loader

إنه الجيش المصري

رئيس وحدة الرأي العام

التعامل مع يوم السادس من أكتوبر على أنه احتفال بانتصار الجيش المصري على الجيش الإسرائيلي فقط هو اختزال واضح لمعنى ذلك الانتصار، ويجعل التصدي للإجابة على أسئلة أخرى من قبيل لماذا لم يفتر حماس الشعب المصري في الاحتفال بتلك المناسبة رغم مرور خمسة وأربعين عاما بالشكل الذي يؤكد أن تلك الحماسة لن تفتر لقرن وقرون أخرى قادمة عملية معقدة. الانتصار على الجيش الإسرائيلي على أهميته لا يبرر إطلاقا تلك الهالة التي يحيط بها المصريون يوم السادس من أكتوبر. فالحقيقة أن المصريين لا يحتفلون في اليوم بانتصار جيشهم فقط. المصريون يحتفلون في الحقيقة بأنفسهم. يحتفلون بأن لديهم جيشا من أبنائهم لم…

د. صبحي عسيلة
رئيس وحدة الرأي العام

التعامل مع يوم السادس من أكتوبر على أنه احتفال بانتصار الجيش المصري على الجيش الإسرائيلي فقط هو اختزال واضح لمعنى ذلك الانتصار، ويجعل التصدي للإجابة على أسئلة أخرى من قبيل لماذا لم يفتر حماس الشعب المصري في الاحتفال بتلك المناسبة رغم مرور خمسة وأربعين عاما بالشكل الذي يؤكد أن تلك الحماسة لن تفتر لقرن وقرون أخرى قادمة عملية معقدة. الانتصار على الجيش الإسرائيلي على أهميته لا يبرر إطلاقا تلك الهالة التي يحيط بها المصريون يوم السادس من أكتوبر. فالحقيقة أن المصريين لا يحتفلون في اليوم بانتصار جيشهم فقط. المصريون يحتفلون في الحقيقة بأنفسهم. يحتفلون بأن لديهم جيشا من أبنائهم لم يخذلهم يوما من الأيام. يحتفلون بجيش بدا لكثيرين انه انكسر في عام 1967، بينما هو لم ينصرف عن أرض المعركة منذ اليوم التالي للهزيمة ولم يسلم الراية. يحتفلون بجيش عرف قادته العظام أن مصر لم ولن تقوم لها قائمة إذا استمر عار الهزيمة. فالمصريون لا يعرفون الحياة منكسرين. المصريون تعايشوا آلاف السنين مع الكثير من المشكلات ولا زالوا يعانون ولكنهم يوما لم يستسلموا لهزيمة أو لاغتصاب جزء من أرضهم التي حافظوا عليها عبر آلاف السنين. الانتصار في حرب أكتوبر هو تأكيد لقيم المصريين وحقيقتهم، حيث الكرامة هي رأسمالهم الحقيقي وسلاحهم الذي مكنهم من مقاومة الغزاة والمحتلين عبر آلاف السنين.

الانتصار في حرب أكتوبر هو العنوان الحقيقي لمعنى الشعب المصري. إذ يمكن لأي باحث في الشخصية المصرية أن يكتفي بالتوقف أمام كيف نهض الشعب المصري وجيشه خلال ست سنوات فقط من الهزيمة إلى تحقيق نصر عسكري اعتبر بكل المقاييس العسكرية معجزة. فقد كانت موازين القوى بين مصر وإسرائيل كانت تميل بوضوح لصالح إسرائيل الأمر الذي أوهم إسرائيل أن مصر لم تجرؤ على الدخول في حرب. العنصر الوحيد الذي لم تأخذه إسرائيل في حساباتها هو الإرادة المصرية التي حسمت الموقف لصالح الجيش المصري. إنها باختصار إرادة النصر. إرادة الحياة بكرامة. حياة يهون دونها الغالي والنفيس. الانتصار في حرب أكتوبر هو انتصار لإرادة الفعل الكامنة لدى المصريين. إذ نجح الرئيس السادات في تفجير كل الطاقات وحشدها لهدف واحد هو استرجاع الأرض. ثقته في قدرة المصريين جعلته واثقا من النصر. طرد الخبراء السوفييت حتى لا ينسب لهم فضل فى انتصار كان يراه واقعا لا محالة. هذه الثقة التي كانت لدى الرئيس السادات كانت سائدة بين كل قادة الجيش المصري وضباطه وجنوده والأهم بين أفراد الشعب المصري. وقود تلك الثقة كان الميراث الحضاري لمصر وسجل شرف الجيش المصري عبر تاريخه الطويل. أي أن الانتصار في حرب أكتوبر لم يكن لحظة استثنائية بل كان حلقة في سلسلة طويلة حرص المصريون جيشا وشعبا على ألا تنقطع.

        لقد شكلت قيمتا الانتصار والدفاع عن الأرض دونما اعتداء على الآخرين العقيدة العسكرية للجيش المصري التي لم يحد عنها يوما. الجيش المصري لم يحارب يوما من أجل الحرب. حارب من أجل حقوقه والدفاع عن أرضه مستهدفا تحقيق وإقرار السلام ليس فقط لمصر بل للمنطقة بأسرها. وحرب أكتوبر نفسها لم تخرج عن ذلك السياق. إذ دخلت مصر في عملية معقدة مع الجانب الإسرائيلي لتحقيق السلام، وتمكنت من الانتصار على كل العراقيل التي وضعتها إسرائيل في طريق السلام. وها هي اتفاقية كامب ديفيد للسلام قد دخلت عامها الحادي والأربعين متجاوزة خلالها الكثير من التحديات التي كادت تقضي عليها. الحفاظ على اتفاقية السلام كان أيضا انتصارا للجيش المصري الذي أيقن منذ البداية أن السلام في حاجة لقوة تحميه، ومن ثم لم تتوقف عملية بناء وتحديث الجيش المصري عبر تلك العقود الأربعة. فالحفاظ على الانتصار الذي تحقق حربا وسلما والحفاظ على موقع الصدارة منذ حرب أكتوبر ليس أمرا سهلا في ظل البيئة الإقليمية والدولية المتغيرة والتحديات التي تفرضها. إنه انتصار آخر للجيش المصري لا يقل أهمية عن الانتصار في الحرب العسكرية التقليدية.

هذه الروح وتلك العقيدة التي يلتزم بها الجيش المصري هي التي تقف وراء ما قام به وما زال يقوم به للحفاظ على مصر من المحاولات الرامية لإسقاطها في براثن الفوضى. فمنذ بداية عام 2011 يخوض الجيش حربا حقيقية أخرى سواء في إطار ما بات يعرف بحروب الجيل الرابع التي تستهدف تفتيت الجبهة الداخلية وتماسكها، أو في مواجهة الإرهاب. ولم تكن مقولة الرئيس السيسي “اللي هيقرب منها هاشيله من على وش الأرض” تعبيرا عن قناعته الشخصية بقدر ما كانت تعبيرا عن عقيدة الجيش المصري، كما كانت رسالة للشعب المصري للتأكيد على أن هناك الكثير من المحاولات من الداخل والخارج تسعى لإسقاط الدولة، وعلى أن الجيش جاهز تماما للتعامل معها. وهي الرسالة التي تأتي تأكيدا لما قاله الرئيس السادات بعد انتصار أكتوبر أنه قد آن لذلك الشعب أن يطمئن وأن يأمن بعد خوف فقد أصبح له درع وسيف. الطمأنينة والأمان اليوم لا تعني لدى الجيش الدور العسكري في تأمين الحدود ودعم حماية المواطنين فقط، بل اختار رجال الجيش اعتماد مفهوما أشمل للطمأنينة والأمن يمتد ليطال المشاركة وقيادة عملية التنمية في كل ربوع الوطن بكل ما يمثله ذلك من أعباء. وإذا كان انتصار أكتوبر قد مثل ملحمة كتبها الشعب والجيش، فإن تلك الملحمة قابلة للتكرار مرة أخرى في معركة التنمية على نحو ما يحدث على الأرض منذ خمس سنوات. فتحية لمن قال يوما للرجال عدوا القناة وتحية لمن ما زال يصر على تسهيل عبور القناة، وتحية للرجال الذين عبروا القناة قبل خمسة وأربعين عاما فحرروا سيناء وتحية لمن يعبروا القناة اليوم لتنميتها والحفاظ على ما حرره أسلافهم. وتحية للشعب العظيم الذي احتضن وما زال يحتضن هؤلاء الرجال العظام.    

د. صبحي عسيلة
رئيس وحدة الرأي العام

مقالات أخرى للكاتب