قراءات وعروض

وزير الخارجية الأمريكي يكتب عن استراتيجية إدارة ترامب لمواجهة إيران

مع اقتراب موعد فرض إدارة الرئيس دونالد ترامب الموجة الثانية من العقوبات على النظام الإيراني في الخامس من نوفمبر المقبل، إثر انسحابها من خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، نشرت دورية “الشئون الخارجية Foreign Affairs” في عددها عن شهري نوفمبر/ ديسمبر ٢٠١٨ مقالة لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بعنوان “مواجهة إيران: استراتيجية إدارة ترامب”، تناول فيها عقيدة ترامب للتعامل مع “الدول المارقة”، مثل كوريا الشمالية وإيران، والتهديد الذي تمثله الأخيرة للولايات المتحدة وحلفائها بالشرق الأوسط، ومحاور استراتيجية العقوبات الأمريكية لتعديل السلوك الإيراني، وتكلفة استمرار النظام الإيراني في سياساته المزعزعة للاستقرار والأمن في المنطقة. بداية، يري بومبيو أن التحدي الذي تمثله…

عمرو عبد العاطي
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية

مع اقتراب موعد فرض إدارة الرئيس دونالد ترامب الموجة الثانية من العقوبات على النظام الإيراني في الخامس من نوفمبر المقبل، إثر انسحابها من خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، نشرت دورية “الشئون الخارجية Foreign Affairs” في عددها عن شهري نوفمبر/ ديسمبر ٢٠١٨ مقالة لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بعنوان “مواجهة إيران: استراتيجية إدارة ترامب”، تناول فيها عقيدة ترامب للتعامل مع “الدول المارقة”، مثل كوريا الشمالية وإيران، والتهديد الذي تمثله الأخيرة للولايات المتحدة وحلفائها بالشرق الأوسط، ومحاور استراتيجية العقوبات الأمريكية لتعديل السلوك الإيراني، وتكلفة استمرار النظام الإيراني في سياساته المزعزعة للاستقرار والأمن في المنطقة.

بداية، يري بومبيو أن التحدي الذي تمثله الدولتان كأنظمة مارقة لا يتأتى فقط من تحديهما المعايير الدولية، وحقوق الإنسان، والعمل ضد مصالح الولايات المتحدة وشركائها، ولكن لكونهما أمضتا عقودا في السعي لامتلاك برنامج نووي غير سلمي في انتهاك للحظر الدولي لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل.

ويؤكد بومبيو مقاربة الرئيس ترامب بأن الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (٥+١) الذي توصل إليه في الرابع عشر من يوليو ٢٠١٥ فشل في وضع حد لطموحات طهران النووية. ويضيف أن النظام الإيراني كان على اقتناع تام بأن الإدارة الأمريكية السابقة (إدارة الرئيس باراك أوباما) تعطي الأولوية للحفاظ على الاتفاق أكثرمن أي شيء آخر.

وفي سياق متصل، أشار وزير الخارجية الأمريكي إلى أن الاتفاق سمح للنظام الإيراني بزيادة دعمه للأنشطة الخبيثة في منطقة الشرق الأوسط، وحول العالم، حيث مكن المال الكثير الذي تحصلت عليه طهران بعد التوصل للاتفاق النووي من رعاية مختلف أنواع الإرهاب في أنحاء المنطقة كافة، مقابل تحملها عواقب قليلة ردا على ذلك، فضلا عن تعزيزه الاقتصاد لنظام لا يزال عازما على تصدير ثورته للخارج، وفرضها في الداخل.

عقيدة ترامب

يدافع بومبيو عن نهج الرئيس ترامب في الحكم، والذي يثير انزعاج بعض الساسة الأمريكيين، قائلا إن نهجه يمنح الولايات المتحدة ميزة في مواجهة الأنظمة المارقة. ويضيف أنه كان واضحا منذ حملته الانتخابية في عام ٢٠١٦، ويتمثل في قيادة أمريكية جريئة تعطي الأولوية للمصالح الأمنية للولايات المتحدة، في مخالفة لعقيدة أوباما المفضلة “القيادة من الخلف”، والتي أدت إلى تراجع النفوذ والتأثير الأمريكيين.

ويشير وزير الخارجية الأمريكي إلى أن عقيدة “القيادة من الخلف” حولت كوريا الشمالية اليوم إلى تهديد أكبر من أي وقت مضى، كما أنها لم تحد من طموح إيران لأن تصبح قوة نووية، بل سمحت لها بأن تزيد من دورها الخبيث بمنطقة الشرق الأوسط، وتزيد رعايتها للإرهاب. وتتلخص ملامح عقيدة الرئيس ترامب وفقا لما جاء في مقالة بومبيو في الآتي:

أولا- حملات ضغط قوية متعددة الأطراف تجبر “الدول المارقة” على تقديم تنازلات: أشار بومبيو إلى حملة الضغط القوية متعددة الأطراف التي قادتها الولايات المتحد ضد بيونج يانج، والتي اقترنت بتصريحات واضحة بأن واشنطن ستدافع عن مصالحها الحيوية بالقوة إذا لزم الأمر، مما دفع كيم كونج أون إلى لقاء الرئيس الأمريكي في سنغافورة في يونيو من العام الجاري، والذي التزم خلاله بنزع الأسلحة النووية بشكل نهائي وقابل للتحقق بالكامل، في تحول استراتيجي رئيسي من جانب الريس كيم وفقا لوزير الخارجية الأمريكي، حيث إنها المرة الأولي التي تحصل فيها إدارة أمريكية على التزام شخصي من زعيم إلى زعيم في مجال نزع الأسلحة النووية.

وتطبيقا لسياسة الإدارة الأمريكية الناجحة – من وجهة نظر بومبيو – تجاه كوريا الشمالية، فإنها تسعي إلى ممارسة حملة “ضغط قصوى” على إيران بهدف وقف مصادر التمويل التي يستخدمها النظام، خاصة الحرس الثوري الإيراني، لتمويل العنف والإرهاب في منطقة الشرق الأوسط من خلال وكلائه، مثل: المتمردين الحوثيين في اليمن، والميليشيات الشيعية في العراق، ودعم نظام الأسد بشار في سوريا.

ثانيا- رفض الانخراط العسكري طويل الأمد في الشرق الأوسط أو في أي منطقة أخرى: فعلى الرغم من تلويح الرئيس الأمريكي باستخدام القوة العسكرية لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة، يشير وزير الخارجية إلى أن الرئيس ترامب يتخوف من تكرار العواقب الوخيمة للغزو الأمريكي للعراق في عام ٢٠٠٣، والتدخل العسكري في ليبيا في عام ٢٠١١، لكنه يضيف أنه لا يخشى استخدامها. ووفقا لبومبيو، فإن القوة العسكرية الساحقة ستظل دعامة للدفاع عن الشعب الأمريكي، وأنها لا ينبغي أن تكون الخيار الأول.

ثالثا- استعداد الرئيس للحوار مع أشرس خصوم الولايات المتحدة: ينقل بومبيو عن الرئيس الأمريكي حديثه في يوليو الماضي بـ “أن الدبلوماسية والمشاركة أفضل من الصراع والعداء”. ويؤكد نجاح دبلوماسية ترامب مع الرئيس كيم لكونها بددت توترات مع كوريا الشمالية كانت تتصاعد يوما بعد يوم.

رابعا- الانسحاب من الاتفاقيات التي يراها ترامب لا تحقق المصالح الأمريكية: يشير وزير الخارجية في مقالته إلى أن الرئيس الأمريكي مستعد لإبرام اتفاقات مع خصوم الولايات المتحدة، ولكن ليس لديه أي غضاضة في الانسحاب من المفاوضات إذا لم تعزز المصالح الأمريكية في نهاية المطاف. ويري بومبيو أن ذلك يتناقض مع نهج الإدارة السابقة تجاه خطة العمل الشاملة المشتركة، حيث كانت تنظر إليها على أنها هدف ينبغي التوصل إليه بأي ثمن.

التهديد الإيراني

في إطار حديث وزير الخارجية الأمريكي في مقالته عن التهديد الذي تمثله إيران للولايات المتحدة وحلفائها، أشار إلى أن التزام الرئيس ترامب بأمن الأمريكيين، ورفضه للاستخدام غير الضروري للقوة العسكرية، واستعداده للتحدث مع الخصوم، كل ذلك وفر إطارا جديدا لمواجهة الأنظمة الخارجة عن القانون مثل إيران. وتحدث بومبيو في مقالته عن تاريخ نشر النظام الإيراني منذ الثورة الإسلامية في عام ١٩٧٩ للدمار وعدم الاستقرار في المنطقة، والذي لم ينته مع خطة العمل الشاملة المشتركة.

وعن عيوب الاتفاق النووي، سرد بومبيو المبررات نفسها التي استند إليها ترامب في الانسحاب منه في الثامن من مايو الماضي، ومنها أنه لم يكبح الطموح الإيراني لامتلاك سلاح نووي، ولم يحد من نشاط النظام المزعزع للاستقرار في أفغانستان، والعراق، ولبنان، وسوريا، واليمن، وغزة، حيث لا تزال طهران تزود الحوثيين بالصواريخ التي تطلق على المملكة العربية السعودية، وتجند شبابا أفغانا، وعراقيين، وباكستانيين للقتال في سوريا.

ويشير المسئول الأمريكي إلى أن ترامب انسحب من الصفقة النووية لأنها لا تحمي مصالح الأمن القومي الأمريكي، أو حلفاء وشركاء الولايات المتحدة، ولأنها لم تدفع إيران للتصرف كدولة عادية. ويضيف أنه بينما تحاول طهران اقناع القوى الأوروبية بعدم الانسحاب من الاتفاق النووي، فإنها تخطط لشن هجمات إرهابية في قلب القارة، حيث يشير إلى القبض على دبلوماسي إيراني مقيم في فيينا في يوليو الماضي بسبب تزويده إرهابيين يسعون لتفجير تجمع سياسي في فرنسا بمتفجرات. ولهذا، يؤكد أن سياسات النظام الإيراني جعلت الدولة منبوذة، مما أدي إلى يأس الشعب الإيراني.

محاور استراتيجية الضغط

فصل وزير الخارجية الأمريكية في محاور استراتيجية الضغط المتعددة المحاور تجاه إيران بدلا من الصفقة النووية، والتي تتمثل في:

أولا- العقوبات الاقتصادية: يقول بومبيو إن ترامب يدرك قدرة العقوبات على الضغط على النظام الإيراني، بينما تتكبد الولايات المتحدة تكلفة منخفضة. ويتمثل الهدف من تلك العقوبات في إجبار النظام على اتخاذ خيار وقف السياسات التي أدت إلى فرض العقوبات أو الاستمرار فيها.

ويدعو بومبيو إلى أن تكون العقوبات قاسية لكي تتخلى قيادات النظام الإيراني من السياسيين ورجال الدين عن فسادهم المالي، والتي أشار إلى كثير من مظاهرها، في وقت يعاني فيه ثلث الشباب البطالة، وتزايد مظاهر الاحتجاج الشعبي في كثير من المدن الإيرانية، بجانب نقص الوقود والمياه الذي أضحي أمرا شائعا. ولهذا، يقول إن الإدارة أعادت فرض العقوبات التي تم رفعها أو التنازل عنها كجزء من الاتفاق النووي، حيث أعيد فرض المجموعة الأولي من العقوبات في ٧ أغسطس الماضي، وسيتم فرض الثانية في ٥ نوفمبر المقبل.

ويؤكد وزير الخارجية أن الإدارة تسعي لجعل الواردات العالمية من النفط الخام الإيراني قريبة من الصفر بقدر الإمكان بحلول الرابع من نوفمبر المقبل، فضلا عن عملها مع حلفائها في المنطقة لإعاقة سبل نقل ملايين الدولارات إلى فيلق القدس، وذلك في إطار الحملة الأمريكية لوقف التمويل الإيراني للإرهابيين. كما أن الإدارة تطالب جميع الدول التي تتضرر من السياسيات الإيرانية بأن تدافع عن الشعب الإيراني، وأن تنضم إلى حملة الضغط القوية التي يقودها الممثل الأمريكي الخاص لإيران بريان هوك.

ثانيا- الردع: يقول بومبيو في مقالته إن الرئيس ترامب يؤمن بتدابير واضحة لمنع إيران من استئناف برنامجها النووي أو مواصلة أنشطتها الخبيثة الأخرى، حيث أوضح لطهران وللدول الأخرى أنه لن يتسامح مع أي محاولات لتهديد أمن مصالح الولايات المتحدة، وأنه سيرد بقوة على أي تهديد. ويؤكد أن هذا ما دفع الرئيس كيم إلى الطاولة في سنغافورة.

ويؤكد وزير الخارجية في مقالته أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى خوض الحرب، ولكنها يجب أن توضح أن التصعيد رهان خاسر لإيران، وأنها لن تستطيع أن تضاهي القوة العسكرية الأمريكية. ويضيف أن الإدارة لا تخشي أن توضح ذلك لقادة لطهران.

ثالثا- كشف وحشية النظام: أشار بومبيو إلى أن الأنظمة الاستبدادية الخارجة عن القانون مثل إيران لا تخشي شيئا أكثر من كشف النقاب عن أعمالها الحقيقية. ولهذا يؤكد أن الإدارة الأمريكية ستستمر في الكشف عن مصادر الدخل غير المشروعة للنظام، وعن أنشطته الخبيثة، وفساد قياداته السياسية والدينية، والاضطهاد الوحشي الذي يمارسه. ويضيف أن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي وأمثاله لن يتمكنوا من تحمل الغضب المحلي والدولي الذي سيتأتى لو تم كشف النقاب عن كل ما يقومون به. ويشير إلى أن المتظاهرين خرجوا في بداية هذا العام للشوارع رافعين شعارات من قبيل “دعوا سوريا وفكروا فينا!”.

وفي إطار دعم الولايات المتحدة للشعب الإيراني، أكد الوزير أن إدارة ترامب لم تخش فضح عمليات القمع الوحشي التي يمارسها النظام الإيراني ضد مواطنيه، مضيفا أنه متشبث بمبادئ أيديولوجية معينة مثل تصدير الثورة الإسلامية للخارج من خلال الحروب بالوكالة، وتخريب الدول السنية، والكراهية لإسرائيل والولايات المتحدة، وفرض ضوابط اجتماعية صارمة تقوض حقوق الإنسان، لذلك فإنه غير قادر على تقبل أي أفكار منافسة.

وأشار الوزير الأمريكي إلى أن الإدارة في مايو من العام الجاري حددت اثني عشر مطلبا يجب على إيران أن تحقق فيها تقدما ليحدث تحول في السياسات الأمريكية تجاهها، وتضمنت وقف تخصيب اليورانيوم بالكامل، وتقديم تقرير كامل عن الأبعاد العسكرية السابقة لبرنامجها النووي، ووضع حد لانتشار الصواريخ الباليستية، وإطلاق سراح المواطنين الأمريكيين المسجونين في إيران، وإنهاء دعم الإرهاب.

وأوضح بومبيو أن الرئيس ترامب سيزيد الضغط على إيران إذا لم ترق إلى مستوى المعايير التي ترغب فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها وكذلك الشعب الإيراني. ويرى إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل جديد مع إيران إذا أجرت التحولات المطلوبة في سياساتها. وإذا لم تقم بذلك، فإنها ستواجه ضغوطا متزايدة بسبب جميع أنشتطها الخبيثة حول العالم. ويشير إلى أن الرئيس ترامب لا يفضل قيادة حملة الضغط على النظام الإيراني بمفرده، فهو يرغب في انضمام حلفاء الولايات المتحدة وشركائها إليه.

وفي ختام المقالة، أشار وزير الخارجية إلى أنه بالنظر إلى معدل تدهور الاقتصاد الإيراني، وتزايد الاحتجاجات الشعبية، ينبغي أن تكون القيادة الإيرانية على اقتناع بأن المفاوضات مع الولايات المتحدة هي أفضل طريق للمضي قدما.

عمرو عبد العاطي
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية