاس البلاد الخارجة من الصراعات. وبالمثل يُعد حفظ السلام المعتمد على استخدام القوة العسكرية “military peacekeeping” الأداة الأكثر فاعلية لمعالجة النزاع؛ فكلما تمتعت قوات حفظ السلام بالقوة والموارد المالية زادت مساهمتها في منع الصراع أو العودة إليه. وخلُص الباحثان إلى أن وجود قوات حفظ السلام يؤدي إلى انخفاض معدلات انتكاس الصراع بنسبة 75-85٪.

3- الحروب الوقائية: ذكر الباحثان أن البعد العسكري في منع أو إدارة الصراع قد تعرض للتشوية، ولا سيما بعدما فشل مبدأ الحرب الوقائية الذي لجأ إليه “جورج بوش” من خلال التدخل العسكري في أفغانستان في 2001، وفي العراق في 2003. إذ تعتبر الحروب الوقائية والوسائل العسكرية أخطر الممارسات التي يمكن تطبيقها للأغراض الوقائية، سواء في منع أو إدارة الصراع، وهو ما ظهرت عواقبه في أفغانستان والعراق والتي امتدت تداعياته لتنال من استقرار المنطقة ككل. 

4- الإنذار والعمل المبكر: نوه الباحثان إلى أن ممارسات منع الصراع باتت تتجه نحو التقييم الشامل والمؤسسي للأسباب الجذرية للصراع عندما لا تزال الأزمة في مرحلة مبكرة، وهو ما يسمح بتغيير مسار الأزمة والانتقال إلى نهج متكامل ينظر إلى البعد العسكري والأمني على أنه مكون صغير من مجموعة واسعة من الأدوات التي ترتكز على الحوافز والتدابير السياسية والتقنية والمالية، وعلى دمج التدخلات الدبلوماسية والإنمائية والأمنية والإنسانية لتحويل الإنذار إلى عمل مبكر يمنع نشوب الصراع ويحد منه.

إجراءات ضرورية 

انطلاقًا مما سبق، ركز الباحثان على مجموعة من العناصر الواجب الالتفات إليها للمساهمة في تطبيق ومنع نشوب الصراعات. وتشمل هذه العناصر ما يلي: 

– وفرة الموارد: يُنظر إلى وفرة الموارد وزيادة التمويل على اعتبار أنها من بين أكثر التدابير شيوعًا لتفادي الصراع والحد منه، فوفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD يوجد عاملان ضروريان لتحقيق السلام الدائم، هما: انخفاض مستويات تعقيد الصراع، والموارد المتاحة لذلك. 

– تعزيز السلوك: يرى الباحثان أن من يعملون في مجال النزاعات يحتاجون إلى تدريبات وبرامج تهدف إلى تعزيز التغيير السلوكي، وخلق مجتمع أوسع وأكثر تماسكًا من خلال الممارسات الفعلية، وذلك عبر الاستثمار في التعليم والتدريب وتعلم طرق خلاقة في التفكير، خاصة أن عملية الوقاية ومنع الصراع أصبحت تتصل بالبعد الإنساني.

– توظيف التكنولوجيا: يؤكد الباحثان أن الاستخدام المزدوج للتطورات التكنولوجية من شأنه أن يوفر فوائد فعالة في عملية الوقاية من الصراع، ذلك أن الاستخدام الفعال للبيانات وتحليلها يمكن أن يسمح بتنبؤ اتجاهات المستقبل بشكل أكثر دقة. كما يمكن الاستفادة من الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار في أنشطة منع النزاعات ومن بينها أعمال المراقبة، والاستخبارات، وحماية السكان، ومراقبة الحدود.

– الأمن: يُعتبر دور الجيش والقوات المُسلحة ضروريًّا في منع الصراع، خاصة في ظل ما يقدمه الجيش من قيمة مضافة في هذه المناطق، سواء فيما يتعلق بالأصول المتاحة لدى القوات المسلحة، أو من خلال تبادل المعلومات والأدوار الاستخباراتية. 

– السرد: يرى الباحثان أن هناك حاجة ماسة إلى سرد مُحكم لدعم الوقاية من الصراعات، شريطة أن يتجاوز هذا السرد تكاليف الصراع مقابل مكاسب الوقاية، حيث إن السرد المنضبط يمكنه المساعدة في بناء تحالفات وقائية. كما أن منع الصراع يحتاج لدراسة حالة معينة من أجل التعرف على أسباب النجاح في منع نشوب صراعٍ ما وأسباب عدم نجاح الآخر، فضلًا عن معرفة أدوات الوقاية الأكثر فعالية والدروس المُستفادة من مختلف البلدان، وذلك بغرض استكشاف أفكار ومفاهيم جديدة قد تعمل على تحسين سياسات الوقاية.

للاطلاع على نص الدراسة انظر: Giovanni Faleg & Florence Gaub, “ICEBERG AHEAD! RETHINKING CONFLICT PREVENTION”, The European Union Institute for Security Studies, April 2019, Available at: https://www.iss.europa.eu/sites/default/files/EUISSFiles/Brief%204%20Conflict_0.pdf

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة