قراءات وعروض

محفزات عودة داعش للعراق

قراءة في تقرير: “The IslamicState and the Persistent Threat of Extremism in Iraq” في التاسع من ديسمبر 2017، أعلن رئيس الوزراء العراقي السابق “حيدر العبادي”، أن القوات العراقية تمكنت من السيطرة على كافة الأراضي وتحريرها من قبضة تنظيم “داعش” الإرهابي. وقد اعتُبر ذلك بمثابة نصر كبير بعد حرب دامت أكثر من ثلاثة أعوام ضد عناصر التنظيم. وعلى الرغم من مرور عام على هذا الإعلان، فإن هناك عددًا من المؤشرات التي تؤكد أن تنظيم “داعش” لا تزال عودته ممكنة مجددًا إلى عدد من المناطق التي كان يسيطر عليها. في هذا السياق، نشر “مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية” CSIS، في 30 نوفمبر الماضي…

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

قراءة في تقرير:

“The IslamicState and the Persistent Threat of Extremism in Iraq”

في التاسع من ديسمبر 2017، أعلن رئيس الوزراء العراقي السابق “حيدر العبادي”، أن القوات العراقية تمكنت من السيطرة على كافة الأراضي وتحريرها من قبضة تنظيم “داعش” الإرهابي. وقد اعتُبر ذلك بمثابة نصر كبير بعد حرب دامت أكثر من ثلاثة أعوام ضد عناصر التنظيم. وعلى الرغم من مرور عام على هذا الإعلان، فإن هناك عددًا من المؤشرات التي تؤكد أن تنظيم “داعش” لا تزال عودته ممكنة مجددًا إلى عدد من المناطق التي كان يسيطر عليها.

في هذا السياق، نشر “مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية” CSIS، في 30 نوفمبر الماضي (2018)، تقريرًا انتهى فيه إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” ما يزال يُشكل تهديدًا، وأنه يعمل على استعادة نفوذه في عدة مناطق داخل العراق، وأن هناك مجموعة من العوامل المحفزة لظهور التنظيم مرة أخرى، من بينها عدم استقرار العراق، وانتشار الفساد، والاضطرابات السياسية، بالإضافة إلى التوترات المستمرة بين بغداد وإقليم كردستان.

نشاط مُتصاعد وتكتيكات مغايرة

على الرغم من تراجع نفوذ تنظيم “داعش”، وفقدانه 99% من الأراضي التي كان يسيطر عليها في العراق؛ فإن عناصر التنظيم (الذين يتراوح عددهم بين 10 إلى 15 ألف مقاتل في العراق) لا تزال قادرة على شن هجماتها الإرهابية، التي وصلت إلى 75 هجومًا شهريًّا في كافة أنحاء البلاد حتى أكتوبر 2018، وهو ما يعني ارتفاع معدل الهجمات الإرهابية مقارنةً بعام 2016، حيث نجح التنظيم في تنفيذ نحو 60 هجومًا إرهابيًّا شهريًّا، في حين تمكّن من تنفيذ 89 هجومًا شهريًّا خلال عام 2017.

وقد تبنى التنظيم تكتيكًا مغايرًا مقارنة بالمرحلة الماضية، سواء فيما يتعلق بالأهداف، أو بالأنماط التي يتبعها في تنفيذ عملياته. إذ ركز التنظيم خلال عام 2018 على توجيه هجماته ضد المؤسسات والمنشآت الحكومية، بالإضافة إلى عمليات الخطف من أجل الحصول على الفدية، والاعتماد على الاستهداف المباشر عبر الاغتيالات والتفجيرات المتفرقة من خلال العبوات الناسفة، وهو ما أسفر عن مقتل ما يقرب من 1656 مواطنًا خلال عام 2018 حتى شهر أكتوبر، وهو ما يعني انخفاض عدد الوفيات الناجمة عن هجمات التنظيم مقارنة بعامي 2016 و2017 التي بلغت نحو 6217 و5339 على الترتيب.

ووفقًا للتقرير، تركزت هجمات التنظيم خلال عام 2018 في محافظات: كركوك، وصلاح الدين، وديالى. كما أنها شهدت أعلى مستوياتها خلال شهر أكتوبر من العام، وذلك لعدد من الأسباب التي يأتي في مقدمتها الفراغ الأمني الناجم عن انسحاب قوات البشمركة من هذه المناطق، بالإضافة إلى تراجع القوات الأمنية العراقية هناك، حيث سجل شهر أكتوبر 2018 سادس أكثر الأشهر التي شهدت عنفًا في العراق منذ يناير 2016.

وقد نوه التقرير إلى قوة الجهاز الدعائي لـ”داعش”، والذي تمكن خلال شهر أغسطس 2018 من نشر سلسلة جديدة من أشرطة الفيديو الدعائية بغرض الترويج لنشاط التنظيم، ونشر رسائله، وتعزيز روايته المعادية للغرب.

عوامل الاستمرار ومحفزات العودة

أشار التقرير إلى جملة من الأسباب المُفسرة لاستمرار تنظيم “داعش” في العراق، يمكن إيجازها فيما يلي:

1- انتشار الفساد وارتفاع معدلات البطالة: إذ لا يزال الفساد يمثل تحديًا كبيرًا في العراق. فوفقًا لتصنيف منظمة الشفافية الدولية، احتلت العراق الترتيب 169 من أصل 170 دولة في مؤشر إدراك الفساد لعام 2017. كما تشير الإحصائيات إلى أن 58.71% من إجمالي السكان العراقيين ممن تقل أعمارهم عن 25 عامًا يعانون من البطالة، وهو ما يعني أن فشل الحكومة العراقية في تجاوز مشكلة الفساد، والفشل في توفير فرص عمل لمواطنيها؛ قد يُشكل فرصة جيدة لتنظيم “داعش” لاستقطاب وتجنيد هذه الفئات.

2- التباطؤ في عملية إعادة الإعمار: إذ تتحرك الحكومة العراقية ببطء في مجال إعادة إعمار المناطق التي سيطر عليها تنظيم “داعش” قبل خروجه منها، حيث تشير التقارير إلى أن تكلفة إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار تتراوح ما بين 20 مليار دولار للإعمار، و88 مليار دولار لدعم وتعزيز الاستقرار؛ الأمر الذي يحتاج إلى العمل على توفير بيئة مناسبة لسكان وقاطني هذه المناطق حتى لا يعود إليها “داعش” مرة أخرى.

3- الاحتجاجات وأعمال الشغب: حيث أشار التقرير إلى أن ارتفاع الاحتجاجات وأعمال الشغب خلال عام 2018، وما قد ينتج عنها من توترات واضطرابات، قد يعمل على توفير البيئة الحاضنة لنمو وعودة تنظيم “داعش” من خلال محاولة استمالة العناصر الغاضبة والمناهضة للحكومة العراقية.

4- التوترات الطائفية: حيث تُعتبر الممارسات الطائفية لعناصر “الحشد الشعبي” المدعومة من إيران ضد المسلمين السنة، خاصة في مناطق كركوك، وصلاح الدين، وديالى، ونينوى، ومحافظات الأنبار، من العوامل التي يمكن أن يستغلها تنظيم “داعش” لتجنيد متشددين جدد، وتوسيع عملياته في العراق، وهو ما يتطلب قيام الحكومة العراقية بمعالجة هذه التوترات، وتوفير حماية متساوية للسكان السنة والشعية في هذه المناطق.

شروط المواجهة

خلُص التقرير إلى ضرورة العمل على تعزيز التعاون والتنسيق الأمني بين القوات العراقية وعناصر البشمركة وقوات التحالف الدولي، بالإضافة إلى ضرورة تشكيل دوريات أمنية مشتركة بين هذه القوات في المناطق المتنازع عليها، كشرط ضروري لمنع تمدد ونمو عناصر تنظيم “داعش”.

في السياق ذاته، نوه التقرير إلى أن المواجهة الأمنية وحدها لن تكون كافية لتطويق ومجابهة التنظيم، بل يجب على المجتمع الدولي والولايات المتحدة الوقوف بجانب العراقيين لمنع عودة “داعش” مرة أخرى، والعمل على تشجيع الجهود المبذولة لمعالجة أسباب عدم الاستقرار، والتي يأتي في مقدمتها: انتشار الفساد، وارتفاع معدلات البطالة، وعدم المساواة، والتوترات الطائفية، وارتفاع أعداد النازحين، وتكلفة وسرعة إعادة البناء في المناطق التي دمرها تنظيم “داعش”، حيث أكد التقرير أن الفشل في معالجة هذه العوامل سيوفر للدولة الإسلامية عوامل الاستمرار والتمدد ومن ثم العودة مرة أخرى.

ختامًا، يمكن القول إن الحكومة العراقية تسرّعت في إعلانها النصر على تنظيم “داعش “ودحر عناصره، فعلى الرغم من خسارة التنظيم المساحات الجغرافيه التي سيطر عليها في العراق، وتقليص نفوذه، وافتقاده مصادر التمويل والدعم وخفوت بريقه؛ فإن ذلك لم يكن مبررًا كافيًا للإعلان عن هزيمة التنظيم، خاصة في ظل توافر البيئة الحاضنة والمُحفزة لتمدده من جديد. فمن خلال المشهد الحالي يمكن تأكيد أن “داعش” لم يعد بإمكانه استعادة كافة الأراضي التي كان يسيطر عليها، إلا أن هذه الفرضية لا تنفي وجود عناصر للتنظيم في كافة المناطق التي كانت تقع تحت نفوذه، فقد تقوم هذه العناصر بانتهاج أسلوب حرب العصابات والهجمات المتفرقة عبر خلاياها النائمة وشن العمليات الانتحارية، وتسويق ذلك من خلال جهازها الدعائي حتى تضفي على وجودها نوعًا من الزخم. كما أن هذه العناصر قد تتخذ من المناطق الجبلية والحدودية والصحراوية ملاذًا لها حتى تتمكن من استعادة تموضعها مرة أخرى، وهو ما يحتاج إلى عمل استخباراتي مكثف يمكن من خلاله الاكتشاف المبكر لهذه البؤر حتى يتم القضاء عليه. ولا شك في أن إعلان الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” انسحاب القوات الأمريكية من سوريا يُعتبر تطورًا مهمًّا يمكن لعناصر تنظيم “داعش” توظيفه في استعادة التموضع، والعمل على استثمار الفراغ الأمني، من أجل إعادة بناء وتجميع قواها والعودة مرة أخرى.

للاطلاع على نص التقرير، انظر:

Maxwell B. Markusen, “The Islamic State and the Persistent Threat of Extremism in Iraq”, Centre for Strategic and International Studies,
:November 30, 2018. Available at

https://www.csis.org/analysis/islamic-state-and-persistent-threat-extremism-iraq

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة