تنمية ومجتمع

السياحة العلاجية.. فرصة لم نستفد منها بعد

دفع الرواج الذي حققته الـسياحة الصحية خلال السنوات الأخيرة، إلى خلق حالة من المنافسة الدولية في تقديم هذا النوع من الخدمات السياحية. فقد قدرت بعض التقارير الدولية أن الأرباح المالية المتحققة من أنشطة السياحة الصحية حول العالم تتراوح بين 65 – 87.5 مليار دولار سنويًّا. فيما وصلت نسبة السائحين بهدف العلاج أو الاستشفاء إلى 10% من جملة سائحي العالم. المفارقة أن الدول النامية تمكّنت من الاستحواذ على موقع متقدم في هذه المنافسة، كما تمكنت من الاستحواذ على نصيب كبير من الحصة السوقية لخدمات السياحة الصحية؛ فوفقًا لما أعلنه موقع patient beyond the borders المتخصص في ملف السياحة الصحية؛ فإن ستة…

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة

دفع الرواج الذي حققته الـسياحة الصحية خلال السنوات الأخيرة، إلى خلق حالة من المنافسة الدولية في تقديم هذا النوع من الخدمات السياحية. فقد قدرت بعض التقارير الدولية أن الأرباح المالية المتحققة من أنشطة السياحة الصحية حول العالم تتراوح بين 65 – 87.5 مليار دولار سنويًّا. فيما وصلت نسبة السائحين بهدف العلاج أو الاستشفاء إلى 10% من جملة سائحي العالم. المفارقة أن الدول النامية تمكّنت من الاستحواذ على موقع متقدم في هذه المنافسة، كما تمكنت من الاستحواذ على نصيب كبير من الحصة السوقية لخدمات السياحة الصحية؛ فوفقًا لما أعلنه موقع patient beyond the borders المتخصص في ملف السياحة الصحية؛ فإن ستة من الدول النامية، أبرزها الهند والمكسيك وماليزيا، توجد ضمن أول عشر دول اعتبرها الموقع أهم وجهات السياحة الصحية في العالم.

دوافع إقبال السائحين على الدول النامية المقدِّمة لخدمات السياحة الصحية

تتفوق الدول النامية المقدمة لخدمات السياحة الصحية على نظيراتها من الدول المتقدمة في انخفاض التكاليف العلاجية؛ فبالمقارنة مثلًا بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين عدد من الدول النامية النشطة في مجال السياحة الصحية، نجد أن الأخيرة يمكن أن تقلص تكاليف العلاج بنسبة قد تزيد عن النصف، فالعلاج في تركيا أو في تايلاند يمكن أن يوفر أكثر من 50% من جملة التكاليف الطبية عن نظيرتها في الولايات المتحدة، فيما يوفر العلاج في الهند نسبة تصل إلى 65% من التكاليف، وهى نفس النسبة التي يوفرها العلاج في ماليزيا تقريبًا (راجع بيانات الشكل رقم 1). 

 الجدول يسجل أقل نسبة توفير متوقعة للنفقات العلاجية. 

Source: patientsbeyondborders.com 

ورغم انخفاض تكلفة العلاج في الدول النامية العاملة في مجال السياحة الصحية؛ فإن جودة الخدمات الطبية المقدمة لا تتأثر بالسلب، وذلك لوجود سياسات حكومية تتعلق بضمان جودة هذه الخدمة، بالإضافة إلى حصول العديد من المنشآت الطبية في تلك الدول على شهادات دولية تثبت جودة الخدمة المقدمة. ففي تايلاند -على سبيل المثال- توجد 67 مؤسسة طبية حاصلة على شهادة الجودة من “اللجنة الطبية الدولية المشتركة في الولايات المتحدة الأمريكية”، لتصبح بذلك رابع الدول المالكة لمنشآت طبية معتمدة من هذه المؤسسة العالمية، من بين 70 دولة تمارس فيها اللجنة أنشطتها (راجع بيانات الشكل رقم 2). بالإضافة إلى ذلك فإن الدول النامية العاملة في مجال السياحة الصحية تتميز بالسرعة في تقديم الخدمة الطبية، وعدم حاجة المريض الزائر للتسجيل في قوائم الانتظار من أجل البدء في تلقي العلاج، على عكس الحال في بلد إقامته التي يأتي منها. وبالطبع فإن لهذه الميزة صلة بمدى توافر منشآت تقديم الخدمة الطبية في علاقتها بحجم الطلب على الخدمة، وهي الميزة التي يمكن للدول النامية أن تخسرها ما لم تواكب زيادة الطلب على الخدمة بالتوسع في إقامة المنشآت الطبية. 

المصدر: الموقع الرسمي للجنة الطبية الدولية المشتركة في الولايات المتحدة الأمريكية. www.jointcommission.org 

يُضاف إلى ذلك تحول التوجه العام العالمي للسائحين بهدف العلاج -خاصة السائحين من سكان الدول النامية- إلى السفر إلى دول أخرى إقليمية توفر الخدمات الطبية، وهي في أغلب الأحيان دول نامية أيضًا. ذلك التوجه الحديث معاكس تمامًا لما اعتاد عليه سوق السياحة الصحية خلال العقود الماضية، حيث كان المرضى يتوجهون للدول المتقدمة فقط لتلقي الخدمات العلاجية. وربما عزز ذلك التوجه التقارب الثقافي والحضاري واللغوي بين دولة السائح الأم والدولة المضيفة. علاوة على الدوافع المالية، وجودة الخدمة كما ذُكر أعلاه. وقد قدمت المكسيك مثالًا ناجحًا في هذه النقطة؛ فالمكسيكيون العاملون في الولايات المتحدة وبعض المواطنين الأمريكيين كثيرًا ما يتوجهون للداخل المكسيكي لتلقي الخدمات العلاجية الأرخص مقارنة بالولايات المتحدة.

مقومات المنافسة المصرية في مجال السياحة الصحية

كإحدى أهم الدول الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، على المستويين السياسي والاقتصادي، وكواحدة من أسرع اقتصادات العالم النامى صعودًا، وكبلد يمتلك خبرة عقود في إدارة العمل السياحى، فضلًا عن امتلاك منظومة طبية كبيرة، وموارد طبيعية صحية متعددة؛ يمكن لمصر أن تصبح أحد أبرز اللاعبين في مجال السياحة الصحية. ففي مصر مقومات كافية للنجاح، وإن كان هناك أيضًا عدد من المعوقات التي يجب مراعاتها. 

1- مقومات النجاح

– تمتلك مصر قرابة ثلاثين موقعًا للسياحة الاستشفائية الطبيعية، تتوزع على 9 محافظات، منها القاهرة والوادي الجديد وجنوب سيناء. وتتعدد الطرق العلاجية في تلك المواقع بين الطمر بالرمال، أو السباحة في عيون المياه الكبريتية والمعدنية، أو التشمس للاستفادة من الأشعة فوق البنفسجية، أو الاسترخاء في مناطق الطقس الجاف.

– يوجد في مصر 11 منشأة طبية تابعة للقطاع الخاص حاصلة على شهادات للجودة من “اللجنة المشتركة الدولية بالولايات المتحدة”، منها 10 منشآت في القاهرة. كما أجازت وزارة الصحة المصرية 16 منشأة طبية حكومية للعمل في مجال السياحة الصحية، تتوزع على 6 محافظات، فضلًا عن انتشار العشرات من النوادي الصحية المجهزة التي يتركز معظمها داخل الفنادق من فئتي خمسة وأربعة نجوم.

– تفوق مصر في علاج عدد من الأمراض، مثل أمراض الكبد الوبائية، والغدد الصماء، والعيون، والأمراض الجلدية، والعظام، والأسنان، وجراحات التجميل، وعلاج السموم، بالإضافة للخبرة الكبيرة في مجال الوقاية من الأوبئة والأمراض.

– انخفاض الأسعار المعمول بها في كل المجالات التجارية والخدمية بعد تحرير سعر صرف العملة المحلية منذ نهاية عام 2016. 

– قوة الدعاية السياحية لمصر في عدد من الدول المصدرة للسائحين أصحاب الإنفاق العالي، كدول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين واليابان.

– ثقة المستثمر الأجنبي في الاقتصاد المصري، مما يحفز ضخ الاستثمارات في مجال السياحة الصحية.

– تنوع الحالة المناخية بناء على احتياج المريض بين المناخ الجاف في معظم أرجاء الدولة، خاصة المناطق الصحراوية والداخلية، والرطب في مناطق الوادي والدلتا والسواحل، مع الاستقرار شبه الدائم في درجات الحرارة التي تدور حول 36 درجة صيفًا، و22 درجة شتاء.

– توسط مصر جغرافيًّا للدول العربية ودول قارات العالم القديم، بالإضافة لتوفر اتصال جوي مباشر مع أغلب الدول الأوروبية والعربية وعدد من الدول الآسيوية المهمة.

– ضعف تنمية البنى التحية الصحية في عدد كبير من الدول المحيطة، خاصة مع انتشار التوترات في تلك الدول، مما يضطر مواطنيها للبحث عن بدائل إقليمية قريبة. 

– انتشار أمراض الروماتيزم والعظام ونقص فيتامين “د” في عدد من الدول العربية، خاصة دول الخليج، فضلًا عن انتشار العديد من الأمراض المزمنة. 

– قيام أول برنامج للسياحة العلاجية في مصر، وهو برنامج “تور أند كيور”.

– سهولة الترويج لمصر كمقصد للسياحة العلاجية، خاصة بين المهاجرين المصريين في الخارج وأبناء الدول العربية والإفريقية الشقيقة.

2- المعوقات

توصف منظومة السياحة الصحية في مصر بكونها غير متقدمة وبدائية حتى الآن؛ فلا تزال خدماتها تقدم بطرق عشوائية وتقليدية قديمة. وعلى الرغم من وجود عدد من السياح الذين يتوافدون على مصر بهدف العلاج؛ إلا أن هذا العدد محدود، ولم يتجاوز في عام 2010 -وهو المعروف بـ”عام ذروة السياحة المصرية”- نسبة 0.72% من جملة السياح وفق التقارير الرسمية. أما عن أبرز المعوقات التي تقف حائلًا دون تطوير منظومة السياحة الصحية في مصر، فهي:

– عدم وجود خريطة رسمية للسياحة الصحية في مصر.

– قلة المعلومات عن مجال السياحة الصحية في مصر.

– عدم وجود دعاية مخصصة لملف السياحة الصحية في الخارج.

– ندرة الاستثمار في مجال السياحة الصحية.

– ندرة وجود المنشآت المتخصصة في السياحة الصحية بشقيها الاستشفائي والعلاجى.

– انعدام وجود شركات ووكلاء متخصصين في بيع وإدارة خدمات السياحة الصحية.

– محدودية التفهم داخل قطاعي السياحة والصحة لفكرة السياحة الصحية كمجال اقتصادي جديد.

– عدم توفر العمالة السياحية والطبية المدربة على تفهم وتنفيذ سياسات السياحة الصحية. 

– عدم وجود حصر وبيانات حقيقية بأعداد الوافدين بهدف الاستفادة من خدمات السياحة الصحية. 

– عدم إصدار قانون السياحة الصحية المنظم لعمل هذا المجال حتى الآن.

خلاصة القول، إن السياحة الصحية تُعد مجالًا اقتصاديًّا واعدًا في مصر بكل المقاييس. أما عن المعوقات التي تقف في سبيل تطوير ذلك المجال فهي تعتبر تحديات تقليدية متوقعة يمكن تجاوزها من خلال مجموعة من البرامج المخططة، بحيث تصبح السياحة الصحية رافدًا جديدًا للدخل الوطني.

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة