قراءات وعروض

تنافس أمريكي- صيني على تكنولوجيا الجيل الخامس

أطلق مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية CSIS، يوم الخميس الموافق ٦ ديسمبر (٢٠١٨)، تقريرًا بالغ الأهمية عن ثورة الجيل الخامس 5G في شبكات الهواتف المحمولة، والذي أعده مدير برنامج سياسة التكنولوجيا بالمركز “جيمس أندرو لويس”، بعنوان: “كيف سيشكل الجيل الخامس الابتكار والأمن؟”(*). وقد استحوذ التقرير على متابعة كبيرة في وسائل الإعلام الأمريكية والدولية، لما ستمثله ثورة تكنولوجيا الجيل الخامس من أهمية قصوى بالنسبة للأمن القومي والأداء الاقتصادي في العقود القادمة. خلال القرن العشرين، كان الصلب، والفحم، والسيارات، والطائرات، والسفن، والقدرة على تصنيع المنتجات بكميات كبيرة؛ هي مصادر القوة الوطنية للدول. لكن أسس الأمن والقوة اليوم باتت مختلفة بشكل كبير، حيث أصبحت…

أ. عـزت إبراهيم
رئيس وحدة دراسات الإعلام

أطلق مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية CSIS، يوم الخميس الموافق ٦ ديسمبر (٢٠١٨)، تقريرًا بالغ الأهمية عن ثورة الجيل الخامس 5G في شبكات الهواتف المحمولة، والذي أعده مدير برنامج سياسة التكنولوجيا بالمركز “جيمس أندرو لويس”، بعنوان: “كيف سيشكل الجيل الخامس الابتكار والأمن؟”(*). وقد استحوذ التقرير على متابعة كبيرة في وسائل الإعلام الأمريكية والدولية، لما ستمثله ثورة تكنولوجيا الجيل الخامس من أهمية قصوى بالنسبة للأمن القومي والأداء الاقتصادي في العقود القادمة.

خلال القرن العشرين، كان الصلب، والفحم، والسيارات، والطائرات، والسفن، والقدرة على تصنيع المنتجات بكميات كبيرة؛ هي مصادر القوة الوطنية للدول. لكن أسس الأمن والقوة اليوم باتت مختلفة بشكل كبير، حيث أصبحت القدرة على اختراع واستخدام تكنولوجيا جديدة هي مصدر القوة الاقتصادية والعسكرية للوحدات الدولية، وأساس عصر المعلومات. وتعد تطورات تكنولوجيا الجيل الخامس حجر الزاوية في بيئة رقمية جديدة، ومحور المنافسة القادمة بين القوى الدولية. وعن ذلك ذكر التقرير أن “الولايات المتحدة في وضعٍ جيدٍ للقيادة، ولكن لا يتم ضمان النجاح ولا الأمن دون اتخاذ إجراءات محددة”.

منافسة عالمية

أشار التقرير (22 صفحة) إلى أن تقنيات الجيل الخامس لشبكات الهواتف المحمولة المعروفة باسم 5G، تتمتع بسرعات أكبر ومستوى أكثر فعالية فيما يخص التأمين والسعة. كما ستدعم اقتصاد الإنترنت، وتوفر العمود الفقري للجيل القادم من التقنيات الرقمية، ما يُطلق منافسة عالمية شديدة بين الشركات والدول من أجل أخذ السبق في الجيل الخامس. وستحدد تكنولوجيا هذا الجيل الاتجاه الذي سيتخذه الإنترنت، فيما ستواجه الدول مخاطر ونقاط ضعف جديدة. ويؤكد التقرير أن من سيصنع تقنيات الجيل الخامس سيؤثر على الأمن والابتكار في بيئة تكنولوجية شديدة التنافسية.

ولا تقتصر المنافسة على مجموعات الشركات العالمية الكبرى، ولكن -أيضًا- بين صناع القرار في الدول الرائدة في تكنولوجيا الاتصالات. ويدور السباق اليوم بين الولايات المتحدة والصين، وتقع أوروبا في مكان بينهما. وبشكل عام، لا تزال التكنولوجيا الأمريكية رائدةً في الأجيال المتعاقبة، وتلعب شركاتها دورًا رئيسيًّا في تطوير تقنيات الجيل الخامس، لكن واشنطن وحلفاءها يواجهون تحديًا أساسيًّا من بكين.

وتتركز المنافسة على الملكية الفكرية، والمعايير، وبراءات الاختراع الخاصة بتكنولوجيا الجيل الخامس. فعلى سبيل المثال، لدى شركة هواوي Huawei برامج بحثية لتطوير بدائل للموردين الأمريكيين، وقد أدت القيود التجارية الأمريكية إلى تسريع جهود الصين لتطوير صناعة الجيل الخامس الخاصة بها.

ورغم أن الشركات الأمريكية متقدمة في سباق تصنيع تقنيات الجيل الخامس الأساسية، لكن لم تعد هناك أي شركات أمريكية في مجال تصنيع المعدات الأساسية لشبكات الاتصالات، حيث تهيمن أربع شركات على سوق تقنيات الشبكات الأساسية اللازمة لشبكات الجيل الخامس، ولا توجد بينها شركات أمريكية. والخيارات اليوم أمام واشنطن تنحصر بين شركاء الأمن الأوروبيين (Ericsson وNokia)، وبين الشركتين الصينيتين (Huawei وZTE).

محاصرة التمدد الصيني

يؤكد التقرير أن الاتصالات صناعة استراتيجية مهمة، ومن ثمّ فإن وجود علاقات عمل مع شركتين لهما علاقات وثيقة مع قوة “معادية” يخلق خطرًا على الولايات المتحدة وحلفائها. وعليه، يكون من الضروري توفير “سلسلة توريد آمنة لتكنولوجيا الجيل الخامس، حتى لا تحدث اختراقات لمناطق حساسة للأمن القومي الأمريكي، كالتجسس، وإحداث اضطراب محتمل للبنية التحتية الحيوية”. ويرى التقرير أن ما يصفه الأمريكيون بحملة صينية للتجسس الإلكتروني يجعل بكين على يقين من أنها ستستغل الفرص التي ستكسبها كمزود لتكنولوجيا الجيل الخامس.

وأوضح التقرير في تبريره لضرورة محاصرة التمدد الصيني في تكنولوجيا الجيل الخامس بذكره أن “طريقة واحدة لتصور هذا هي تخيل أن الشخص الذي بنى منزلك يقرر السطو عليه. فهو يعلم خريطة المكان، ونظام التزود بالطاقة، ونقاط الوصول، وربما يبني البيت بطريقة تُسهّل دخوله”. ويمضي التقرير متحدثًا عن الهواجس التي تطرحها الولايات المتحدة على مائدة حلفائها فيما يخص دخول الشركات الصينية بقوة إلى السوق فيقول: “تتصل المعدات الرئيسية (الأساسية) للاتصالات بالشركة المصنّعة عبر قنوات خاصة، حيث تقوم بالإبلاغ عن حالة المعدات، وتتلقى التحديثات، وتصحيح البرامج حسب الحاجة، وعادةً بدون معرفة المشغّل. ويمكن بيع المعدات وتثبيتها في حالة آمنة تمامًا، وبعد شهر يمكن أن يرسل المُصنّع تحديثًا للبرامج لإنشاء ثغرات أمنية أو تعطيل الخدمة. ولن يكون لدى المشغّل وعملائه أي معرفة بهذا التغيير”.

رسم تخطيطي لتشبيك الجيل الخامس

توصيات لمواجهة المخاطر

يطالب التقرير الولايات المتحدة بإدارة مخاطر الجيل الخامس باستخدام مجموعتين من السياسات؛ المجموعة الأولى تختص بضمان قدرة شركاتها على الاستمرار في الابتكار، وإنتاج تقنيات متقدمة، ومواجهة المنافسة العادلة في الخارج. ويضيف أن الشركات الأمريكية تتفوق بشكل روتيني على منافستها الصينية في مجال البحث والابتكار فيما يخص تكنولوجيا الجيل الخامس، وتمتلك عشرة أضعاف عدد براءات الاختراع في تلك التكنولوجيا، فيما لا تزال الشركات الصينية تعتمد على الشركات الغربية لمكونات الجيل الخامس الأكثر تقدمًا.

أما المجموعة الثانية فتتمثل في العمل مع الدول “ذات التفكير المماثل” لتطوير نهج مشترك لأمن الجيل الخامس. ويضيف التقرير أنه لا يمكن للولايات المتحدة تلبية تحديات ذلك من تلقاء نفسها. ويشير: “عندما نجحت الولايات المتحدة في تحدي السياسة الصناعية الصينية في الماضي، فقد تم ذلك بالتنسيق مع الحلفاء”.

وينصح التقرير الحكومة الأمريكية بضرورة القيام بمهمة أخرى، وهي إيجاد طرق لتشجيع الدول على الإنفاق على أمن الجيل الخامس. ويكشف أن تكلفة شبكات الاتصالات في هواوي أقل فيما بين 20 إلى 30 بالمائة من المنتجات المنافسة. كما تقدم الشركة الصينية العملاقة للعملاء الأجانب شروطًا سخيةً للتأجير أو القروض. ويضيف التقرير أنه يمكنها القيام بذلك بسبب حصولها على أموال حكومية، حيث تدعم بكين هواوي لأسباب استراتيجية وتجارية. ويتوقع أن تغري عروض الشركة العديد من البلدان بسبب معدلات الخصم المرتفعة. فعدم شراء هواوي يعني دفع مزيدٍ من التكلفة لشراء منظومات للأمن، ومن المرجّح أن تعترض الوزارات الاقتصادية في دول مختلفة على تلك التكلفة المرتفعة.

وتأسيسًا على ما سبق، يذكر تقرير مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية أن الولايات المتحدة في حاجة إلى تشجيع الآخرين على دفع الاستثمار في تكنولوجيا التأمين. والاستعداد -في الوقت ذاته- لعالم تتواصل فيه بشكل لا يمكن تجنبه مع الشبكات التي توفرها شركة هواوي، وتحديد كيفية الاتصال والتواصل الآمن عبر شبكات الاتصالات في البلدان التي تستخدم معدات الشبكات الصينية. ويضيف التقرير “أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى نسخ نموذج الصين المرتكز على دعم الحكومة لتكنولوجيا الجيل الخامس، ولكنها تحتاج للاستثمار في البحوث، واعتماد نهج شامل لمكافحة الحواجز غير الجمركية أمام التجارة، وضمان عدم مواجهة الشركات الأمريكية للعقبات من مكافحة الاحتكار أو براءة الاختراع”.

(*) للاطلاع على أصل التقرير، انظر:

James Andrew Lewis, “How 5G Will Shape Innovation and Security”, Center for Strategic and International Studies, December 6, 2018. Available at:

https://csis-prod.s3.amazonaws.com/s3fs-public/publication/181206_Lewis_5GPrimer_WEB.pdf

أ. عـزت إبراهيم
رئيس وحدة دراسات الإعلام