الديمقراطية أم التنمية.. هل نحن مضطرون للاختيار؟

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

نتجادل كثيرا حول الديمقراطية السياسية والتنمية الاقتصادية. البعض منا يرون أن التنمية الاقتصادية تسبق الديمقراطية وتمثل شرطا لها, فيما يرى آخرون استحالة تحقيق التنمية الاقتصادية بغير ديمقراطية، لأنه فى غياب الديمقراطية يعم الفساد، ولا يستفيد عموم الناس من عوائد التنمية، التى تستولى عليها النخب الحاكمة. ليس من السهل حسم هذا الجدل، فالاختيار بين الأهداف الكبرى هو من أصعب التحديات, ولدى البشر فائض من الطموح والشجاعة يهيئهم للإيمان بقدرتهم على الفوز بكل شيء جميل فى نفس الوقت نفسه، فلا يقبلون ضرورة الاختيار وترتيب الأولويات، أو بأن الأهداف الإيجابية المرغوبة قد تتعارض أحيانا مع بعضها، مثلما يتعارض حضور حفل رائع للموسيقى الكلاسيكية…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

نتجادل كثيرا حول الديمقراطية السياسية والتنمية الاقتصادية. البعض منا يرون أن التنمية الاقتصادية تسبق الديمقراطية وتمثل شرطا لها, فيما يرى آخرون استحالة تحقيق التنمية الاقتصادية بغير ديمقراطية، لأنه فى غياب الديمقراطية يعم الفساد، ولا يستفيد عموم الناس من عوائد التنمية، التى تستولى عليها النخب الحاكمة.

ليس من السهل حسم هذا الجدل، فالاختيار بين الأهداف الكبرى هو من أصعب التحديات, ولدى البشر فائض من الطموح والشجاعة يهيئهم للإيمان بقدرتهم على الفوز بكل شيء جميل فى نفس الوقت نفسه، فلا يقبلون ضرورة الاختيار وترتيب الأولويات، أو بأن الأهداف الإيجابية المرغوبة قد تتعارض أحيانا مع بعضها، مثلما يتعارض حضور حفل رائع للموسيقى الكلاسيكية مع الاستعداد لامتحان آخر العام الذى يحل موعده فى اليوم التالي, أو مثلما يتعارض الاستمتاع بطعام شهى مع برنامج تخفيض الوزن. أما على مستوى الدول فاتباع سياسة خارجية نشيطة قد يتعارض مع احتياجات التنمية الاقتصادية, أو تتعارض الحريات مع الأمن أو يتعارض تخفيض عجز الموازنة مع دعم أسعار سلع أساسية كالغذاء والوقود.

مع هذا فإنه يمكن دفع هذا النقاش إلى الأمام لو انتقلنا من مستوى الجدل النظرى إلى مناقشة التجربة الواقعية لأمم متشابهة فى ظروفها، لكنها اتبعت مناهج مختلفة، بما يتيح لنا المقارنة بين النتائج المترتبة على المنهجين. من حسن الحظ أن لدينا الهند والصين، بلدان يتشابهان فى كثير من الخصائص، إلا أن كلا منهما اتبع سبيلا مختلفا لتحقيق نهضته الوطنية، فأتاحا لنا, دون قصد, تجربة ميدانية يمكن من خلالها تقييم الأثر الخاص بكل من الديمقراطية والتنمية على النهضة الوطنية.

هناك الكثير من أوجه الشبه بين الصين والهند، بما يبرر المقارنة بينهما. ينتمى البلدان لمجموعة بلاد العالم الثالث النامي، وهما البلدان الأكثر سكانا بين كل بلاد العالم. حصلت الهند على استقلالها من الاستعمار البريطانى عام 1947؛ وتحررت الصين من احتلال يابانى قصير عام 1945، وانتهت الحرب الأهلية فيها بانتصار الثوريين الشيوعيين عام 1949. انتهى النضال من أجل الاستقلال والثورة فى البلدين بالانقسام، فانفصلت باكستان عن الهند، فيما انفصلت تايوان عن الصين، الأمر الذى منح البلدين تاريخا سياسيا غنيا بالمشاعر الوطنية.

الصين والهند جارتان لهما حدود مشتركة، وبينهما نزاع حدودي، ونشبت الحرب بينهما مرة واحدة فى 1962، وبينهما قدر كاف من التكافؤ العسكري، فبينما انضمت الصين للنادى النووى عام 1964، فإن الهند لحقت بها فى عام 1974. أما اليوم فإن البلدين عضوان فى مجموعة بريكس التى تضم أكبر خمسة اقتصادات ناشئة فى العالم. فالبلدان قوتان اقتصاديتان كبيرتان، حيث تمتلك الصين ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، فيما تأتى الهند فى المرتبة الخامسة.

الهند هى أكبر ديمقراطية فى العالم, على الجانب الآخر فقد تأسس فى الصين منذ اليوم الأول نظام سياسى سلطوي، تتركز فيه السلطات فى يد قيادة الدولة والحزب الحاكم، فكيف يبدو الحال فى البلدين بعد أكثر من نصف قرن؟ لقد حافظت الهند على نظامها الديمقراطى متصلا بلا انقطاع منذ الاستقلال، وفى الشهر الحالى يذهب الناخبون الهنود للتصويت فى الانتخابات العامة رقم 16. لكن نجاح الهند الديمقراطى لا يناظره نجاحها فى مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فمتوسط الدخل السنوى للفرد فى الهند يضعها فى المرتبة 145 عالميا، فيما تحتل الصين المرتبة 72. فمتوسط الدخل فى الهند لا يزيد سوى قليل جدا عن خمس متوسط الدخل فى الصين، أو أنه الفارق بين 2188 دولارا فى مقابل 10099دولارا. وكما هو متوقع فإن نسبة السكان تحت خط الفقر فى الهند تزيد عنها فى الصين، فبينما تبلع نسبة السكان تحت خط الفقر فى الهند 21% من السكان، فإنها لا تزيد على 6.5% فى الصين. لقد حققت الصين معجزة اقتصادية واجتماعية بكل المقاييس عندما نجحت فى تخفيض نسبة الفقراء من 88% عام 1981، إلى المستوى الراهن الشديد الانخفاض.

تقدم الصين لمواطنيها مستوى جيدا من الرعاية الصحية، وأفضل مقياس للرعاية الصحية هو متوسط العمر بين السكان، والذى يبلغ فى الصين أكثر قليلا من 76 عاما، فى المرتبة 69 دوليا. أما فى الهند فإن متوسط العمر يقل قليلا عن 69 عاما، بما يضعها فى المرتبة 142 دوليا. وفيما يخص التعليم فإنه بينما يقضى المواطن فى الصين 13.8 سنة من عمره على مقاعد الدراسة فى المتوسط، فإن المواطن الهندى يقضى على مقاعد الدراسة 12.3 سنة فقط. الأهم من ذلك هو أن نسبة الأمية فى الهند مازالت عند مستويات مرتفعة تصل إلى 26% من السكان، فيما تصل نسبة الأمية فى الصين إلى 3.6% فقط.

الصين والهند هما بكل تأكيد من قصص النجاح التى يجب أن يفخر بها كل أبناء العالم الثالث, فالهند هى الديمقراطية الأكبر، بينما تستعد الصين للجلوس على مقعد القوة العظمى الأولي. ومع أن الهند تأخرت فى تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي، فإن البلدين يحققان حاليا معدلات للنمو الاقتصادى تضعهما بين الدول الأسرع نموا فى العالم.

الديمقراطية نظام حكم رائع، فمن الذى لا يفضل الحرية على القيود. فى الوقت نفسه، فإن التنمية الاقتصادية والاجتماعية هدف مطلوب للكافة من الناس، فلا أحد يفضل الفقر على الرفاهة، أو الجهل على المعرفة، أو المرض على الصحة. فقط فى أوروبا الغربية بدا الأمر كما لو كانت الديمقراطية والتنمية تقدمتا معا كتفا بكتف. بل إن الديمقراطية هناك بدت أحيانا كما لو كانت قد سبقت النمو الاقتصادي. أما فى البلاد النامية فالأمر يبدو مختلفا، فالهند تكاد تكون الدولة الوحيدة التى حققت الديمقراطية قبل أن تقطع شوطا كافيا على طريق التنمية، فيما يبدو الحال مختلفا فى الأغلبية الساحقة من البلاد الأخري. فهل تساعدنا دراسة التجربتين الهندية والصينية فى فهم الخيارات المطروحة علينا، وتحديد أولوياتنا؟.

*نقلا عن صحيفة “الأهرام”، نشر بتاريخ ١٨ أبريل ٢٠١٩

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب