وحدة الدراسات الاقتصادية

الدين الخارجي.. ضرورة فرضتها مشكلات تاريخية لدفع النمو والتشغيل

ظلت الديون الخارجيةُ واحدةً من أكثر الموضوعات إثارةً للجدل، إذ إن كُل ما يُحيطُ بها، سواء أسبابها، أو جدواها، أو مُدتها، أو تكلفتها السياسية والاقتصادية؛يُعتبرُ محلَّ خلافٍ بين بعض الاقتصاديين مُنذ أن بدأت تتحول إلى أداةٍ  فعالةٍ على مستويي العلاقات الدولية أو التنمية المحلية، خاصةً لدى الدول النامية التي تواجه فجواتٍ تمويلية ضخمة، تدفعها للاقتراض تلبيةً لحاجاتها الاستثمارية أو الاستهلاكية. والحالة المصرية ليست استثناءً، حيثُ تشهدُ مُعدلات الدين العام الخارجي المصري تناميًا ملحوظًا، الأمر الذي أثار مخاوف الاقتصاديين بشدة في ضوء ما شهده الاقتصاد المصري على مر تاريخه من أزمات ديونٍ طاحنةٍ بلغت مُعدلاتها أحيانًا حدًّا كادت أن تعجز الدولة…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

ظلت الديون الخارجيةُ واحدةً من أكثر الموضوعات إثارةً للجدل، إذ إن كُل ما يُحيطُ بها، سواء أسبابها، أو جدواها، أو مُدتها، أو تكلفتها السياسية والاقتصادية؛يُعتبرُ محلَّ خلافٍ بين بعض الاقتصاديين مُنذ أن بدأت تتحول إلى أداةٍ  فعالةٍ على مستويي العلاقات الدولية أو التنمية المحلية، خاصةً لدى الدول النامية التي تواجه فجواتٍ تمويلية ضخمة، تدفعها للاقتراض تلبيةً لحاجاتها الاستثمارية أو الاستهلاكية. والحالة المصرية ليست استثناءً، حيثُ تشهدُ مُعدلات الدين العام الخارجي المصري تناميًا ملحوظًا، الأمر الذي أثار مخاوف الاقتصاديين بشدة في ضوء ما شهده الاقتصاد المصري على مر تاريخه من أزمات ديونٍ طاحنةٍ بلغت مُعدلاتها أحيانًا حدًّا كادت أن تعجز الدولة عن خدمتها فضلًا عن الوفاء بها. ويهدف هذا المقال من خلال استعراض وضع هذه الديون من حيث تطورها وحجمها وأنواعها، إلى التعرف أولًا على الأسباب التي أدت لنموها، وما إذا كانت هذه الأسباب عارضة أم هيكلية.

أولًا: وضع الدين الخارجي

اقترن تطور الاقتصاد المصري في أغلب مراحله منذ القرن التاسع عشر بارتفاع مُعدلات الدين الخارجي، وليس من استثناء على ذلك سوى فترتي حكم “محمد علي باشا” والرئيس “جمال عبدالناصر” (انظر: جلال أمين، قصة الاقتصاد المصري: من عهد محمد علي إلى عهد مبارك، القاهرة، دار الشروق، 2012)؛ وهو ما يُعطينا مؤشرًا على قدر الاعتماد المصري على الديون الخارجية لتحقيق النمو، ويُبرز كذلك مقدار التكلفة التي تحملها في سبيل خدمة هذه الديون. ونكتفي هنا بالتركيز على الفترة من عام 2004 حتى عام 2018.

1- التطور الزمني

حافظت مُعدلات الدين الخارجي المصري -بما فيها دين القطاع الخاص غير المضمون- على مُعدلاتٍ مُستقرة خلال العشرية الأولى من هذا القرن، إذ ظلت تدور حول مُعدلات تتراوح بين 20 إلى 30 مليار دولار، لكن هذه المُعدلات شهدت تناميًا ملحوظًا بداية من عام 2013 حينما قفزت إلى 43 مليارًا، ثم تضاعفت بنهاية سبتمبر عام 2018 لتبلغ 93.1 مليار دولار.

كذلك ظلت ديون الحكومة العامة فيما قبل عام 2016 أقل من 30 مليار دولار، وكانت قد شهدت أعلى مُعدلاتها خلال هذه الفترة في عام 2011 عندما وصلت إلى 27 مليار دولار، لكن هذه الديون تضاعفت خلال عامي 2017 و2018، إذ بلغت 48 مليار دولار تقريبًا. كما استقرت ديون البنك المركزي المصري حتى عام 2012 عند مستوى أدنى من 3 مليارات دولار، لكن بحلول عام 2013 بلغت 9.1 مليارات، بزيادة قدرها 6.5 مليارات دولار أو 73% من إجمالي الدين خلال الفترة (2004-2012)، ثم استمرت في التنامي بمُعدلات سريعةٍ للغاية حتى بلغت بحلول عام 2018 ما مقداره 27 مليار دولار، ويوضح الشكل التالي التطور الذي لحق بالدين الخارجي خلال الفترة (2004-2018).

2- التقسيم النوعي

اختلفت بنية الدين الخارجي المصري في الفترة ما بعد عام 2012 عما قبلها. ونشير فيما يلي إلى أهم مظاهر هذا التحول:

– تراجع القروض الثنائية، إذ كانت بلغت في عام 2004 ما إجماليه 20.8 مليار دولار جنيه بنسبة 69% من إجمالي الديون الخارجية، تراجعت في عام 2018 إلى 11.5 مليارًا تقريبًا، بنسبة 12% فقط من الإجمالي.

– ارتفاع القروض من المؤسسات الدولية، وأبرزها صندوق النقد والبنك الدوليان، إذ بلغت في عام 2004 حوالي 5 مليارات دولار، ارتفعت في 2018 لتلامس حدود 29 مليار دولار، وبنسبة 30% من الإجمالي.

– ارتفاع الديون قصيرة الأجل، إذ بلغت في عام 2004 ما إجماليه 2 مليار دولار فقط، وبنسبة 6% تقريبًا، بينما وصلت في عام 2018 لإجمالي 12.3 مليار تقريبًا، وبنسبة 13% من إجمالي الديون.

– اتجه كُل من مكوني السندات والودائع للارتفاع، إذ بلغت الديون من السندات في عام 2004 نصف مليار دولار فقط، بينما لم تكن هناك ودائع على الإطلاق، وشكّلا معًا نسبة 2% تقريبًا من إجمالي الديون الخارجية. في حين أنه بحلول عام 2018 بلغا 14.3، 17.4 مليارًا على التوالي، ليُشكلا معًا ما إجماليه 34% تقريبًا من إجمالي الديون.

– ظلت ديون القطاع الخاص (غير المضمونة) مُستقرة عند مُعدلات أقل من 0.2 مليار دولار، إلا أنها ارتفعت في عام 2018 لتصل إلى 0.5 مليار دولار. ويوضح الشكل التالي التقسيم النوعي للديون الخارجية المصرية خلال الفترة (2004-2018).

ويُمكن تفسير هذه التغيُرات البنيوية استنادًا إلى العوامل التالية:

أ- التحولات التي طالت الإدارة الاقتصادية في العموم، وتحديدًا فيما يخُص الدين الخارجي، والتي تتصل كذلك بتغيرات السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة “30 يونيو” والتي استهدفت تحرير القرار السياسي من التبعية المُطلقة لدول بعينها، وذلك بتنويع وتعزيز العلاقات مع شُركاء مُختلفين كالولايات المُتحدة وفرنسا وروسيا، لذلك تقلصت القروض الثُنائية لصالح التركيز على المؤسسات الدولية التي توفر قدرًا أكبر من الاستقلال.

ب- زيادة الاعتماد على الظهير العربي لتوفير دعم نقدي سريع وبعائد مُنخفض -أو بدون عائد- يتمثل في ودائع لدى البنك المركزي، للتغلب على أزمة انخفاض الاحتياطي النقدي من العُملات الأجنبية الذي تدهور بشدة جراء الانخفاض الكبير في الإيرادات الدولارية وتضخم الإنفاق الحكومي عقب ثورة “25 يناير”.

ج- يرجع ارتفاع الديون قصيرة الأجل في مُعظمه إلى الاقتراض لتمويل العجز الناتج عن الزيادة السريعة في الإنفاق الحكومي لمواجهة حالة السيولة السياسية التي تلت ثورة “25 يناير”، والتي تمثلت أهم صورها في المطالب الفئوية برفع الأجور، ما أسفر عن رفع مُخصصات باب الأجور من 95 مليار جنيه تقريبًا في العام المالي 2010/2011 إلى 270 مليارًا، أي أن مخصصات الأجور بلغت في العام الأخير 286% ما كانت عليه.

3- أعباء خدمة الدين

تنقسم أعباء خدمة الدين الخارجي إلى دفع الفوائد المُقررة عليه، بالإضافة إلى سداد أصل الدين نفسه. وكانت أعباء الديون المصرية قد بلغت خلال الفترة محل النظر (2004-2018) حوالي 63 مليار دولار تقريبًا، بواقع 12 مليار فوائد بجانب 51 مليارًا كأقساط، بلغت هذه الأعباء أقصاها في عام 2018 عندما سددت مصر 11 مليارًا كأقساط بالإضافة إلى 2.2 مليار فوائد. وتأتي هذه الزيادات مُتفقة مع حقيقة أنه كُلما زاد الدين زادت أعباء خدمته، ما ينتج عنه زيادة مُجددًا في إجمالي الدين، خاصة في حالة إذا ما توجهت هذه القروض إلى نشاطات استهلاكية أو غير إنتاجية، وهو ما واجهته الدولة المصرية في أعقاب ثورة “25 يناير”. ويوضح الشكل التالي التطور الزمني لأعباء خدمة الدين خلال الفترة (2004-2018).

ثانيًا: أسباب ارتفاع الدين الخارجي

تكمُن أسباب تنامي الدين الخارجي المصري في اختلالات هيكلية مزمنة في الاقتصاد المصري، وصاحبته مع مراحل تطوره المُختلفة ثُم تعمقت أخيرًا عقب ثورة “25 يناير” وما شهدته من تدهور في موارد الدولة وارتفاع شديد في استخداماتها، وفيما يلي عرض لأهم هذه العوامل.

1- عجز تاريخي في الميزان التُجاري

ظل الميزان التجاري المصري مُنذ ستينيات القرن الماضي في حالة عجز لأسباب اختلفت حسب النظام السياسي والأهداف الاقتصادية، إما للتحول للتصنيع في عهد الرئيس “عبدالناصر”، أو الانفتاح في عهد الرئيس “السادات”، أو للاندماج في الاقتصاد العالمي في عهد الرئيس “مُبارك” (انظر: Karen Pfeifer, How Tunisia, Morocco, Jordan and even Egypt became IMF “Success Stories in the 1990s”, Middle East Report, 1999 P23-27).

والمُحصلة ظلت دائمًا ارتفاع الواردات عن الصادرات، ما أدى إلى عجز هيكلي في اتجاه تصاعدي غالبًا، الأمر الذي اضطر الحكومات المُتلاحقة لتمويل جزء من هذا العجز عن طريق الاقتراض من الخارج. ويوضح الشكل التالي تطور عجز الميزان التجاري خلال الفترة (2004-2018).

2- عجز تاريخي في الموازنة العامة

تُعاني الموازنة العامة المصرية من حالة عجز هيكلي مُتنامٍ مُستمر ناتج عن زيادة المصروفات عن الإيرادات، مما تضطر معه الحكومة إلى الاقتراض لتمويل هذا العجز لتستمر في نشاطها، سواء بدفع رواتب العاملين لديها أو إدارة المؤسسات الحكومية، وكذلك توفير الدعم اللازم للوقود والسلع التموينية.. إلخ. يأتي الجُزء الأكبر من هذا التمويل من قروض داخلية مصدرها الأساسي البنك المركزي المصري والبنوك التجارية الأخرى العاملة في السوق المحلية، لكن جُزءًا آخر منه يأتي عن طريق الاقتراض الخارجي يُكلف الموازنة العامة مرة أخرى مزيدًا من الأعباء لخدمته. ولا يتجاوز التمويل الخارجي في المُعتاد 10% من إجمالي العجز النقدي، لكنه بلغ خلال العام المالي 2008/2009 أقصى قيمة له بما يُساوي 23 مليار جنيه تقريبًا وبنسبة 33% من العجز، تلاه في ذلك العام 2012/2013 بقيمة 20 مليار جنيه وبنسبة 9% تقريبًا.

3- انخفاض مستويات الادخار

يُعتبر انخفاض مستوى الادخار أهم أسباب الدين الخارجي على الإطلاق، خاصة في الدول النامية التي تتبنى خططًا للتحول إلى التصنيع، أو تلك التي تهدف لتطوير بنيتها التحتية أو قطاعاتها الاقتصادية الأساسية، إذ ينتج عن نقص المدخرات المحلية عدم توفر رأس المال اللازم لتنفيذ تلك الاستثمارات كثيفة استخدام رأس المال، فيما يُسمى بالفجوة التمويلية. الأمر الذي يضغط على قطاع البنوك لتوفير فارق السيولة اللازم لعمليتي التطوير والاستثمار، وهو ما يؤدي في النهاية إلى دفع سعر الفائدة في اتجاه الارتفاع، وتحول البنوك للاستدانة من الخارج لسد هذه الفجوة. ويوضح الشكل التالي تطور إجمالي الادخار المحلي والاستثمار كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي والفجوة بينهما خلال الفترة (1990-2016).

وتجري هذه العملية في الدول التي لديها قطاع خاص قوي يُشارك الحكومة بنسبة كبيرة في الاستثمار والتشغيل. أما في حالة غياب القطاع الخاص القوي أو الذي يحجم عن الاستثمار، فإن الحكومة تلجأ للاقتراض، فتتحمل الدولة وحدها عبء التنمية والتطوير، وهو ما ينطبق على مصر، خاصة خلال فترة ما بعد ثورة “25 يناير” التي انخفضت فيها استثمارات القطاع الخاص سواء الوطني أو الأجنبي -الضعيفة أصلًا- بشدة جراء عدم الاستقرار الأمني وحالة السيولة السياسية، بالإضافة إلى الضبابية الاقتصادية. الأمر الذي دفع حكومات ما بعد الثورة إلى إجراء استثمارات كثيفة في قطاعات متنوعة بهدف دفع عجلة التنمية ورفع مُعدلات التشغيل في ظل ما يُعانيه الاقتصاد المصري من انخفاض مُعدلات الادخار، ما أسفر في النهاية عن خلق فجوة تمويلية واسعة اتجهت الحكومة لسدها عن طريق الاقتراض الخارجي.

خلاصة القول، إن الارتفاعات الأخيرة التي شهدها الدين الخارجي في مصر ترجع لأسباب اقتصادية هيكلية حفزها اتجاه الحكومة إلى دفع مُعدلي النمو والتشغيل عن طريق الاستثمار في البنية التحتية، خاصة في قطاعي النقل والطاقة. وفي جميع الأحوال، تظل هذه الديون في الحدود الآمنة التي تستطيع الدولة تحمل خدمتها أولًا، وسدادها في النهاية، خاصة في ضوء التحسن الإجمالي في المؤشرات الاقتصادية المصرية، سواء المؤشرات الحالية أو تلك الخاصة بتوقعات المستقبل.

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة