عنف وإرهاب من نيوزيلندا إلى هولندا

عضو الهيئة الاستشارية

سبعة عشر ألف كيلومتر تفصل بين هولندا ونيوزيلندا؛ الأولى بلد يقع فى قلب العالم الأوروبى القديم ويوماً ما كان من بين القوى الاستعمارية القديمة التى غزت ونهبت مجتمعات وبلدان أخرى، لا سيما فى أفريقيا. والثانية بلد حديث قام على أكتاف المهاجرين الغربيين البيض، والجامع بينهما الآن حادثان إرهابيان؛ الأول عُرف مخططه ومنفذه، وتم اعتقاله، وهو أسترالى الجنسية، وبدأت أولى خطوات محاكمته فى المحاكم النيوزيلندية، والثانى تركى المولد اعتقلته الشرطة الهولندية وتتضارب الأنباء حول دوافعه، هل هى إرهابية حسب تقديرات مصادر شرطية أم عائلية حسبما روّجت له وكالة الأنباء التركية. والفاصل بين الحادثتين فى حدود ثلاثة أيام فقط، لذا يبدو عنصر…

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

سبعة عشر ألف كيلومتر تفصل بين هولندا ونيوزيلندا؛ الأولى بلد يقع فى قلب العالم الأوروبى القديم ويوماً ما كان من بين القوى الاستعمارية القديمة التى غزت ونهبت مجتمعات وبلدان أخرى، لا سيما فى أفريقيا.

والثانية بلد حديث قام على أكتاف المهاجرين الغربيين البيض، والجامع بينهما الآن حادثان إرهابيان؛ الأول عُرف مخططه ومنفذه، وتم اعتقاله، وهو أسترالى الجنسية، وبدأت أولى خطوات محاكمته فى المحاكم النيوزيلندية، والثانى تركى المولد اعتقلته الشرطة الهولندية وتتضارب الأنباء حول دوافعه، هل هى إرهابية حسب تقديرات مصادر شرطية أم عائلية حسبما روّجت له وكالة الأنباء التركية. والفاصل بين الحادثتين فى حدود ثلاثة أيام فقط، لذا يبدو عنصر التأثير المعنوى قائماً، ولا يمكن إغفاله.

ومن يتأمل الحادثتين يدرك أنهما عملان إرهابيان بامتياز، على الأقل من حيث استخدام السلاح فى مواجهة آخرين، وفى مكان مفتوح يؤمه أناس عاديون، كالمسجد فى حالة نيوزيلندا والمترو فى حادثة أوتريخت.

ولا يهم هنا إن كان المنفذ فرداً بذاته فى ما يُعرف بالذئاب المنفردة، أو مجموعة أو عضواً فى تنظيم أو جماعة ذات لون أيديولوجى معين.

فالعنفُ حدث بالفعل فى صورة مفاجئة، وقُتل أناسٌ أبرياء لا يعرفهم القاتل الإرهابى شخصياً، لكن هو يدركهم عن طريق المغايرة والاختلاف، مدفوعاً برغبة الانتقام وحصد الأرواح، وفى الحالتين يوجد إصرارٌ من الفاعل على القتل وترويع الآمنين لأهداف ودوافع تخصه، عُرفت فى حالة نيوزيلندا من خلال البيان المفصّل الذى أرسله الإرهابى الأسترالى عبر الإنترنت إلى شخصيات عديدة، من بينها رئيسة وزراء نيوزيلندا ذاتها، بينما يتطلب بعض الوقت لمعرفة تفاصيل تلك الأسباب والدوافع فى حادثة مترو أوتريخت الهولندية، مع ملاحظة أن شرطة هولندا لا تستبعد دافعاً إرهابياً وراء الحادث، وأن المشتبه به الذى تم اعتقاله قد لا يكون وحيداً فى تنفيذ هجومه.

البلدان ورغم تباعدهما الجغرافى الهائل، يشتركان فى ثلاثة أمور عامة، فكلاهما يعتبر جزءاً من الحضارة الغربية، فنيوزيلندا تتبع رابطة التاج البريطانى، وهولندا عضو فاعل فى الاتحاد الأوروبى وحلف الناتو، وكلاهما يفتح أبوابه للمهاجرين، مع اختلاف فى حجم التّرحيب المجتمعى، وكلاهما معروف عن سياسته العامة التسامح السياسى، وفى الآن نفسه فى قلب هذا التسامح توجد بؤر للتطرّف الفكرى والسياسى ضد الغير، سواء الدينى المسلم أو العرقى القادم من بلاد بعيدة.

هذه التشابهات العامة، ربما تشكل خلفية للحادثتين، وفى الآن نفسه تقدّم تفسيراً ولو جزئياً حول ظاهرة العنف والإرهاب التى فرضت نفسها على العالم بأسره، وفى الآن نفسه تختفى -رغم ضرورة ذلك القصوى- سياسة عالمية لمواجهته، إذ تخضع عملية المواجهة هنا لاعتبارات وعوامل محلية أكثر منها جماعية دولية عامة.

بالنسبة لحادثة هولندا قبل أيام قليلة من الانتخابات المحلية، ثمة تفسيرات مختلفة محتملة، فإذا ثبت الدّافع الإرهابى أياً كان، فسوف يعطى زخماً أكبر لليمين الأوروبى المتطرف المناهض للمهاجرين بوجه عام، والمسلمين على الأراضى الأوروبية بوجه خاص، لكى يشدّد على مطالبه بمحاصرة الجاليات المسلمة بوصفها شراً ومصدراً للعنف وغير جديرة بالعيش، فى ظل المجتمعات الأوروبية.

وفى هذه الحالة أيضاً، فمن اليسير إيجاد صلة مباشرة بين القناعات الأيديولوجية للإرهابى الأسترالى قاتل المصلين فى نيوزيلندا، ودوافع المشتبه التركى، ففى بيان الأول تركيز على تاريخ الدولة العثمانية وفتوحاتها فى العديد من الأراضى والبلدان الأوروبية قديماً، وإشارات مفصلة للمعارك الكبرى التى جرت بين الدول الأوروبية وجيش الدولة العثمانية، ودعوات مباشرة بالعمل على طرد المسلمين من الدول الأوروبية، واستعادة «القسطنطينية» بقصورها وتراثها المعمارى إلى تاريخها المسيحى القديم.

وهو ما ردّ عليه الرئيس التركى فى أحد التجمعات الانتخابية لحزبه، بأنه لا عودة أبداً للقسطنطينية التى هى الآن إسطنبول، إحدى حواضر تركيا الحديثة، وسيظل فيها الأتراك إلى يوم القيامة، حسب قوله.

ووفق هذا السيناريو، فمن اليسير الاستنتاج بأن الدافع الرئيسى للمشتبه التركى هو الرد على مذبحة المصلين فى «كريست تشيرش» بنيوزيلندا، وإن ثبت الأمر، باعتباره عملاً فردياً، فالعالم قد يكون أمام بداية سلسلة دموية من الأفعال غير المبررة، التى تزيد الأمور سوءاً، لا سيما لمسلمى أوروبا.

وعلى الصعيد الرسمى والواقعى، فإن فكرة استعادة بعض الأراضى والمناطق التى ضُمت إلى الدولة العثمانية قبل أربعة أو خمسة قرون، وتُعدّ جزءاً أصيلاً من أراضى الدولة التركية الحديثة المنشأة، وفق تفاهمات ومعاهدات عام 1923، أمر ليس مطروحاً على أىّ صعيد رسمى أوروبى، وهى فى حكم المستحيل عملياً، ومع ذلك فإن مجرد استعادة التاريخ الأوروبى من منظور العلاقة مع الدولة العثمانية وما كانت تمثله من خلافة لعالم المسلمين لمدة أكثر من أربعة قرون، وكما ورد فى بيان الإرهابى الأسترالى، يعنى أن اليمين الأوروبى بات يبرر لنفسه مواقفه المناهضة للإسلام والمسلمين بأسباب تاريخية جنباً إلى جنب تبريرات حديثة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية، وأخرى ترتبط بالهوية، تماماً كما يفعل منظّرو الحركات الجهادية السلفية الإسلامية ضد الغير.

استدعاءُ التاريخ بهذا الشكل العدائى واعتبار بعض تحولاته الفاصلة التى أصبحت حقائق غير قابلة للتغيير سبباً لصدام وعداء لا يتوقف، ويستدعى إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل مئات السنين، إن سلماً أو من خلال العنف، فإنه يفتح أبواب جهنم على الجميع.

وهو تجسيد حقيقى لمفاهيم صدام الحضارات التى لا تعرف سوى المواجهة الدائمة والحروب الدينية والحركات الفاشية وأعمال العنف والإرهاب، والنّظر إليها باعتبارها أعمالاً مقدّسة.

العالم الآن يمر بلحظة عصيبة، لا يجب التهوين منها. الأوروبيون مدعوون، كما العالم كله، لاتخاذ إجراءات قوية ضد الإرهاب بكل أشكاله العملية والفكرية، وضد العنف، وضد إثارة النوازع العدائية بين الشعوب والمجتمعات والأديان، كما أن أوروبا تحديداً بحاجة إلى مراجعة موقفها المتردد إزاء استعادة مواطنيها الذين شاركوا فى تنظيم داعش الإرهابى فى سوريا والعراق، ومحاسبتهم وتوقيع العقاب عليهم باعتبارهم إرهابيين عالميين أثاروا الخراب والدمار فى بلدان ومجتمعات أخرى. أما التعلّل بأنه لا ملف قضائياً لهؤلاء يجيز محاكمتهم، فهو نوع من العبث السياسى.

*نقلا عن صحيفة “الوطن”، نشر بتاريخ ٢٠ مارس ٢٠١٩.

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب