وحدة الدراسات العربية والإقليمية

انتخابات الكنيست 2019: لمن سيصوت الناخبون من أصول روسية؟

يُشكل القطاع الروسي المجموعة العرقية الأكبر في إسرائيل (بعد عرب 48)، إذ يصل تعدادهم نحو 1.3 مليون روسي، لذا يمكن اعتبارهم الشريحة التصويتية الأكبر، حيث يمكن اعتبار أن كتلتهم تساوي حسابيًّا 18 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا في الكنيست (محسوبة على الحد الأدنى لعدد الأصوات اللازمة للفوز بمقعد واحد حتى تصل إلى نسبة الحسم البالغة 3.25%). لقد ظلّ حزب “يسرائيل بيتينو” أو “إسرائيل بيتنا” الذي يتزعمه “أفيجدور ليبرمان” هو الحزب السياسي الأقرب للروس طيلة العقدين الماضيين تقريبًا. وقياسًا على انتخابات 2015، يمكن القول إن الحزب لا يزال يجتذب النسبة الأكبر من أصوات ذوي الأصول الروسية (41% تقريبًا)، فيما كان حزب…

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية

يُشكل القطاع الروسي المجموعة العرقية الأكبر في إسرائيل (بعد عرب 48)، إذ يصل تعدادهم نحو 1.3 مليون روسي، لذا يمكن اعتبارهم الشريحة التصويتية الأكبر، حيث يمكن اعتبار أن كتلتهم تساوي حسابيًّا 18 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا في الكنيست (محسوبة على الحد الأدنى لعدد الأصوات اللازمة للفوز بمقعد واحد حتى تصل إلى نسبة الحسم البالغة 3.25%).

لقد ظلّ حزب “يسرائيل بيتينو” أو “إسرائيل بيتنا” الذي يتزعمه “أفيجدور ليبرمان” هو الحزب السياسي الأقرب للروس طيلة العقدين الماضيين تقريبًا. وقياسًا على انتخابات 2015، يمكن القول إن الحزب لا يزال يجتذب النسبة الأكبر من أصوات ذوي الأصول الروسية (41% تقريبًا)، فيما كان حزب “إسرائيل بعاليا” -الذي سبق “إسرائيل بيتينو” في التأسيس والادعاء بتمثيل القطاع الروسي- يحظى في بداية خوضه غمار الحياة السياسية بما يزيد عن 75% من هذه الأصوات.

إن التحولات التي حدثت في توجهات الناخبين من أصول روسية على مدى العقدين الماضيين، والتي جعلت أكثريتهم وليس أغلبيتهم تتجه نحو التصويت على أساس عرقي، يمكن تفسيرها بعدة عوامل.

1- التوجه السياسي “النفعي” للمهاجرين الروس في إسرائيل

لعب السياق التاريخي الذي نشأ خلاله حزب “إسرائيل بيتنا” دورًا جوهريًّا في تحديد وجهة ومقصد الناخب الروسي وتفضيلاته لهذا الحزب عن غيره. ففي الوقت الذي فشل فيه الحزب الأسبق عليه “يسرائيل بعاليا” في تحقيق تطلعات الناخب الروسي، كانت الساحة السياسية والمشهد العام قد باتا مهيأين لصعود حزب جديد يدّعي أنه الأقدر على تلبية مطالب الروس التي تصب جلها في القضايا الاقتصادية والاجتماعية.

وتجب الإشارة أولًا إلى أن الظروف التي نشأ فيها حزب “يسرائيل بعاليا” أو “إسرائيل في صعود”، الذي تزعمه “ناتان شارانسكي”، تحت زعم تمثيل المهاجرين اليهود القادمين من الاتحاد السوفيتي سابقًا؛ ربما ساعدته في البداية على اجتذاب معظم أصوات هؤلاء الوافدين الجدد غير القادرين على الاندماج السريع في المجتمع الإسرائيلي بسبب حاجز اللغة والثقافة من جانب، وبسبب عدم درايتهم بالنظام السياسي الإسرائيلي وأحزابه من جانب آخر.

في انتخابات الكنيست الرابعة عشرة، التي عقدت عام 1996، فاز حزب “يسرائيل بعلياه” بسبعة مقاعد، وفي الانتخابات الخامسة عشرة، التي عقدت في 1999، فاز الحزب بستة مقاعد، ليستمر في الأفول والخسارة، وليحصل على مقعدين اثنين فقط في انتخابات 2003. ورغم أنه من السهل -قياسًا على هذه النتائج- القول بأن اللعب بورقة التمثيل العرقي كانت تفقد زخمها تدريجيًّا؛ إلا أن هناك عناصر أخرى أسهمت في تدهور هذا الحزب واختفائه من الخريطة السياسية لاحقًا، ويمكن تفصيلها فيما يلي:

أ- الخلاف الداخلي حول موضوعات رئيسية، مثل: العلاقة بين الدين والدولة، إذ انقسم المهاجرون الروس بين فريقين، الأول: يؤيد ارتباط الدين بالدولة والحفاظ على الطقوس الدينية، والثاني: يتبنى اتجاه فصل الدين عن الدولة.

ب- تعاظم تأثير الانشقاقات داخل الحزب، إذ غادر “مايكل نودلمان” و”يوري شتيرن” لتشكيل تكتل “عاليه”، الذي انضم لحزب “إسرائيل بيتنا” فيما بعد.

ج – إدراك المهاجرين الروس سريعًا أهمية إظهار قدرتهم على الاندماج السريع في المجتمع حتى يمكن تلبية احتياجاتهم الاقتصادية.

د- اعتقاد غالبية شباب الوسط الروسي بأن إثبات الولاء لدولة إسرائيل يمر عبر الأحزاب اليمينية وليس الأحزاب ذات الطابع العرقي.

2- تأسيس حزب “إسرائيل بيتينو”

في عام 1999، انسحب “أفيجدور ليبرمان” من منصبه كمدير للمكتب العام لحزب الليكود بأمر من “بنيامين نتانياهو” زعيم الحزب؛ بهدف تدشين حزب جديد يكون بوسعه توجيه الناخب الروسي لحزب يدعي قدرته على تمثيل أفضل لمصالحه دون أن يخرج من عباءة اليمين عامة. وبعد تدشين الحزب حقق “ليبرمان” الهدف الذي فشل فيه سلفه وهو توحيد الصف الروسي بشكل كبير حول الحزب. ويعود نجاحه بالدرجة الأولى إلى تركيزه على دعم مطالب الوسط الروسي بتحسين أوضاعهم الحياتية في مجالات الإسكان، والتعليم، وإقامة المؤسسات التعليمية والثقافية الناطقة باللغة الروسية.

وظَلّ اتجاه الإسرائيليين ذوي الأصول الروسية المؤيد بشكل كامل لحزب “إسرائيل بيتنا” مستمرًّا من 1999 حتى 2015 (العام الذي شهد تصويت ما يقترب من 50% من الناخبين الروس لأفيجدور ليبرمان، علمًا بأن 61% فقط من الروس هم من صوتوا في هذه الانتخابات)، ليحظى بـ6 مقاعد فقط.

لكن في أكتوبر 2018، أجرت صحيفة “نيوزرو” الإسرائيلية الناطقة بالروسية استطلاعًا للرأي داخل قطاع ذوي الأصول الروسية، شملت شريحة تضم ما يزيد عن 7000 شخص، أظهر أن 56% من ذوي الأصول الروسية يؤيدون “نتنياهو” بشكل كامل، ويعتبرونه الرجل المفضل قبل “ليبرمان”.

3- سلوك “اليهود الروس” الانتخابي

مرّ السلوك الانتخابي لليهود الروس منذ هجرتهم إلى إسرائيل حتى عام 2015 (العام الذي شهد آخر انتخابات كنيست) بثلاث مراحل أساسية:

المرحلة الأولى: التصويت بناء على الاختيارات السياسية، حيث تَشَكّل سلوك الناخب الإسرائيلي ذي الأصول الروسية منذ هجرته إلى إسرائيل حسب مطالب اجتماعية وقيمية، هي: الإسكان، والتوظيف، وفصل الدين عن الدولة. ففي بداية حضورهم في المشهد الانتخابي، صوّت أغلبيتهم لحزب الليكود في انتخابات 1989، لكن بسبب إهمال حزب الليكود لمطالبهم قرروا الاصطفاف وراء حزب العمل، والتصويت له في انتخابات 1992.

المرحلة الثانية: التصويت بناء على أسس عرقية، حيث لم يفلح تأرجح القطاع الروسي بين الأحزاب السياسية (الليكود والعمل) في تحقيق مطالبهم الاجتماعية الملحة، الأمر الذي قاد “ناتان شارانسكي” إلى تدشين “يسرائيل بعالياه” في 1996، حينها اعتبر اليهود الروس الحزب الجديد هو البيت السياسي الأول، الذي حَظيَ بتأييد 70% منهم في الانتخابات العامة في 1996.

المرحلة الثالثة: التصويت المختلط (السياسي – العرقي)، بعد تدشين حزب “يسرائيل بيتينو” في 1999، حيث اعتبر اليهود الروس الحزب الجديد هو البيت السياسي الأول لهم، مفضلين إياه على حزب “إسرائيل بعاليا”، لكن هذا التوجه لم يدم طويلًا. فبالنظر إلى نتائج انتخابات الكنيست في 2015، نجد أنه رغم مشاركة 61% من القطاع الروسي في الانتخابات؛ فإن حزب “إسرائيل بيتينو” لم يحصل إلا على 6 مقاعد فقط، بينما كانت أصوات هذا القطاع التي ذهبت إلى حزب الليكود قد مكنته من حصد 5 مقاعد، من إجمالي الثلاثين مقعدًا التي حصل عليها (انظر الشكل المرفق).

4- التحولات الاجتماعية والسياسية داخل القطاع الروسي في إسرائيل

شهد المجتمع الإسرائيلي مجموعة من التحولات الاجتماعية والسياسية، طالت أيضًا الإسرائيليين ذوي الأصول الروسية، التي تفسر ظاهرة تحول المزاج العام للناخب الروسي، بالإضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بسياسة الحزب ذاته.

أ- ظهور جيل روسي جديد: فقد تباينت التوجهات السياسية للإسرائيليين من ذوي الأصول الروسية وفقًا لمؤشر الشرائح العمرية، مما تسبب في تعدد اتجاهات تصويت الناخبين ذوي الأصول الروسية. فعلى الرغم من ضمان حزب ليبرمان لأصوات الروس في الشريحة العمرية من 50 إلى 80 عامًا؛ إلا أن الجيل الثاني والثالث -وهي الأجيال الروسية الأصغر سنًّا- لم يتشاركوا نفس القيم السياسية، بل مالوا إلى تفضيل التصويت لأحزاب مختلفة تبعًا للمواقف السياسية دون اعتبار للمكون الثقافي والعرقي في هويتهم.

ب- التحول إلى اليمين المعتدل: فحسب استطلاع الرأي الذي أُجري في أكتوبر 2018، اعتبر 60% من اليهود من أصول روسية أنهم ينتمون إلى اليمين المعتدل، فيما اعتبر 15% إلى 20% أنهم ينتمون إلى اليمين المتطرف. ويعد مفهوم اليمين المعتدل لدى الروس هو “العلماني الذي يرفض دور الدين في مؤسسات الدولة ولكنه يحترم في الوقت نفسه الطقوس الدينية أو يمارسها”، وبالتالي أثرت هذه الظاهرة على التوجهات السياسية للروس، وأدت إلى تفضيلهم أحزاب الوسط أكثر من أحزاب اليمين المتشدد. على سبيل المثال، تُظهر بعض الاستطلاعات أن حزب “هناك مستقبل” (الذي يتزعمه “يائير لابيد”) جاء في المرتبة الثالثة في تفضيلات الروس الحزبية في الانتخابات المقبلة.

ج- انشقاقات وترتيبات سياسية جديدة داخل الحزب: اعتزم حزب “إسرائيل بيتنا” توسيع قاعدته الانتخابية وحواضنه الشعبية في إسرائيل بهدف تجاوز القطاع الروسي، فلجأ إلى استمالة “الدروز” من خلال إطلاق تصريحات للدفاع عن حقوقهم في سوريا في مواجهة نظام “بشار الأسد”. كما لجأ إلى إعادة ترتيب قوائم المرشحين داخل الحزب حتى غاب عن هذه القائمة جميع من ينتمي للطائفة الروسية تقريبًا، وبالتالي باتت الصورة الذهنية لدى الناخب تجاه الحزب أنه حزب سياسي ينتمي إلى تيار الوسط أو يمين الوسط وفقط. زاد على ذلك، حدوث انشقاقات هزّت من استقرار “إسرائيل بيتنا”، كان أبرزها خروج ابنة الحاخام ليفي أفاكسيس “أورلي” التي أعلنت انشقاقها عن الحزب، وتشكيل حزب جديد باسم “جيشر”، معللة ذلك بفشل “ليبرمان” السياسي خاصة في قضية الأمن عندما كان يشغل منصب وزير الدفاع، وعدم تحقيقه إنجازات لها وزنها لأبناء القطاع الروسي في ملفات مهمة مثل الإسكان والوظائف والمعاشات. 

د- غلبة النخب الروسية في الليكود: تظهر البيانات التي نشرها حزب الليكود أن قيادته من ذوي الأصول الروسية يحتلون مواقع مهمة داخل حزب الليكود، في محاولة -بشكل غير مباشر- لمحو الصورة السائدة بأن الليكود هو حزب سفاردي بالدرجة الأولى، أو حزب يمثل مصالح السفارديم (الإسرائيليون من أصول شرقية) بشكل أكبر من تمثيله لمصالح الإشكناز (الإسرائيليون من أصول غربية).

هـ- استشراء الفساد في الحزب: ما تزال القضية المعروفة إعلاميًّا بـ”242″، تطارد سمعة “إسرائيل بيتينو”، وهي قضية فساد كبرى طفت إلى السطح في ديسمبر 2014، واتُّهم فيها عدد من قادة الحزب في فضائح تزوير ورشاوى، الأمر الذي أثر بالسلب على صورة الحزب وقياداته في وقت تزداد فيه تطلعات الإسرائيليين إلى النزاهة، وبالتالي تسببت في عزوف 39% من الروس عن الانتخابات.

***

ختامًا، وبالنظر إلى نتائج استطلاعات الرأي في الشهور الماضية، وتتبع عدد المقاعد التي قد يحصل عليها حزب “إسرائيل بيتنا” في الانتخابات التي ستُجرى في التاسع من أبريل الجاري، نلاحظ أنه منذ بداية شهر مارس لم يتجاوز “إسرائيل بيتنا” نسبة الحسم في استطلاعات الرأي، وإن أظهرت بعض الاستطلاعات في مطلع شهر أبريل أن الحزب قد يحصل على أربعة مقاعد فقط. والأمر المؤكد أن حزب “إسرائيل بيتينو” يُعاني من تراجع التأييد له حتى في الوسط الروسي، بسبب أن أصوات الإسرائيلين من ذوي الأصول الروسية باتت تتأرجح بين الاختيارات السياسية والعرقية.

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية