وحدة الدراسات الاقتصادية

الاقتصاد المصري: تداعيات عودة السياحة الروسية لمصر

اتفقت مصر وروسيا على استئناف جميع الرحلات الجوية بين البلدين خلال شهر يونيو، وذلك بحسب بيان للرئاسة المصرية نتيجة لاتفاق تم خلال اتصال هاتفي بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. ونص الاتفاق على استئناف الرحلات الجوية بين البلدين، وخاصة تلك الحاملة السياح الروس إلى مدينتي الغردقة وشرم الشيخ على البحر الأحمر. وكانت وكالة أنباء إنترفاكس الروسية قد كشفت بشهر أبريل 2021 أن الرحلات الجوية بين مصر وروسيا يمكن استئنافها في وقت مبكر من النصف الثاني من شهر مايو. ومن الجدير بالذكر أن الاستئناف يأتي بعد توقف دام قرابة ست سنوات. إذ فرضت روسيا حظرًا للسفر إلى مصر…

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

اتفقت مصر وروسيا على استئناف جميع الرحلات الجوية بين البلدين خلال شهر يونيو، وذلك بحسب بيان للرئاسة المصرية نتيجة لاتفاق تم خلال اتصال هاتفي بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. ونص الاتفاق على استئناف الرحلات الجوية بين البلدين، وخاصة تلك الحاملة السياح الروس إلى مدينتي الغردقة وشرم الشيخ على البحر الأحمر.

وكانت وكالة أنباء إنترفاكس الروسية قد كشفت بشهر أبريل 2021 أن الرحلات الجوية بين مصر وروسيا يمكن استئنافها في وقت مبكر من النصف الثاني من شهر مايو. ومن الجدير بالذكر أن الاستئناف يأتي بعد توقف دام قرابة ست سنوات. إذ فرضت روسيا حظرًا للسفر إلى مصر ووقف الرحلات الجوية المتجهة إليها عقب إسقاط طائرة ركاب روسية فوق شبه جزيرة سيناء في أواخر أكتوبر 2015، وهو ما أسفر عنه مقتل جميع ركابها. إلا أن الحكومة الروسية منحت إذنًا جزئيًا باستئناف الرحلات الجوية المنتظمة إلى مطار القاهرة الدولي فقط بعد انقطاع دام عامين و3 شهور في يناير 2018.

وفي خلال الأشهر الأولى من عام 2021 أجرت مصر وروسيا اتصالات على أعلى مستوى، بما في ذلك التدخل الشخصي للرئيس السيسي بشأن تسوية القضية المتعلقة بالطائرة الروسية. وهي القضية التي كانت قد رُفعت من قبل الشركة المالكة للطائرة الروسية وأهالي الضحايا في محكمة العدل الدولية في لاهاي. وتم التوصل لاتفاق بشأنها يقضي بتسويتها، وبالتالي إزالة العقبة الرئيسية أمام عودة السياحة الروسية إلى مصر.

الآثار المباشرة للقرار

يرى الخبراء الاقتصاديون بقطاع السياحة أن قرار السماح باستئناف السفر إلى مصر يعتبر محفزًا لعدد من الأسواق الأخرى في جميع أنحاء العالم وليس فقط داخل الدولة الروسية. ففي حالة الدولة الروسية يشكل استئناف رحلات الطيران الروسي إلى المنتجعات المصرية بمدن البحر الأحمر بعد أكثر من خمس سنوات من الانقطاع، خبرًا رائعًا ومبهجًا للسوق الروسي الضخم المتعطش للسفر، والذي تشير الدراسات إلى كونه لم يتوقف عن السفر بنفس وتيرة الشعوب الأخرى التي تأثرت معدلات سفرها بالأحداث العالمية المتعلقة بوباء (كوفيد-19) والاحتياطات الصحية الوقائية.

وعلى صعيد الدول الأخرى، من المتوقع أن تكون عودة الرحلات الروسية السياحية حافزًا مشجعًا لعدد من الأسواق الأخرى لاستئناف الرحلات إلى مصر. وتشمل هذه الأسواق كومنولث الدول المستقلة (CIS)، بما في ذلك بيلاروسيا وأوزبكستان وأوكرانيا وكازاخستان وجورجيا وتركمانستان ومولدوفا ودول أخرى.

وعلى الرغم من التأثير السلبي الجلي للموجات المتتالية من فيروس كورونا الجديد (COVID-19) على الطلب العالمي للسياحة في كافة الدول، إلا أن قطاع السياحة المصري بدأ بالتعافي بوضع إجراءات حازمة شجعت على عودة السياحة تدريجيًا خلال عام 2020 الفائت. وإن كان من المتوقع أن تظل السياحة الدولية المقبلة لمصر متقلبة وهو ما كان من الممكن أن يزيد من استمرار معاناة السياحة المصرية حتى سبتمبر المقبل، أي حتى يتم تطعيم نسبة كبيرة من المجتمعات المصدرة والمستقبلة للحركة السياحية. إلا أن عودة السياح الروس ستسهم بلا شك في إنعاش شركات السياحة والفنادق والمنتجعات في منطقة البحر الأحمر وشركات السياحة على العمل خلال الفترة المقبلة، حتى تستقر الأمور دوليًا.

تطور زيادة السياح الروس إلى مصر

يرى أغلب المحللين المهتمين بقطاع السياحة، أنه من غير المتوقع عودة أعداد السياح الروس بسرعة إلى نفس المستويات القياسية التي تحققت بين عامي 2010 و2015. حيث تشير الأرقام المتوقعة إلى استغراق العودة ما يقارب العامين على الأقل. وترجع تلك التوقعات إلى سببين رئيسيين: أولها أن وسيلة السفر الأكثر استخدامًا من الروس لمصر كانت الطيران العارض أو المؤجر (Charter)، الذي كانت تقوم بإدارته شركات السياحة وقت أن كانت معدلات السياحة أكثر انتظامًا. ولكن من المتوقع الآن أن يسافر السياح عن طريق رحلات طيران منخفضة التكلفة أو المنتظمة المتاحة، مع استخدام رحلات الطيران العارض للعودة تدريجيًا فقط مع زيادة الإقبال، وهو ما سيقلل من أعداد السياح القادرين على الزيارة في الشهور الأولى.

ويعود ثاني الأسباب إلى تأثير جائحة (كوفيد-19) على اقتصاديات السياحة عالميًا، وهو ما نتج عنه اعتماد القطاعات السياحية على تقديم جودة خدمية أكبر لتعويض حجم السياحة المنخفض، وهو ما يزيد من التنافسية بين جودة الخدمة المقدمة بمصر وبغيرها من الدول، مع زيادة تكلفة السفر على السائح. كما أن السياحة الروسية بعد انقطاعها عن زيارة مصر اتجهت صوب جهات أخرى مختلفة خلال الأعوام الماضية. ونتيجة لذلك، سيقوم السائح بمقارنة جودة المنتج السياحي المقدم له بالدول المستقطبة لزيارته إليها، وهو ما يضع تحديًا ويشكل ضغوطًا على القطاع السياحي المصري بإعطاء أولوية قصوى لعامل الجودة والتدريب والتسويق.

ويأتي تركيز السائح الروسي على مدن البحر الأحمر -خصوصًا- عاملًا مساهمًا في زيادة السياحة الشاطئية، إلا أنه يقلل من جودة التجربة السياحية ككل؛ حيث إنه لا يدمج هذا النوع من السياحة مع الأنواع الأخرى كالسياحة الثقافية والعلاجية والدينية.. إلخ، وهو ما يجب الدمج بينهم في برامج سياحية متكاملة أكثر تنوعًا لزيادة الميزات التنافسية. كما يجب الاستفادة من المنصات الإلكترونية للتسويق والترويج، بدلًا من الاعتماد فقط على الشركات المنظمة للرحلات.

إلا أن الجهود الضخمة التي بذلتها الحكومة المصرية خلال سنوات التوقف منذ 2015، بهدف إنقاذ قطاع السياحة، ستؤتي ثمارها إن تم استثمار ما تم إنجازه في عمليات جذب أسواق بديلة لروسيا. حيث إنه قبل عام 2014، كانت أربعة أسواق عالمية فقط تسيطر على أكثر من 75٪ من إيرادات السياحة السنوية في مصر، وهي روسيا وألمانيا وإنجلترا وإيطاليا؛ إلا أن سياسات الحكومة الترويجية نجحت في جلب أسواق غير تقليدية من دول أخرى بشكل مكثف عما سبق، منها أوكرانيا وبولندا.

فرص سياسية بالتزامن مع القرار

أوقفت روسيا، في أبريل 2021، معظم رحلاتها إلى تركيا حتى 1 يونيو، وذلك بسبب ارتفاع حالات الإصابة بفيروس (كوفيد-19) هناك. وهو ما أثر تلقائيًا على العديد من خطط السياح الروس لتقضية العطلة هناك. وتعد روسيا أكبر سوق مصدر للسياحة في تركيا، وسيشكل غياب السياح الروس في موسم الصيف المقبل مشكلة كبيرة لكثير من مالكي الفنادق هناك. ومن المتوقع أن تتجه نسبة كبيرة من تلك الخطط إلى مصر بعد فتح باب السياحة إليها.

ويذكر أنه قبل هذا القرار بيومين، كان قد التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في إسطنبول، ووعده بالدعم العسكري، وهو ما دفع إلى التكهن بربط هذا الموقف السياسي بالقرار الروسي، علمًا بأن حالات الإصابة بتركيا مرتفعة بالفعل منذ العام السابق. كما أن روسيا كانت قد اتخذت نفس القرار سابقًا في عام 2015 لأسباب سياسية، وذلك حين أسقط الجيش التركي طائرة مقاتلة روسية على الحدود مع سوريا. ورُفعت المقاطعة بعد أن سافر أردوغان إلى موسكو واعتذر عن إسقاط الطائرة.

أحجام السياحة المتوقع وفودها إلى مصر بعام 2021

وضعت وزارة السياحة والآثار المصرية حزمة من القرارات بهدف رفع جودة السياحة والخدمات المتوفرة بالجمهورية للسياح من كافة أنحاء العالم، وهي قرارات وُضعت بعد الأخذ في الاعتبار الوضع الحالي بفرصه وتهديداته المختلفة. وفيما يخص مدن البحر الأحمر، المستهدفة من السياحة الروسية، تم وضع حد أدنى لسعر الغرف من فئة 4 نجوم و5 نجوم، على أن يبدأ تنفيذ هذا القرار في نوفمبر 2021. وينص القرار على أن يكون الحد الأدنى لسعر الليلة لأي نوع من الإقامة للفرد في الفنادق محددًا بـ40 دولارًا في فنادق الخمسة نجوم، أو ما يعادله، و28 دولارًا، أو ما يعادله، في فنادق الأربعة نجوم، وذلك طبقًا لأحكام القانون رقم 1 لعام 1973.

وسيمكن القرار من تعزيز خطط ترقية الخدمة في تلك المناطق من أجل توفير سياحة مستدامة أفضل. يأتي هذا بجانب قيام الحكومة المصرية بوضع أولوية لإعطاء اللقاح إلى العاملين بالفنادق والمنشآت السياحية، خاصة تلك الموجودة بمدن البحر الأحمر مثل الغردقة وشرم الشيخ. وسينتج عن كل هذه القرارات وغيرها، طبقًا للتوقعات المدروسة، استقبال مصر 40٪ من إجمالي عدد السائحين الذين زاروا البلاد في عام 2019، البالغ 13 مليون في نهاية عام 2021. أي نحو 5 إلى 6 ملايين سائح بنهاية العام الجاري، وذلك بشرط استئناف الطيران الروسي وتمام تطبيق تلك القرارات.

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة