فى الطريق لالتهام الضفة الغربية

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

فى جولة مايك بومبيو الأخيرة للشرق الأوسط، أثار انتباه العديدين فى مصر وغيرها، الغياب التام للحديث عن فلسطين والفلسطينيين، بصورة دفعت للتساؤل عن الترجيحات التى سبقت الزيارة، كونها ستتضمن على الأقل طرحاً عاماً لمشروع التسوية الأمريكية، بغض النظر عن مساحات التوافق والاختلاف عليها، فى إطار خيبة الأمل؛ بدت الجولة التى اختارت عواصمها بعناية، وقد وضعت على لسان وزير الخارجية الأمريكى كلمات محددة، ونصبت سياجات أكثر دقة حول رؤوس الملفات، التى حملها المسوق الأمريكى لأجندة اهتمامات وعمل الإدارة، على الأقل خلال العامين المقبلين، هما ما تبقى من عمر إدارة ترامب الاستثنائية. فيما يبدو أن تلك الأخيرة، التى أثارت الفضول بإشاراتها الضبابية…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

فى جولة مايك بومبيو الأخيرة للشرق الأوسط، أثار انتباه العديدين فى مصر وغيرها، الغياب التام للحديث عن فلسطين والفلسطينيين، بصورة دفعت للتساؤل عن الترجيحات التى سبقت الزيارة، كونها ستتضمن على الأقل طرحاً عاماً لمشروع التسوية الأمريكية، بغض النظر عن مساحات التوافق والاختلاف عليها، فى إطار خيبة الأمل؛ بدت الجولة التى اختارت عواصمها بعناية، وقد وضعت على لسان وزير الخارجية الأمريكى كلمات محددة، ونصبت سياجات أكثر دقة حول رؤوس الملفات، التى حملها المسوق الأمريكى لأجندة اهتمامات وعمل الإدارة، على الأقل خلال العامين المقبلين، هما ما تبقى من عمر إدارة ترامب الاستثنائية.

فيما يبدو أن تلك الأخيرة، التى أثارت الفضول بإشاراتها الضبابية حول ما اصطلح على تسميته بـ«صفقة القرن»، لم يحن بعد من جانبها أوان كشفها بالكامل، أو أنها تسربت لمجموعة من المسارات سيتم العمل على كل منها على حدة، فحدث نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، هو أحد تجليات مسار عاصمة إسرائيل المزمع التعامل معها، وتأكيد وضعيتها على الأرض، وما يجرى فى الخفاء من العمل عليه مع «حماس»، بأيادٍ إسرائيلية ووسطاء ورعاية أمريكية، هو الطريق المؤدى لفصل غزة وتدشين استقلاليتها عن القضية الكلية.

تبقى «العقدة الكبرى»، التى يعدها البعض جوهر القضية أو قلب الصراع، والمقصود هنا «الضفة الغربية» لنهر الأردن، التى تضم البلدات الكبرى والقرى الفلسطينية التاريخية. الصمت الكثيف الذى تمارسه الإدارة الأمريكية بشأنها، يبدو أنه يحمل فى طياته اختباراً لمجموعة بدائل، فقد كشف مؤخراً؛ أن جماعة مهمة من اللوبيات الأمريكية تسمى «التحالف من أجل الدفاع عن إسرائيل»، نجحت فى الحصول على تأييد عدد لا بأس به من أعضاء الكونجرس، لتبنى مشروع متكامل من شأنه دفع الفلسطينيين فى الضفة الغربية إلى مغادرتها، بهدف إعادة تشكيل التركيبة العرقية والانتماء الدينى داخل الأراضى التى تخضع لسيطرة إسرائيل، أحد التفاصيل الرئيسية لهذا المشروع، أن يناير الحالى سيشهد تصويتاً فى الكونجرس حول التقدم بطلب أمريكى للأمم المتحدة، من أجل إعادة توجيه المساعدات الإنسانية المخصصة من الهيئة الدولية لدعم الفلسطينيين، لتصبح ضمن «برنامج قسائم» الذى ستديره الحكومة الإسرائيلية، كما ينص ملخص مشروع التشريع على أن هذه الأموال ستساعد على تمويل عمليات النقل الدائم للفلسطينيين، من الضفة الغربية إلى بلدان مثل كندا والسويد أو الولايات المتحدة نفسها، وتضمن أيضاً تركيا ودولة الإمارات العربية المتحدة.

«التحالف من أجل الدفاع عن إسرائيل» هى جماعة ضغط سياسى، تأسست على يد تحالف من اليهود الذين اعتنقوا المسيحية، لكنهم ما زالوا يمارسون بعضاً من الطقوس اليهودية، كما يتشاركون مع طوائف من الإنجيليين فى العديد من المعتقدات، ويستثمرون انتشارهم مؤخراً على نطاق واسع، يشغل الأمريكى «بول ليبرمان» منصب المدير التنفيذى للتحالف، وزعم مؤخراً لصحيفة برتغالية شهيرة «ذى إنترسبت»، أنه لم يكتف بما أحرزه فى أروقة الكونجرس، إنما تمكن أيضاً من إجراء العديد من المقابلات المؤثرة داخل البيت الأبيض، وأفاد للصحيفة عطفاً على مشروع التحالف، أن منظمته تسعى لتقديم الدعم المادى لكل فلسطينى يرغب فى مغادرة البلاد، والتوجه نحو بلدان أخرى، مؤكداً أن الحقوق الوحيدة التى يمتلكها الفلسطينيون الآن هى حقوق الحيازة المكتسبة، والتحالف من جهته سيوفر الأموال اللازمة لكامل المشروع، على أمل أن تتغير التركيبة الديموجرافية للضفة الغربية خلال 10 سنوات، حتى يتسنى ضمها إلى إسرائيل فى نهاية المطاف.

الأمريكيون المناهضون لترامب لا ينظرون لهذا المشروع باعتباره هزلياً، أو ضرباً خيالياً لجماعات الضغط اليهودية، فهم تابعوا عن كثب حضور ليبرمان لاجتماعات «المجلس الوطنى للسياسات»، وهو مجلس يجتمع فيه المانحون النافذون وناشطون يمثلون اليمين المتدين، وأمام تلك الزمرة التى ضمت الجمهوريين المحافظين والقادة الإنجيليين والمسئولين الإسرائيليين، وأيضاً بحضور سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة آنذاك، نيكى هيلى، قام ليبرمان حينها بعرض مجمل مشروع التحالف، وحظى بتأييد واسع من الحضور وإن ظل عمداً خارج التغطيات الإعلامية، للحد الذى فسر فيه البعض أن مبلغ الـ«365 مليون دولار»، الذى ظلت الولايات المتحدة تقدمه كمنحة سنوية للأونروا حتى عام 2017، قد توقف جراء هذا الاجتماع وبدء تبلور المشروع أمام صناع السياسات الأمريكية الجدد، كما استدعى أيضاً رداً من «مايك ماريمان لوتز» مدير برنامج الشرق الأوسط التابع للجنة الأصدقاء الأمريكيين للخدمات، فى رسالة رسمية جاء فيها: «إن أى إعادة تخصيص للتبرعات الأمريكية الموجهة لتمويل العمل الإنسانى الذى تقوم به الأمم المتحدة، نحو «نظام القسائم» الهادف إلى تشجيع الفلسطينيين على مغادرة منازلهم، سيعد دعماً من الولايات المتحدة على التطهير العرقى».

«بول ليبرمان» أكد مؤخراً أن «التحالف من أجل الدفاع عن إسرائيل» نجح فى عقد لقاءات مهمة مع أشخاص نافذين داخل إدارة ترامب، منهم «توم روز» وهو مستشار مقرب من نائب الرئيس مايك بنس، و«جيسون جرينبلات» كبير مستشارى الرئيس فى القضايا المتعلقة بإسرائيل، فضلاً عن «فيكتوريا كوتس» عضو مجلس الأمن القومى، وقد حث التحالف الإدارة من خلالهم؛ على اتباع الخطة الشاملة لإعادة تنظيم وتوجيه المساعدات الأمريكية المقدمة للفلسطينيين، كما أن هناك معلومة أوردتها الصحيفة البرتغالية أيضاً، أن التحالف اعتمد على خدمات «فيدلس جفرمنت ريليشنز»، باعتبارها أبرز شركة ضغط سياسى، يديرها «بيل سميث» أقرب مساعدى مايك بنس السابقين ورئيس موظفيه.

التقييم والتدقيق فى مثل تلك التحركات، بالنظر إلى ما رشح عن الإدارة الأمريكية الحالية حتى الآن فيما يخص تسوية القضية الفلسيطنية، يضعنا فى مساحات اقتراب تدعو للقلق، هذا التحالف على وجه الخصوص يدرك تماماً خطوط السير المعتمدة فى أروقة صنع القرار الأمريكى والدولى، ولديه خرائط تفصيلية لكل نقاط الضغط المؤثرة، ولهذا قد يكون علينا أن ننتبه على أقل تقدير، أو أن نطرح بديلاً متماسكاً قابلاً للتحرك إزاءه لو امتلكنا الإرادة لذلك.

*نقلا عن صحيفة “الوطن” المصرية، بتاريخ ١٥ يناير ٢٠١٩.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب