القواعد الجديدة لعلاقات القوى في الشرق الأوسط

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

توازن القوى هو أفضل سياسة تضمن مصالح الدول واستقرار الإقليم، فاختلال التوازن يغري على الهيمنة والعدوان ويشعل الحرب. يبدو أن دول الشرق الأوسط أدركت هذه الحكمة مؤخرا، وشرعت في التصرف وفقا لها، فبينما كانت دول المنطقة توصف لعقود بالفشل في إدارة التوازنات، فإن شيئا من هذا يتغير الآن. مقارنة بمناطق العالم الأخرى، فإن حروب وصراعات الشرق الأوسط هي الأكثر والأخطر، ومن أسباب هذا ذلك الإخفاق التاريخي لدول المنطقة في العمل وفقا لمبادئ توزان القوى، والأرجح أن يؤدي الأخذ المتزايد بسياسات التوازن إلى زيادة فرص الاستقرار والسلام في المنطقة.  من نافلة القول أن الدولة تسعى لتعظيم مواردها وقوتها، فاي سياسة تخالف…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

توازن القوى هو أفضل سياسة تضمن مصالح الدول واستقرار الإقليم، فاختلال التوازن يغري على الهيمنة والعدوان ويشعل الحرب. يبدو أن دول الشرق الأوسط أدركت هذه الحكمة مؤخرا، وشرعت في التصرف وفقا لها، فبينما كانت دول المنطقة توصف لعقود بالفشل في إدارة التوازنات، فإن شيئا من هذا يتغير الآن. مقارنة بمناطق العالم الأخرى، فإن حروب وصراعات الشرق الأوسط هي الأكثر والأخطر، ومن أسباب هذا ذلك الإخفاق التاريخي لدول المنطقة في العمل وفقا لمبادئ توزان القوى، والأرجح أن يؤدي الأخذ المتزايد بسياسات التوازن إلى زيادة فرص الاستقرار والسلام في المنطقة. 

من نافلة القول أن الدولة تسعى لتعظيم مواردها وقوتها، فاي سياسة تخالف ذلك هي سياسة غير عقلانية. لكن ما هو مقدار القوة الذي تحتاجه الدولة، وكيف يتوزع هذا المقدار بين الأشكال المختلفة للقوة، العسكرية والثقافية والاقتصادية؟ هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عليها إلا بالنظر إلى ما تفعله الدول الأخرى في الجوار، فقيام إحدى الدول بزيادة قوتها العسكرية، يفرض على الآخرين التصرف بالطريقة نفسها؛ ونجاح إحدى الدول في تعظيم نفوذها الثقافي، خاصة إذا استخدمته لتحقيق أهداف سياسية، يدفع الدول الأخرى لمحاولة اللحاق بها. توازن القوى هو علاقة التفاعل بين الدول الواقعة في نفس النطاق الأمني، أي في النطاق الذي يتأثر فيه أمن كل دولة بما تفعله الدول الأخرى وما يحدث لها؛ وعبر السنين طورت الدول خبرات ودروس مهمة في تطبيق سياسة توازن القوى، هذا بعض من أهمها. 

على الدولة الحد من تبعيتها لدولة أخرى منفردة؛ ومن الأفضل لها نسج علاقات تعاون جزئي متعددة، بما يفتح أمامها مسارات متعددة للحركة. على الدولة تجنب الوقوع في الحصار، بلا بدائل وبلا حيلة في علاقاتها حتى مع حلفائها. السياسة العراقية الراهنة تجسد هذا المبدأ أفضل تجسيد، فالحكومة العراقية تسعى للسيطرة على الميلشيات التابعة لإيران، والانفتاح على العالم العربي، والتوسط بين إيران وخصومها الإقليميين، مستهدفة تحويل العراق من ملحق بإيران إلى جسر بينها وبين الإقليم.

على الدولة أن تتجنب العزلة في الإقليم، أو أن تجد نفسها خارج نطاق التحالفات القائمة، فانعزال الدولة، ووقوفها بلا عدد كاف من الحلفاء المهمين يغري على تجاهل مطالبها والاعتداء على مصالحها وأمنها. في مبدأ تجنب العزلة تفسير للتغير في سياسة كل من تركيا وقطر. لقد تضررت تركيا كثيرا من عزلتها المتزايدة في الإقليم، فمصالحها في شرق المتوسط وشمال أفريقيا والخليج تضررت كثيرا بسبب العزلة التي فرضت عليها، والتي كان عليها أن تخرج منها بأسرع ما تستطيع. كان يمكن لقطر أن تظل عند مواقفها السابقة لسنوات قادمة لو أن تركيا لم تغادر المواقع القديمة، أما وقد قررت أنقرة التغيير، فلم يعد ممكنا بقاء قطر وحدها في عزلة. 

توزان القوى ليس نظاما للتحالفات الجامدة، مثل التي عرفناها في زمن الحرب الباردة، عندما بقي المعسكران الرأسمالي والاشتراكي على حالهما لعقود، ولولا الردع النووي لربما تحولت أي واحدة من الأزمات شديدة الخطورة التي عرفتها تلك الحقبة، بسبب حصار برلين أو نشر الصواريخ السوفيتية في كوبا، إلى حرب كبرى. 

في زمن الحرب الباردة كانت الدولة تأخذ قرارا استراتيجيا بالالتحاق بهذا المعسكر أو ذاك، وبعدها تتوقف عن اتخاذ قرارات كبرى جديدة لفترة ممتدة. على العكس من ذلك، فتوازن القوى هو مباراة ممتدة لا تتوقف أبدا، تتحقق خلالها المصلحة الوطنية عبر تراكم سلسلة متصلة من القرارات الجزئية، وليس عبر قرار واحد كبير. 

تحالفات توازن القوى هي تحالفات مرنة، تتكون وتنفض بسهولة وسرعة، دون أن يترتب على ذلك كراهية أو بغضاء، فقواعد المباراة معروفة للكافة، والجميع يطبقونها بنفس القدر من المهارة، والتحالف ليس هو الهدف، وإنما الهدف هو الحفاظ على التوازن، لأنه الشرط الضروري لضمان الأمن وحفظ السلم. 

السكون والركود يضران بالتوازن، وعلى الدول التحرك باستمرار، ولو قليلا إلى اليسار أو إلى اليمين، والغرض هو الحفاظ على التوازن. على الدولة متابعة السياسات الإقليمية بدقة، وقياس التغيرات الناتجة عن تحركات الدول في الاتجاهات المختلفة، ورصد المساحات الشاغرة التي تتركها الدول ورائها عندما تتحرك في هذا الاتجاه أو ذاك، فمن الضروري شغل المساحات الفارغة وإلا شغلتها قوى مخربة من خارج الإطار الإقليمي، بما يخل بالتوازن. عندما تحركت الدول العربية بعيدا عن سوريا بعد نشوب أزمتها الدامية، تقدمت إيران وروسيا وحزب الله لشغل الفراغ الذي نشأ، فتم إلحاق سوريا بهذه الأطراف، التي بنت لنفسها قاعدة نفوذ قوية معادية في قلب العالم العربي. بالمثل، فإنه عندما تحركت دول في الإقليم في اتجاه إسرائيل، كان على دول أخرى التحرك باتجاه الفلسطينيين، حفاظا على التوازن. 

تحالفات نظام توازن القوى هي أقرب للشبكات المتقاطعة منها للمعسكرات المتواجهة، وهذا أحد أسرار مرونتها. كلما طالت قائمة مصالح واهتمامات الدول، وكلما جرى تفتيت المصالح الكبرى إلى بنود جزئية، يمكن التفاهم حولها ومبادلتها؛ كلما زادت مرونة النظام، وزادت قدرته على التكيف مع المتغيرات، وقلت فرص انفجار الصراعات. لاحظ أنه تم تجنب الإضرار بالاستثمارات والمبادلات التجارية وحركة الطائرات بين أغلب فرقاء الإقليم طوال فترة الصراع المحتدم الاخيرة، وأظن أن هذا من بين الأمور التي سهلت التغيرات التي يشهدها الإقليم حاليا. 

سياسات توازن القوة ليست ترتيبا مؤسسيا، يدار بطريقة روتينية تزيد فيها الإدارة عن السياسة. توازن القوى هو عملية سياسية متصلة ودائمة، للتموضع وإعادة التموضع؛ فتتحرك الدولة من موضع إلى آخر في علاقتها بالأطراف الأخرى، في تحركات تدريجية متواصلة، وليس انقلابات ثورية مفاجئة، فالموضع الذي تغادره الدولة اليوم، قد تعود إليه غدا، وعلى الدولة أن تتهيأ طوال الوقت للانتقال التالي إلى موضع جديد.

____

نقلا عنن جريدة الأهرام ١٠ يونيو ٢٠٢١.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب