ما بعد خطاب ماكرون

رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

شهدت فرنسا مطلع الأسبوع الجاري جولة جديدة من المظاهرات والاحتجاجات العنيفة التي اندلعت في العديد من المدن. ورغم أن الصورة العامة لحجم المشاركين توحي بتراجع مستوى المشاركة نسبيًّا عن الجولة السابقة، إلا أن مستوى التأييد لها بدا مرتفعًا، فضلًا عن تصاعد مستوى العنف. وفي المقابل، حاول الرئيس “مانويل ماكرون”، في خطاب استغرق نحو 13 دقيقة (الاثنين 10 ديسمبر الماضي)، عرض خطة لاسترضاء أصحاب “السترات الصفراء” من خلال تقديم تنازلات مادية فاقت المتوقع. كما اعتذر عن أخطائه الشخصية، ودعا إلى حوار وطني شامل حول كل قضايا الساعة. وأظهرت استطلاعات الرأي التي تلت خطاب “ماكرون” المتلفز استجابة نسبية في قطاع المحتجين، حيث…

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

شهدت فرنسا مطلع الأسبوع الجاري جولة جديدة من المظاهرات والاحتجاجات العنيفة التي اندلعت في العديد من المدن. ورغم أن الصورة العامة لحجم المشاركين توحي بتراجع مستوى المشاركة نسبيًّا عن الجولة السابقة، إلا أن مستوى التأييد لها بدا مرتفعًا، فضلًا عن تصاعد مستوى العنف. وفي المقابل، حاول الرئيس “مانويل ماكرون”، في خطاب استغرق نحو 13 دقيقة (الاثنين 10 ديسمبر الماضي)، عرض خطة لاسترضاء أصحاب “السترات الصفراء” من خلال تقديم تنازلات مادية فاقت المتوقع. كما اعتذر عن أخطائه الشخصية، ودعا إلى حوار وطني شامل حول كل قضايا الساعة.

وأظهرت استطلاعات الرأي التي تلت خطاب “ماكرون” المتلفز استجابة نسبية في قطاع المحتجين، حيث نجح في إقناع شرائح من ناخبيه وناخبي اليمين، لكنها عكست أيضًا استمرار حالة الاستقطاب المجتمعي، وعدم نجاح تلك السياسات في احتواء الأزمة، فقد رفض حاملو “السترات الصفراء” الخطاب، ودعوا إلى مواصلة الاحتجاجات في جولة خامسة. وعلى ما يبدو من مؤشرات أولية فإن الحركة تتضمن مجموعات تريد إسقاط الرئيس، لكنها مقيدة إلى حدٍّ ما بمراعاة الرأي العام وارتفاع الكلفة الاقتصادية للاحتجاجات. ومن ثمّ يجب عدم استباق الأحداث في هذه النقطة، إذ يمكن القول إن “ماكرون” استرد زمام المبادرة، ورمى الكرة في ملعب معارضيه.

لقد اندلعت الأزمة بسبب ضريبة على المحروقات، وبسبب تباطؤ الاستجابة الحكومية تفاقم الموقف وتطور ليشكل “أزمة حكم”، وتعبيرًا عن غضب متراكم، خاصة لدى شرائح الطبقات الدنيا والوسطى والبرجوازية الصغيرة، انتقلت العدوى إلى طلبة المدارس الثانوية (129 مدرسة شاركت في تظاهرت الجولة الأخيرة، مقابل 400 مدرسة في الجولات السابقة من إجمالي 4000 مدرسة).

واستمرت مظاهرات السبت للأسبوع الرابع على التوالي، صَاحَبَها منذ مطلع شهر ديسمبر أعمال شغب وتخريب وعنف، وحرق سيارات ومبانٍ حكومية ومحالٍّ وبنوك، تسببت في خسائر اقتصادية هائلة، ما أدى إلى تعطل حركة التجارة ونقل المواد التموينية في بداية موسم مهم هو أعياد الميلاد، فضلًا عن التأثير على موسم السياحة.

نسبة معتبرة من الذين مارسوا التخريب والعنف لا ينتمون إلى تنظيمات أيديولوجية متطرفة تدعو إلى العنف المسلح، بل أغلبهم من شرائح عمرية في الثلاثينيات والأربعينيات، لديهم وظائف وليست لهم سوابق، وهو مؤشر خطير على طبيعة هذه التركيبة وتطوراتها في المستقبل.

فيما يتعلق بحجم المتظاهرين، يلاحظ وجود تراجع في عدد المتظاهرين، لكنه يظل تراجعًا بطيئًا، يقابله على الجانب الآخر تزايد نسبة المؤيدين للحراك، وتزايد العنف باضطراد. فقد كانت خسائر الجولة الأخيرة أكثر فداحة عما سبقها، كما امتدت لتشمل مدنًا مهمة مثل بوردو وتولوز.

ورغم أن الشرطة أدارت التعامل مع المظاهرات الأخيرة باحترافية، إلا أن هذا لم يكن كافيًا لمنع التخريب، فما زالت هناك نسبة معتبرة من أصحاب “السترات الصفراء” تعتقد أن اللجوء إلى العنف خيار ناجح ومبرر ويحرز نتائج. ويعود هذا التصور إلى سلوك السلطة التي تجاهلت المطالب في أول الأمر، ولم تغير من مقاربتها قبل السبت الأول من ديسمبر. ويبدو أن الحركة لا تزال تضم فصيلًا يتمسك بإسقاط الرئيس “ماكرون”.

وأخذت استجابة الرئيس “ماكرون” وحكومته وتيرة أسرع خلال الأسبوع الأخير. لكن هذا لا ينفي أن الخيارات المتاحة أمام الرئيس “ماكرون” ما زالت محدودة، حيث اختار الرئيس تأجيل لحظة تدخله، وعاتبه الجميع على هذا الموقف؛ إلا أن هذا الخيار يأتي في ظل محدودية الخيارات المتاحة بشكل عام، إذ لا يستطيع “ماكرون” مثلًا حل مجلس الأمة لأنه سيخسر الانتخابات، كما لا يستطيع أن يقدم تنازلات كبيرة نظرًا للوضع المالي الحالي في فرنسا والذي لا يحتمل المزيد من التنازلات، فضلًا عن أنه لا يستطيع أن يقوم بحشد مضادٍّ كما فعل الرئيس الأسبق “شارل ديجول” في أزمة 1968، خاصة أنه يحظى بكراهية شديدة من جانب قطاعات واسعة وظهوره كان من شأنه تأجيج الأزمة، وكان يحتاج إلى وقت للمقارنة بين البدائل.

وقد أخذت الإجراءات الحكومية الأشكال التالية:

– تخفيف حدة الاستقطاب: نجحت الحكومة الفرنسية إلى حد كبير في الحد من مستوى الاستقطاب من خلال الاتفاق مع بعض النقابات على عدم الانضمام إلى الاحتجاجات، مثل نقابة “سائقي القاطرات”.

– تبني عدد من السياسات المالية، شملت تقديم تنازلات مادية مهمة وغير متوقعة، كزيادة الحد الأدنى الشهري للأجور بمقدار مائة يورو (أكثر من ٨٪) وهي زيادة لن يتحملها رب العمل، وإعفاء ساعات العمل الإضافية من الضرائب، وإعفاء أصحاب المعاشات التي تقل عن ٢٠٠٠ يورو شهريًّا من ضريبة “الإسهام الاجتماعي العام” وهي ضريبة فُرضت عليهم مؤخرًا. كما طالب أصحاب العمل والشركات بدفع مكافأة استثنائية في نهاية السنة الجارية إن كانوا قادرين على هذا. ووعد بمضاعفة المجهودات لمكافحة التهرب الضريبي، مؤكدًا أنه لم يغير سياساته القائمة على تشجيع ومكافأة من يعمل (يلاحظ هذه المرة إضافة فكرة محاربة الريع).

لكن “ماكرون” لم يُشر إلى مصادر تمويل هذه الإجراءات، ما أعطى حججًا للمتشككين في تنفيذها. إذ تترواح تكلفة هذه الإجراءات بين ٨ إلى ١٤ مليار يورو. لكن ظهر لاحقًا أن الإليزيه دعا رجال الأعمال وأصحاب الشركات والبنوك للإسهام في تنفيذ هذه الإجراءات. لكن يلاحظ أيضًا أن “ماكرون” لم يقع في خطأ ارتكبه بعض أعضاء فريقه الذين قالوا إن مثل تلك المطالب إن رضخت السلطة لها سيتم تعويض تكلفتها بتدهور أداء المرافق العامة.

– مواجهة عنف المتظاهرين: فقد توعد “ماكرون” المخربين، وأدان العنف، وعبر عن عزمه فرض العودة إلى الهدوء. وميز بين الغضب والعنف، واعترف ببعض الأخطاء، وحاول التأكيد على احترامه لكل فئات الشعب.

– الحوار الوطني كآلية لاحتواء البعد السياسي في الأزمة: حيث دعا “ماكرون” إلى حوارٍ وطني تشترك فيه جميع القوى السياسية، والمجتمع المدني، والقوى المحلية.. إلخ، يتناول قضايا متعددة، منها: الهوية الوطنية، وقانون الانتخابات، والتشريعات الضريبية، واللا مركزية. لكنه لم يحدد إطارًا. كما أشار إلى أنه سيقابل عمد المحافظات، كل محافظة على حدة. واعتبر بعضُ المراقبين أن “ماكرون” استخلص من الأزمة أن الأحزاب ضعيفة ولا تعكس الرأي العام ولا تؤثر فيه، وفشلت في استغلال الأزمة، بينما يعد العمد أكثر دراية بمشكلات ناخبيهم. كما قد يُفهم من ذلك أيضًا إدراك “ماكرون” أن معالجة بعض القضايا يجب أن تختلف من محافظة إلى أخرى مع قدر من اللا مركزية.

كان من المتوقع أن الرئيس سيسعى إلى الجمع بين ثلاثة مسارات، هي: تقديم تنازلات تسمح باسترداد قدر من الشعبية، وتحث المعتدلين نسبيًّا على التوقف عن المشاركة في الاحتجاجات، وتقديم خطاب عاطفي نسبيًّا يتضمن اعتذارًا، في مسعى لكسر حدة صورة الرئيس “المتعالي المتعجرف”، وتبني خطاب صارم ضد المخربين.

وقد كشف أول استطلاع رأي بعد خطاب “ماكرون” عن وجود انقسام كبير، فقد رأى 50% أنه غير مقنع، مقابل ٤٩٪ رأوه مقنعًا، فيما طالب ٥٤٪ بوقف الاحتجاجات، بينما أيد أكثر من ٧٠٪ التنازلات التي قدمها. وفي ضوء هذه النسب يمكن تصور ما يلي:

– بإمكان “ماكرون” استرداد قدر من الثقة، لا سيما بين ناخبيه وناخبي اليمين.

– سارع المحتجون وتسابقوا إلى التنديد بالعرض، وإلى التقليل من شأن التنازلات، وإلى التشكيك في صدق الرئيس، وأعلنوا عزمهم مواصلة التظاهر، وهو ما يضعهم في مأزق، فما زالوا يتمتعون بشعبية كبيرة ولكن هناك أغلبية تطالبهم بالتوقف.

– هناك استقطاب عميق، ومن الصعوبة الجزم بمآلات الأزمة، لا سيما أن الكثيرين من الساسة لا يرغبون في مساعدة الرئيس.

– هناك بوادر ملل في صفوف حركة الاحتجاج، فالحركة وإن حققت نجاحات غير مسبوقة، لكن هناك من يريد العودة إلى حياة طبيعية، وبالتالي هناك تراجع في صفوفها، وبالتالي تراجع شعبيتها.

***

من الواضح أن الأنظمة الأوروبية تعاني من أزمات عميقة، فأغلب الحكومات ضعيفة بما فيها الحكومة الألمانية، حيث ارتفعت معدلات الفقر والتهميش في كل الدول، فضلًا عن أن مستوى الاستقطاب بين الشرائح المستفيدة من العولمة والشرائح الخاسرة يزداد عمقًا. كما أن الخوف من المستقبل يعم أوروبا. إلى جانب تصاعد المعارضة لمشروع الوحدة الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة في كل دول الاتحاد. أضف إلى ذلك الدور المهم الذي تلعبه شبكات التواصل الاجتماعي في هذا المجال. ومن ثم، لا يمكن استبعاد انتقال العدوى، وإن كان للوضع الفرنسي خصوصيته التي ساهمت في إشعال الوضع.

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

مقالات أخرى للكاتب