وحدة الدراسات العربية والإقليمية

تقدم حذر: الانتخابات التشريعية الجزائرية في سياق معقد

في أعقاب الانتهاء من بلورة مشروع قانون الانتخابات الجديد والتصديق عليه، في الثامن من مارس 2021، وإصدار هذا القانون بأمر رئاسي في ظل غياب مجلس النواب، حدد الرئيس “عبدالمجيد تبون” يوم 12 يونيو 2021 موعدًا للانتخابات التشريعية، وذلك بعدما تم حل المجلس الشعبي الوطني في فبراير 2021؛ لاستكمال الاستحقاقات الدستورية وإنجاز خارطة الطريق التي وضعها منذ قدومه للسلطة، كأول انتخابات تشريعية في عهد الرئيس “تبون”، يمثل خلالها قرابة (24 مليونًا ونصف) أمام صناديق الاقتراع. ولعل المخاض التشريعي الذي تشهده الجزائر يتواكب مع استمرارية بعض التظاهرات التي تطالب بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بالرغم من مساعي الدولة لتعديل مسار الحياة التشريعية عبر…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

في أعقاب الانتهاء من بلورة مشروع قانون الانتخابات الجديد والتصديق عليه، في الثامن من مارس 2021، وإصدار هذا القانون بأمر رئاسي في ظل غياب مجلس النواب، حدد الرئيس “عبدالمجيد تبون” يوم 12 يونيو 2021 موعدًا للانتخابات التشريعية، وذلك بعدما تم حل المجلس الشعبي الوطني في فبراير 2021؛ لاستكمال الاستحقاقات الدستورية وإنجاز خارطة الطريق التي وضعها منذ قدومه للسلطة، كأول انتخابات تشريعية في عهد الرئيس “تبون”، يمثل خلالها قرابة (24 مليونًا ونصف) أمام صناديق الاقتراع.

ولعل المخاض التشريعي الذي تشهده الجزائر يتواكب مع استمرارية بعض التظاهرات التي تطالب بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بالرغم من مساعي الدولة لتعديل مسار الحياة التشريعية عبر تضمين القانون لنصوص تكرس المناصفة في عدد المترشحين بين الجنسين، فضلًا عن اعتماده لأول مرة نظام القائمة المفتوحة.

إجراءات محفزة

هناك مجموعة من الإجراءات التي اتخذتها الجزائر في الفترة الأخيرة تعظم وتحفز بصورة كبيرة من المشاركة في الاستحقاق التشريعي، وتشجع بصورة كبيرة على الدفع بالشباب والكفاءات لخوض تلك التجربة، وكسر حالة العزوف التي اتسمت بها الحياة السياسية خلال الآونة الأخيرة، وتجسدت تلك الخطوات في الآتي:

  • تغير الأطر المنظِّمة للانتخابات: لقد شهدت الجزائر بروز عدد من المتغيرات حول مسألة العملية الانتخابية تجلى أولها في تأسيس سلطة وطنية مستقلة للانتخابات بعيدًا عن الإدارة الحاكمة والتي تمخضت عن الحوار الوطني عام 2019، إلى جانب إعداد قانون انتخابي جديد لتنظيم مسألة الانتخابات التشريعية والمحلية، وبما يضمن نزاهة العملية الانتخابية، وهما المتغيران اللذان يُعتبران مرتكزًا للعملية الانتخابية، وأرضية مشتركة للمطالبات الحزبية المختلفة.
  • إسقاط النصوص الخلافية في قانون الانتخابات الجديد: تعد استجابة الرئيس تبون واللجنة المعدة لقانون الانتخابات الجديد للمطالب الحزبية والسياسية بشأن عدد من بنود القانون الجديد بمثابة رسالة قوية وتحفيزًا لتوسيع المشاركة في الاستحقاق الانتخابي القادم، وبرز ذلك بصورة كبيرة في إسقاط شرط العتبة الانتخابية المحددة بضرورة الحصول على 4% في الانتخابات السابقة من أجل خوض الانتخابات التشريعية والمحلية المقبلة، خاصة وأن هناك الكثير قد رأى أن تلك المادة معرقلة وإقصائية للكثير من الأحزاب، علاوة على ذلك فقد تم حذف المادة الخاصة بشرط المناصفة في الانتخابات البلديات، وهو ما يعتبر استجابة للمطالب التي رُفعت حيال ذلك القانون ومن شأنه تشجيع تمثيل المرأة في القائمة الانتخابية بالمساواة والمناصفة عوضًا عن فكرة/ نظام المحاصصة.
  • تكريس مبدأ تكافؤ الفرص: وذلك عبر القضاء على المال السياسي ودعم الشباب في هذا السباق الانتخابي، ولعل أول تلك الخطوات التي اتخذتها الدولة في هذا الشأن هو إخضاع العملية التصويتية والانتخابية للإشراف الكامل لسلطة مستقلة وقانون خاص للانتخابات، والأمر الآخر التصديق على مطالب الحراك الرامية لإنهاء الربط بين المال السياسي والعملية الانتخابية وحتمية إبعاد المتورطين في قضايا فساد، وهو ما برز في مؤشرين: الأول تضمين القانون الجديد بندًا يتعلق بتمويل الجهات العمومية للقوائم الشبابية الحرة المرشحة للانتخابات وذلك بما يحقق حراكًا وديناميكية واسعة في المشاركة في العملية الانتخابية، والأمر الآخر هو إعادة فلترة القوائم المرشحة للانتخابات لإتمام العملية الانتخابية بنزاهة وشفافية وتحقيق المستهدف منها، فقد بلغ عدد القوائم الانتخابية التي تم قبول ملفات الترشح الخاصة بها لخوض الاستحقاق التشريعي (1483) قائمة تضم (646 قائمة حزبية – 837 قائمة من المستقلين)، بعدما كانت قد وصلت إلى (2490) قائمة وتم استبعاد باقي تلك القوائم لارتباط مرشحيها بشبهات فساد.
  • انتهاج الشفافية: والذي يعتبر أحد المبادئ التي كان قد وعد بها الرئيس “تبون” في مسألة الانتخابات المقبلة، وفي ضوء المصالحة مع الحراك الشعبي الرافض للموالين للنظام السابق، وجاء رفض ترشح “أبو الفضل بعجي” الذي يشغل منصب الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني والذي يعتبر هو الحزب المهمين على الأغلبية البرلمانية لأسباب تتعلق بأداء الخدمة العسكرية، الأمر الذي حقق قدرًا من الرضاء الداخلي المسبق حول مخرجات العملية الانتخابية.

القوائم المستقلة والرهان الرئاسي

شهدت الجزائر حالة غير مسبوقة من ترشح القوائم المستقلة للانتخابات التشريعية المقبلة، حيث بلغ عددها وفقًا للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات 837 قائمة، الأمر الذي أربك المشهد الانتخابي لدى الأحزاب المختلفة، خاصة وأن تلك الأحزاب حظيت بامتيازات متعددة، منها الدعم المادي وتمويل الحملات الانتخابية الخاصة بها من جانب السلطات العامة للدولة، وهو الأمر الذي يحقق توازنًا في المعادلة التصويتية بالبرلمان في ضوء المخرجات التي ستنتج عن تلك العملية. وبالنظر إلى أبرز القوائم المستقلة يتضح أنها تتمثل في ثلاث كتل مستقلة تتمثل في “نداء الوطن” وائتلاف “الحصن المتين” و”ائتلاف المسار الجديد”، وهي القوائم التي حظيت بصورة كبيرة في دعم الدولة لها.

ولعل الهدف الجوهري لدعم تلك القوائم المستقلة والرهان عليها من جانب السلطة السياسية، هو تمكين الدولة من أغلبية رئاسية، وعدم الارتهان إلى حزب بعينه في تشكيل الحكومة المقبلة، خاصة في ظل ما نص عليه الدستور بأن الحزب الذي يحظى بالأغلبية يقوم بتسمية رئيس الحكومة، لذا فإن الرهان على القوائم المستقلة يحقق هدف تشكيل حكومة مواءمة مع التوجهات الرئاسية الجزائرية، خاصة في ظل عدم انتماء الرئيس لحزب بعينه، علاوة على فشل تحقيق ائتلاف داعم للنظام داخل المجلس الشعبي الوطني في المرحلة الراهنة، سواء أكان من الأحزاب التقليدية الموالية للنظام السابق (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي اللذان حققا فوزًا كبيرًا في الانتخابات التشريعية عام 2017، ويُعتبران محل رفض بالنسبة للشارع الجزائري) أو حتى على صعيد الأحزاب الإسلامية الأكثر تنظيميًا خلال المرحلة الراهنة وعلى رأسها “حركة البناء” أو “حركة مجتمع السلم”، لذا يكمن الرهان الحقيقي على القوائم المستقلة بالرغم من التخوفات المختلفة بشأن تعددية تلك القوائم وتنوع المنتمين إليها، إلا أنها الأفضل للسلطة تخوفًا من رجوع رجال النظام السابق للسيطرة على النافذة التشريعية، ويزيد من تعقيد المشهد الداخلي الغاضب على هذا الفصيل، أو صعود الإسلاميين وتكرار مشهد التسعينيات.

ونتيجة لهذا التوجه المستجد في الحياة التشريعية الجزائرية، ومحاولةً لكسب دعم الشريحة الشعبية الرافضة للإجراءات السياسية المختلفة ومحاولة مغازلتها؛ نجد أن هناك ثلاثة أحزاب بارزة في المعارضة قد أبدت رفضها الانخراط في العملية الانتخابية، وتتمثل في: جبهة القوى الاشتراكية، وحزب العمال والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وذلك بعلة غياب الشروط التنظيمية للمسألة الانتخابية، فضلًا عن عدم جدوى تلك الانتخابات في حل الأزمة السياسية.

إجراءات أمنية داعمة 

لم يخل الشارع السياسي من التظاهرات الأسبوعية من جانب قوى الحراك الشعبي التي ترفض بصورة كبيرة المسار الذي وضعه الرئيس “تبون” للانتقال الديمقراطي وتنفيذ خارطة الطريق، ولعل هذا الحراك بات يشهد تعقيدات متزايدة خلال الفترة الأخيرة ومساعي لتطويقه من قبل تستهدف الأمن الداخلي للدولة وتستهدف من خلاله شل الدولة وتقويض الانتخابات البرلمانية المقبلة، ولعل الإجراءات الأمنية المتسارعة التي تم اتخاذها مؤخرًا وعلى رأسها استحداث قائمة وطنية للأشخاص والكيانات الإرهابية التي من شأنها أن تعزز المنظومة القانونية لمكافحة الإرهاب وذلك بعد تصنيف حركتي “رشاد” و”الماك” كمنظمتين إرهابيتين.

واتصالًا بالسابق وقبيل موعد الانتخابات، وفي ضوء الحفاظ على إتمام عملية الانتخابات وعدم عرقلتها، أصدر رئيس أركان الجيش الجزائري “الفريق السعيد شنقريحة” أوامر لقيادات الجيش بإفشال أي مخطط أو عمل يؤثر على مسار الانتخابات، والتي تبرهن على المساعي الحثيثة للدولة في إتمام ذلك الاستحقاق الدستوري.
أخيرا، يمكن القول أن الانتخابات التشريعية الجزائرية تعد أحد أهم مرتكزات خارطة الطريق الداعمة للتحول الديمقراطي في الجزائر، وجاءت الإجراءات المختلفة التي تم اتخاذها لتفتح المجال واسعًا أمام كافة التكتلات والأحزاب للمشاركة في العملية الانتخابية تكريسًا لمبدأ تكافؤ الفرص، وعلى الأرجح فإن تلك الانتخابات ستفرز بصورة كبيرة برلمانًا هجينًا لا يمتاز فيه أي حزب بأغلبية مطلقة في ضوء غياب أي طرف سياسي يستطيع إحكام السيطرة على المشهد السياسي بالحصول على تأييد واسع من جانب الناخبين.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at