وحدة الدراسات الأوروبية

أداة دعم المُبادلات الأوروبية- الإيرانية إنستكس.. حدود الفعالية

أعلنت كُل من فرنسا وألمانيا والمملكة المُتحدة، في 31 يناير 2019، تدشين آلية جديدة لتسهيل التجارة مع إيران، في ظل ما تفرضه الولايات المُتحدة من عقوبات على الأخيرة. وقد أُطلق على هذه الآلية “أداة دعم المُبادلات التجارية” Instrument in Support of Trade Exchanges (INSTEX). ولما كان الطرف الأوروبي غير قادر على القيام بدوره دونما نظير على الأراضي الإيرانية، فقد أُعلن في 29 أبريل من العام نفسه عن تأسيس إيران “معهد التجارة والتمويل الخاص” Special Trade and Finance Institute (STFI)، لتكتمل قناة المُبادلات بين الطرفين، للتغلب على حواجز الدولار والسيطرة الأمريكية على النظام المالي العالمي. ويحاول هذا المقال التعريف بهذه الآلية…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أعلنت كُل من فرنسا وألمانيا والمملكة المُتحدة، في 31 يناير 2019، تدشين آلية جديدة لتسهيل التجارة مع إيران، في ظل ما تفرضه الولايات المُتحدة من عقوبات على الأخيرة. وقد أُطلق على هذه الآلية “أداة دعم المُبادلات التجارية” Instrument in Support of Trade Exchanges (INSTEX). ولما كان الطرف الأوروبي غير قادر على القيام بدوره دونما نظير على الأراضي الإيرانية، فقد أُعلن في 29 أبريل من العام نفسه عن تأسيس إيران “معهد التجارة والتمويل الخاص” Special Trade and Finance Institute (STFI)، لتكتمل قناة المُبادلات بين الطرفين، للتغلب على حواجز الدولار والسيطرة الأمريكية على النظام المالي العالمي.

ويحاول هذا المقال التعريف بهذه الآلية الجديدة، ودوافع تأسيسها، وتقييم مدى فاعليتها في القيام بالغرض الذي أُنشئت من أجله.

ما هي “إنستكس” وكيف تعمل؟

تعمل إنستكس كقناة محدودة غير مُباشرة لإتمام بعض المعاملات بين أوروبا وإيران، وتهدف إلى تسهيل تجارة “السلع الأساسية غير الخاضعة للعقوبات الأمريكية مثل المنتجات الإنسانية والطبية والزراعية” كمرحلة أولى، ولم يتم إعدادها رسميًّا لتسهيل تجارة النفط التي يعتمد عليها النظام الإيراني بشكلٍ أساسي في توفير العُملات الصعبة.

وتعتمد “إنستكس” على نوع من المُقايضة يُخرج المُعاملات التجارية الإيرانية الدولية من إطار النظام المالي العالمي الذي يعتمد أساسًا في التبادل على الدولار، بحيث تنتقل البضائع دون أن تنتقل المدفوعات عبر الحدود بين إيران والاتحاد الأوروبي، بل تحدُث مقاصة داخلية بين الأطراف التجارية المُختلفة في كلٍ من الطرفين. على سبيل المثال، إذا قام المورد “أ” في أوروبا ببيع سلعة ما إلى العميل “ب” في إيران، فإن “ب” يدين بالمال لـ”أ”. وبالمثل، قد يكون هناك مورد “ج” في إيران قام ببيع منتجات إلى العميل “د” في أوروبا. في ظل الظروف العادية، سيدفع كُل من “ب” و”د” بالدولار عبر نظام التحويلات الدولي SWIFT. وهنا يأتي دور “إنستكس”، حيث تُمكن المُشتري “ب” الإيراني من الدفع للبائع “ج” الإيراني بالريال في الوقت الذي يدفع فيه المُشتري “د” الأوروبي للبائع “أ” باليورو، وبالتالي لن تكون هناك معاملات عبر الحدود ولا استخدام للنظام المالي العالمي.

جدير بالذكر أن الدول الأوروبية الثلاث السابقة تتشارك مسئولية إدارة الطرف الأوروبي من قناة التبادل التجاري، فيقع مقر “إنستكس” في باريس، ويترأسه الخبير المصرفي الألماني “بير فيشر” وهو مدير سابق في كومرز بنك Commerzbank، بينما ستترأس المملكة المتحدة مجلس الإشراف عليه. ويرجع ذلك في الأساس لتصعيب مهمة الولايات المُتحدة الأمريكية في استهداف أي من الاقتصادات الثلاثة مُنفردًا، فتوزيع المسئوليات يضع الولايات المُتحدة أمام ثلاثة من أهم حُلفائها، يُضاف إلى ذلك أن الدول الثلاث هي صاحبة أكبر مصالح تُجارية مع إيران في القارة الأوروبية، وأخيرًا لأن الدول الثلاث معًا تُشكل الكُتلة الصلبة التي أعلنت تمسكها بالاتفاق النووي الإيراني JCPOA من بين مجموعة (5+1) التي فاوضت إيران لإتمامه.

الدوافع الأوروبية خلف تأسيس “إنستكس”

سعت الدول الأوروبية الثلاث لتأسيس هذه القناة المالية–التجارية لتحقيق عدة أهداف، أهمها ما يلي:

1- الابقاء على الاتفاق النووي الإيراني

في 14 يوليو 2015 أعلنت مجموعة (5+ 1) -التي تتألف من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا- عن توصلها لاتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي أُطلق عليه Joint Comprehensive Plan of Action المعروف اختصارًا باسم JCPOA، والذي يهدف إلى رفع العقوبات الاقتصادية الأممية والأوروبية والأمريكية عن إيران في مُقابل تخلي إيران عن طموحها في الوصول للدرجة الأخيرة من تخصيب اليورانيوم التي تسمح باستعماله في الأغراض العسكرية، على أن يستمر تطبيق الاتفاق لمُدة 15 عامًا. لكن الولايات المُتحدة تحت قيادة الرئيس “ترامب” انسحبت من الاتفاق في 8 مايو 2018، بغرض التفاوض من جديد لتضمين الاتفاق المُبرم التزامات تتعلق بالبرنامج الصاروخي الإيراني، ثم أعادت فرض العقوبات الاقتصادية على إيران مُجددًا مع تشديدها واستهداف تصفير الصادرات النفطية الإيرانية، وفصل القطاع المصرفي الإيراني عن النظام المالي العالمي، بالإضافة إلى حث بقية أطراف الاتفاق -وبخاصة فرنسا وألمانيا والمملكة المُتحدة- على الانسحاب مع حصار إيران من جديد بفرض عقوبات ما قبل JCPOA.

لكنّ الدول الأوروبية الثلاث رفضت الانصياع للمطالب الأمريكية، وشكلت مع روسيا والصين جبهة لدعم استمرار الاتفاق، وحث الطرف الإيراني على الالتزام به، مُستندةً في ذلك إلى عدم مُخالفة إيران لأي من بنوده، وعدم تطرق الاتفاق من الأساس للبرنامج الصاروخي الإيراني، بالإضافة لرؤيتها القائمة على أن الاتفاق يُعزز الأمن والسلم العالمي والإقليمي، ولذلك أنشئت “إنستكس” كقناة بديلة لتعويض الحكومة الإيرانية عما لحقها من أضرار بسبب الانسحاب الأمريكي ولحثها على الالتزام ببنوده.

2- الحفاظ على المصالح التجارية الأوروبية

تتكون العقوبات الأمريكية الاقتصادية المُعاد فرضها على إيران من ثلاث مجموعات أساسية: أولها، منع التبادل التجاري الأمريكي-الإيراني، وحجب الاستثمارات الأمريكية إلى إيران بموجب قانون “Comprehensive Iran Sanctions, Accountability, and Divestment Act” المعروف اختصارًا باسم “CISADA”، وتوجه هذه المجموعة للشركات الأمريكية دون سواها. وثانيها، عقوبات على قطاع النفط الإيراني لا تسمح بإجراء أية عمليات استثمارية أو تجارية مع القطاع تتجاوز قيمتها 20 مليون دولار بموجب قانون ” The Iran Sanctions Act”، وتوجه لجميع الشركات في العالم. وآخرها، عقوبات على البنك المركزي الإيراني تمنع الأطراف التجارية الخارجية من التعامل معه بالدولار طالما لم تحصل على إذن بذلك من الإدارة الأمريكية، بالإضافة إلى اعتبار القطاع المصرفي الإيراني بأكمله “كطرف ضالع في عمليات غسل الأموال” وهو ما يضع جميع المُتعاملين معه في مرمى العقوبات الأمريكية بموجب “CISADA”، وتوجه هذه المجموعة كذلك لجميع شركات العالم.

وعلى إثر إعادة فرض العقوبات الأمريكية السابقة بعد الانسحاب من JCPOA حدث تطوران تجاريان مهمان للغاية. أولهما، انسحاب عدد كبير من الشركات الأوروبية خارج قطاعات الاقتصاد الإيراني مثل: رينو وسيتروين الفرنسيتين، وديملر الألمانية، وسكانيا السويدية، من قطاع السيارات، وانسحاب “سيمنز الألمانية” من قطاع الطاقة، بالإضافة إلى خروج كُل من “DZ Bank” الألماني، و” Banque Wormser Freres” الفرنسي من قطاع البنوك، وشركة Hapag-Lloyd الألمانية من قطاع الشحن، وشركة Deutsche Telekomمن قطاع الاتصالات، بعد ضخ استثمارات ضخمة تخطت في بعض الأحيان مليار دولار لكل شركة على حدة خلال فترة السنوات الثلاث بين توقيع JCPOA والانسحاب منها.

ثانيهما، استجابة إدارة نظام المدفوعات الإلكترونية “Swift” ومقره بروكسل –الذي يوفر شبكة تمكن المؤسسات المالية في جميع أنحاء العالم من إرسال واستقبال المعلومات حول المُعاملات المالية في بيئة آمنة وموحدة- لإدارة الرئيس “ترامب” (وذلك على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي لم يفرض عقوبات على إيران) وذلك تجنبًا لخطر العقوبات الأمريكية، في أواخر عام 2018، إذ قام النظام مرة أخرى بفصل البنوك الإيرانية التي تخضع للعقوبات الأمريكية بما فيها البنك المركزي الإيراني. وقد تعرضت الحكومات الأوروبية الثلاث لضغوط كبيرة على إثر هذه الإجراءات دفعتها للعمل على توفير بيئة آمنة لشركاتها للعودة إلى الاقتصاد الإيراني، عن طريق توفير بديل لـ Swift يكون قادرًا على إتمام المُعاملات التجارية وبغير الدولار الذي يُمنع استخدامه بغير ترخيص من الإدارة الأمريكية.

3- تقليل سيطرة الولايات المُتحدة على التجارة الدولية

لجأت الولايات المُتحدة عقب وصول الرئيس “ترامب” لسُدة الحُكم إلى استخدام مُكثف للعقوبات الاقتصادية بشتى أنواعها، خاصة العقوبات المالية، بشكل مُنفرد دون توافق أممي أو حتى مع شُركائها الأساسيين. فبالإضافة إلى إيران، فرضت الولايات المُتحدة عقوبات على روسيا بسبب ضمها شبه جزيرة القرم، ثم بسبب الأحداث الأوكرانية، وأخيرًا عقب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وإن كانت العقوبات ضد روسيا تختلف في جوهرها عن العقوبات ضد إيران، كونها تستهدف كيانات أو أشخاص بعينهم دون قطاعات أو الاقتصاد بالكامل؛ إلا أنها تظل عقوبات مالية. كما استخدمت الإدارة الأمريكية سلاح العقوبات الاقتصادية ضد تُركيا (أحد أهم حُلفائها في منطقة الشرق الأوسط، وعضو حلف الناتو) على إثر احتجاز القس الأمريكي “أندرو برونسون”، ومؤخرًا استخدامها ضد حكومة “مادورو” في فنزويلا عقب الأزمة السياسية التي تضرب البلاد. يُضاف إلى ذلك العقوبات المفروضة أصلًا على دول مثل كوبا، وكوريا الشمالية، والسودان، وغيرها.

ودفع هذا اللجوء الأمريكي المُفرط لآلية العقوبات عددًا من دول العالم –خاصة التي خضعت لها- إلى البحث عن آليات تجارية أخرى غير المُسيطر عليها أمريكيًّا، فلجأ بعضها إلى استعمال العُملات المحلية في التبادل التُجاري للتخفيف من عبء الدولار، ومثال ذلك الصين وروسيا وإيران، وكذلك إيران وتُركيا، التي تبادلت عمُلاتها المحلية وخصصت جُزءًا من تجارتها البينية للتبادل بهذه العُملات دون الدولار. وتأتي آلية “إنستكس” كتطور لهذه الآليات من حيث كونه يضم أكثر من دولتين في عملية التبادل التجاري، وبأكثر من عملتين محليتين هما الريال الإيراني، واليورو، والجنيه الإسترليني، ولعل الدليل الأكبر على ذلك هو إعلان عدد من الدول نيتها الانضمام إلى “إنستكس”، ومن بينها تُركيا وروسيا، وهو ما يعني تطوره فعليًّا من أداة لتسهيل التجارة مع إيران إلى أداة دولية مُتعددة الأطراف والعُملات للتجارة البينية، مما يدفع في اتجاه تقليل سيطرة الولايات المُتحدة ودولارها على التجارة العالمية.

حدود الفاعلية

رغم هذه الدوافع الكُبرى إلا أن “إنستكس” يواجه صعوبات قد تحد من فاعليته في تحقيق أهدافه. وترجع هذه الصعوبات إما لأسباب خارجية يفرضها دوره عليه، أو لأسباب ذاتية تتعلق بالنظام نفسه وبنيته وطريقة عمله، نتناول كُلًا على حدة.

1- تحديات خارجية

تفرض هذه التحديات نفسها على “إنستكس” بسبب الدور الذي من المُقرر له أن يلعبه في تقليص أثر العقوبات الأمريكية على إيران، الأمر الذي يعني أن قناة حديثة النشأة تواجه مجموعة مُتكاملة من النُظم المالية والقانونية الأمريكية التي تُسيطر على السوق الأمريكية ومن خلفه الأسواق المالية العالمية بشكل كبير، ومن بين تلك التحديات ما يلي:

أ- إمكانية التعرض للعقوبات الأمريكية رغم عدم استعمال الدولار أو SWIFT

تعمل العقوبات في شكلها الأساسي –كما سبق- على منع الشركات الأمريكية من التعامل في السوق الإيرانية، أو الشركات العالمية من التعامل مع قطاعات أو شركات مُعينة بشكل حصري. لكنّ هناك نوعًا آخر من العقوبات يخضع لتقدير الإدارة الأمريكية فيما يُعرف بـ”العقوبات الثانوية” تستطيع الإدارة من خلاله أن تمنع الشركات والبنوك الأمريكية من القيام بأي عمل مع شركات من بلدان أخرى تتعامل مع كيانات خاضعة للعقوبات، مما يسمح للإدارة بفرض عقوبات على شركات لا تخضع للولاية القضائية للولايات المتحدة، وهذا النوع هو الذي تُطبق من خلاله المجموعتان الثانية والثالثة من العقوبات على قطاعي النفط والبنوك الإيرانيين.

ومفاد ذلك أنه رغم ما يُمثله “إنستكس” من التفاف على السيطرة المالية الأمريكية، إلا أن الإدارة الأمريكية ما زالت قادرة على فرض عقوبات على أي كيان يتعامل مع إيران عن طريقه في شأن النشاطات أو القطاعات المحظور التعامل عليها بموجب العقوبات، وقد أسفر ذلك عن تخصيص النظام في البداية للتبادل التُجاري في السلع والقطاعات غير الخاضعة أصلًا للعقوبات كالقطاع الزراعي والغذائي وما يتعلق بحقوق الإنسان مثل الدواء والأدوات الطبية وغيرها. الأمر الذي يعني في الأساس عدم قُدرة هذا النظام في شكله الحالي على القيام بدوره.

ب- خروج الشركات العالمية مُتعددة الجنسيات

تُعتبر الشركات العالمية أهم مصدر للاستثمار الأجنبي المُباشر، وأحد أفضل أدوات نقل التكنولوجيا للأسواق المُضيفة، بالإضافة لأهمية ما تمتلكه من خبرات في مجالات عملها تؤدي إلى تقليل تكلفة مُخرجات عملية الإنتاج وخفض وقت العملية ذاته، وبالتالي يُعتبر جذب هذه الشركات من أهم أولويات الدول وخاصة النامية منها. وقد أدت إمكانية خضوع هذه الشركات للعقوبات الأمريكية بمجرد تواجدها في السوق الإيرانية إلى مُسارعتها بالخروج مُنذ أن أعلنت الولايات المُتحدة إعادة فرض عقوباتها من جديد، خشية التعرض للعقوبات الأمريكية أو المنع من التعامل في السوق الأمريكية.

وقد أصبحت هذه الشركات أمام اختيار معروف النتيجة، وهو إما العمل في السوق الإيرانية أو الأمريكية، وذلك بسبب حجم السوق الأمريكية وما تتمتع به من إمكانيات هائلة على مستوى التنظيم والمُنافسة وغيرهما، ولا توجد سوى قلة قليلة من الشركات الكبرى متعددة الجنسيات مستعدة لتحمل مخاطر التعرض للعقوبات الأمريكية، لذلك فإن المُستفيد الأكبر من “إنستكس” ستكون الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم التي لا تعمل من الأساس في السوق الأمريكية، والتي تتميز بطابع محلي، وهي شركات تعمل بحجم استثمارات أقل، وبوتيرة أبطأ لا يُمكن أن تعوض السوق الإيرانية عن خروج الشركات الكُبرى.

2- تحديات تتعلق بآلية إنستكس ذاتها

تنبع هذه التحديات في الأساس من كون “إنستكس” يعتمد على نظامي المُقايضة والمقاصة من ناحية، بالإضافة إلى عدم إدراجه النفط من بين السلع قيد التبادل، من ناحية أخرى. ونتناول كُلًا منهما على حدة.

أ- الاعتماد على نظامي المُقايضة والمقاصة

يعتمد “إنستكس” على نظام المُقايضة، وبالتالي فإنه يتصف بعيوبها من حيث، أولًا، وجوب تواجد اثنين من البائعين والمُشترين على طرفي التبادل، ويجب أن يكون الأطراف الأربعة جاهزين وراغبين في إجراء التبادل التجاري، في نطاق زمني مُتقارب بحيث يدفع المُشتري للبائع نظير سلعته عند كُل طرف في أوقات مُتقاربة، وهو أمر مُعقد للغاية حيث يزيد أطراف التبادل لأربعة بدل من اثنين، ما يُسفر في النهاية عن تعقد كبير في عمليات التجارة، ويستلزم جهدًا مُضاعفًا لإتمام تبادل تجاري يحدث في الأساس خلال دقائق معدودة، يحصل بعدها البائع على نقوده والمُشتري على بضاعته.

يُضاف إلى ذلك تعقيد آخر وهو الاعتماد على نظام المقاصة، الذي يفرض على عملية التبادل أن تكون متوازنة دون عجز أو زيادة عند طرفي الحدود في نطاق زمني مُعين، وإلا فإن بعض أطراف التبادل لن تكون قادرة على اقتضاء مُستحقاتها، وهو ما يُضيف تحديًا جديدًا، خاصة في ظل اختلال الميزان التُجاري الإيراني لصالح الشُركاء الأوروبيين عند استبعاد النفط من التبادل، وهو ما سوف يتسبب في وجود عجز مُستمر على الجانب الإيراني، سيتراكم مع الوقت خاصة إذا استمرت العقوبات لفترة أطول أو دخول أطراف آخرين إلى إنستكس، الأمر الذي رُبما يؤدي في النهاية لفشل تام في النظام.

ب- عدم إدراج النفط من بين السلع قيد التبادل على إنستكس

يُشكل النفط المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي لإيران، إذ شكل ما نسبته 72% من إجمالي الصادرات الإيرانية عام 2017 وبقيمة 38.5 مليار دولار، لذلك فإن الموازنة العامة الإيرانية تعتمد بشكل رئيسي على عائدات النفط التي تُشكل حوالي 40٪ من ميزانية الحكومة للعام الإيراني الحالي. وتتوقع ميزانية العام الحالي تصدير 1.54 مليون برميل يوميًّا من النفط الخام ومكثفات الغاز بسعر 54.1 دولارًا للبرميل، وذلك بإجمالي إيرادات قدرها حوالي 30.4 مليار دولار، تبلغ حصة الموازنة منها حوالي 24 مليار دولار، بينما يودع الباقي في صندوق التنمية الوطني الإيراني. وتُعادل هذه الحصة تقريبًا إجمالي مخصصات الأجور والمعاشات للعاملين بالحكومة والبالغ عددهم نحو 4.6 ملايين موظف ومتقاعد تقريبًا وبعض العمال غير الحكوميين في السنة المالية الحالية. وبالتالي، فإن عدم إدراج النفط قيد التبادل على “إنستكس” يعني عدم نجاحه في حل المُشكلة من الأساس، وفشله في أداء المهمة التي أُسس من أجلها.

من جملة ما سبق يتضح أن “إنستكس” هي قناة ثورية في مجال التجارة العالمية، قد تُقلل في المُستقبل من سيطرة الولايات المُتحدة على الأسواق المالية وتفك ارتباطها بالدولار، بعد إدخال تطويرات وتحسينات كبيرة عليها بسبب ما يواجهها من تحديات تُقلل من فاعليتها، وتحتاج هذه التطورات إلى وقت واتفاق عدد كبير من الدول على استعمالها، لكنها في الوقت الحالي غير قادرة على تقديم بديل حقيقي يُنقذ النظام الإيراني من أزمته الاقتصادية والمالية بفعل العقوبات الأمريكية، أو يؤمن للشركات الأوروبية قناة آمنة من العقوبات عند العمل في نطاق الاقتصاد الإيراني.

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة