وحدة الدراسات العربية والإقليمية

ضغوط وتحديات: هل ينجح الكاظمي في مكافحة الفساد بالعراق؟

تسعى حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي التي تسلمت السلطة في أبريل 2020، إلى مواجهة التحديات التي تواجه العراق، واتضح ذلك في طرح رؤيته للإصلاح الممثلة في الورقة البيضاء، لكن ظل التنفيذ على أرض الواقع مرهونًا بعوامل كثيرة داخلية وخارجية، غير أن رؤية الكاظمي مرتبطة بمحاولة استعادة بلاد الرافدين إلى محيطها العربي وإحداث توازن في علاقاتها الخارجية. ويواجه مشروع الكاظمي قوى كبرى تمتلك نفوذًا على الساحة، أرهق الدولة العراقية وما يزال، لكن الجهود المبذولة كبيرة أمام تحديات أكبر ومن ثم قد تبقى على المدى القصير، لكن على المدى الطويل لن تستمر لا سيما في ظل معطى قريب هو الانتخابات النيابية القادمة…

رحاب الزيادي

تسعى حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي التي تسلمت السلطة في أبريل 2020، إلى مواجهة التحديات التي تواجه العراق، واتضح ذلك في طرح رؤيته للإصلاح الممثلة في الورقة البيضاء، لكن ظل التنفيذ على أرض الواقع مرهونًا بعوامل كثيرة داخلية وخارجية، غير أن رؤية الكاظمي مرتبطة بمحاولة استعادة بلاد الرافدين إلى محيطها العربي وإحداث توازن في علاقاتها الخارجية. ويواجه مشروع الكاظمي قوى كبرى تمتلك نفوذًا على الساحة، أرهق الدولة العراقية وما يزال، لكن الجهود المبذولة كبيرة أمام تحديات أكبر ومن ثم قد تبقى على المدى القصير، لكن على المدى الطويل لن تستمر لا سيما في ظل معطى قريب هو الانتخابات النيابية القادمة في العراق، وهي فرصة لمن يريد الإطاحة بالكاظمي، لكن في حال استمرار الكاظمي قد يستمر في جهوده مع بقاء معادلة عدم الاستقرار في العراق. ضمن هذا الإطار سوف يتم التركيز هنا على بيئة الفساد الراسخة، وجهود الكاظمي في مواجهة ذلك، وهل تصمد أم لا؟ بل هل تنجح أم لا؟.

فساد راسخ

يحتل العراق، وفقًا لمنظمة الشفافية الدولية في تقرير عام 2020، الترتيب 160 من بين 180 دولة بمعدل 21 وفقًا لمؤشر مدركات الفساد، حيث يترسخ في العراق إرث كبير من الفساد وعلى رأسه نظام المحاصصة الطائفية الذي عزز الطائفية والمحسوبية. ومنذ سقوط نظام صدام حسين تعاقبت الحكومات وتصاعدت الاحتجاجات ضد هذا الفساد؛ نتيجة ارتفاع معدلات البطالة، والاعتماد على النفط، وضعف الثقة بين المواطن والدولة، إلى أن جاء الكاظمي في مايو 2020 وطرح رؤيته للإصلاح “الورقة البيضاء“، لكن ما زالت التحديات قائمة من حيث انتشار المليشيات والمؤسسات الضعيفة غير المؤهلة للإصلاح، ووجود أصحاب المصالح الراغبين في الحفاظ على الوضع القائم.

وقد خلقت سنوات نظام البعث في عهد صدام حسين بيئة سياسية غير صحية من حيث المحسوبية والولاء الطائفي والحزبي، بما يكرس لوجود مؤسسات ضعيفة، حيث يتم شغل المؤسسات على أساس الولاء الطائفي، حيث تئول الرئاسة للأكراد، ومجلس النواب للسنة، ورئاسة الوزراء للشيعة، وتحصل كل كتلة على الوزرات المختلفة وميزانياتها.

أيضًا أسست سنوات البعث اقتصادًا تسيطر عليه الدولة، وقطاعًا خاصًا ضعيفًا تشير التقديرات إلى أن 62% من الشركات الخاصة غير مسجلة رسميًا، إضافة إلى أن القطاع الخاص أصبح غير قادر على استيعاب العاملين، وهو ما خلق حالة من الإحباط لدى الشباب ونوعًا من الضغط على القطاع العام. كما أدى سوء الإدارة والبيروقراطية إلى تضخم القطاع العام الذي يوظف 42 % من القوى العاملة بمرتبات ومعاشات تمثل 45% من الإنفاق الحكومي. ويعتمد التوظيف في القطاع العام على الروابط العائلية أو القبلية أو الطائفية، كما أدى الاعتماد المفرط على النفط والاقتصادي الريعي إلى صعوبة التنويع؛ حيث يأتي أكثر من 90٪ من الإيرادات الحكومية من النفط، وتشكل صادرات النفط أكثر من 95٪ من عائدات الدولة وأكثر من 57٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما جعل البنك الدولي يصنف العراق على أنها “أكثر دولة تعتمد على النفط في العالم”. ووفقًا لبعض التقديرات فإن العراق استنزف ثروته فهناك ما بين 125 مليار دولار و300 مليار دولار يحتفظ بها العراقيون في الخارج وتم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة.

هذا بالإضافة إلى سيطرة المليشيات على الكثير من التجارة عبر الموانئ البحرية الجنوبية للعراق لأكثر من عقد تدير المليشيات حالة الظل، وتفرض على المستوردين رسومًا أعلى مقابل المعالجة والتسليم، لديهم لجان اقتصادية لها مكاتب في بغداد، حيث يمكن للشركات الخاصة أن تعقد صفقات تتحايل على القنوات القانونية للدول، وجدت العديد من الدولارات طريقها إلى مبيضي الأموال والجماعات الإرهابية والحرس الثوري الإيراني، عن طريق البنك المركزي العراقي من خلال ما يُسمى بمزاد الدولار. وقد سبق وأن طُرحت جهود للإصلاح في عهد حيدر العبادي، لكن البرلمان رفض تلك الجهود وواجه العبادي معارضة كبيرة داخل الكتلة الشيعية، وعليه يواجه العراق نظامًا فاسدًا برمته من حيث تعزيز الطائفية بدلًا من تعزيز مصلحة الدولة الوطنية.

إدراك الكاظمي

منذ مجيء الكاظمي إلى السلطة وهو يحاول استعادة العراق إلى محيطه العربي ومحاولة تحقيق توازن، وجاء على رأس جهوده “مشروع الشام الجديد” بين مصر والعراق والأردن والذي سيعود بالنفع على الدول الثلاث، حيث يستفيد العراق من جهود مصر في التنمية خلال السنوات الماضية، من حيث المساهمة في إعادة إعمار العراق.

من ناحية أخرى، تم إدخال نظام صرف الرواتب الإلكتروني في جميع الإدارات الحكومية، بالإضافة إلى إقرار مجلس النواب قانون الإدارة المالية في مايو 2019، والذي يرسخ للشفافية المالية والحد من الإنفاق خارج الموازنة، يضاف إلى ذلك إنشاء المجلس الأعلى لمكافحة الفساد للعمل مع هيئة النزاهة البرلمانية لتعزيز قوانين وسياسات مكافحة الفساد.

أيضًا شكّل الكاظمي في أغسطس 2020 لجنة للتحقيق في قضايا الفساد، وتضم قضاة وممثلين عن جهاز المخابرات الوطني وجهاز الأمن القومي وجهاز مكافحة الإرهاب، وتتولى اللجنة سلطة إجراء الاعتقالات ومصادرة الأدلة، وظهرت بوادر عملها في القبض على بعض الشخصيات البارزة بتهم الفساد وغسيل الأموال، بما في ذلك مدير الهيئة الوطنية للتقاعد أحمد السعدي، وصدر حظر للسفر بتهم تتعلق بالفساد ضد وزير الكهرباء السابق لؤي الخطيب.

على الجانب الآخر، قدم مشروع قانون عائدات الفساد من قبل الرئيس برهم صالح بهدف استعادة الأموال المهربة، حيث يهدف إلى استرداد الأموال من كل الذين صدرت بحقهم أحكام غيابية أو حضورية، بالتعاون مع صندوق استرداد أموال الدولة، بما سيمنح الجهات الرقابية والتنفيذية صلاحيات أوسع لمحاسبة المفسدين وملاحقة الأموال المهربة.

كما سبق وأن أصدر البنك المركزي العراقي، في 28 أغسطس 2020، قرارًا بتجميد أرصدة 9 مسئولين، من بينهم شخصيات مقربة لـنوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق، وقد تضمن القرار حجز أموال كل من: ياسر صخيل، ولقمان صخيل، وعقيل الطريحي محافظ كربلاء السابق، مما يعني ذلك المواجهة مع رئيس ائتلاف دولة القانون، وهو من يمد العديد من المليشيات المسلحة بالمال.

أيضًا اتخذ الكاظمي إجراء بتجميد الرواتب والمخصصات الممنوحة لمحتجزي رفحاء لترشيد النفقات نتيجة التحديات الاقتصادية التي تواجه الدولة، لكن هذه الإجراءات على المدى القصير سوف تواجه حراكًا في الشارع من وقت لآخر، رفضًا للضغوط الإصلاحية التي يجريها الكاظمي وكذلك من القوى المستفيدة من الوضع القائم في العراق، وعلى رأسهم نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق، وعمار الحكيم رئيس تيار الحكمة، اللذان اتخذا موقفًا مضادًا لهذه الإجراءات، ورغبة في عرقلة مشروع الكاظمي، والذي يهدف إلى تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي على كافة المستويات من خلال ضبط المنافذ الحدودية والسيطرة عليها من خلال جهاز مكافحة الإرهاب، وإعفاء بعض الشخصيات السياسية من السيطرة على المصارف الأهلية والمؤسسات المالية.

ويحاول الكاظمي تنويع مصادر الإيرادات من خلال دعم القطاعات المختلفة (الزراعة أو الصناعة)، وتعزيز التعاون الإقليمي حيث الاتجاه عربيًا، بما يعزز التعاون في مجالات الطاقة والغاز والكهرباء وتحلية المياه، وهناك مؤشرات تعاون بين العراق والسعودية من خلال استثمار القرب الجغرافي في منطقة بادية أنبار السماوة للشراكة الزراعية، وإقامة ميناء جاف في إحدى المدن العراقية على غرار الميناء الجاف في الرياض، ومحاولة الربط بين إنشاء قناة جافة وأحد الموانئ السعودية عبر البحر الأحمر.

ويحاول تحقيق توازن بين كافة القوى، ويبدو من الحوار الاستراتيجي الذي تم بين الكاظمي والرئيس ترامب في أغسطس 2020 والاتفاق على مغادرة بعض القواعد العسكرية العراقية، وخفض القوات القتالية في العراق، على أن يتم الاتفاق على إدارة التوقيتات في محادثات أخرى قد تحقق بعض الشيء، وأن الدور الأمريكي حقق أهدافه، لكن قبول إيران بذلك آنذاك هو نتيجة الضغوط الملقاة على عاتقها من حيث الاتفاق النووي والضغوط الاقتصادية والعقوبات المفروضة عليها، لكنها تمتلك أوراق الضغط والتصعيد من خلال الحشد الشعبي، وكل من إيران والولايات المتحدة يراقبان بعضهما في العراق، ويدرك الأخير أن أي إخلال بالأمن الأمريكي يرتب عقوبات سياسية واقتصادية على العراق، والدولة لا تتحمل ذلك، كما أن هناك ضغوطًا إيرانية من حيث التصعيد المستمر من آن لآخر، لكن الكاظمي حاول الحفاظ على مصلحة الدولة الوطنية.

لكنّ المدة المتبقية على الانتخابات العراقية في حال إجرائها في أكتوبر القادم، هي قصيرة بالنسبة لمشروع الكاظمي في العراق في حال عدم بقائه، وتستمر معادلة عدم الاستقرار نظرًا لأن العراق رقم هام بالنسبة لإيران وكذلك للولايات المتحدة، وبالتالي في حال عدم تحقيق مصلحة أحدهما فسيؤثر ذلك بالسلب على الداخل العراقي، سواء من خلال تصعيد إيران أو من الولايات المتحدة. فالعراق ورقة ضغط تستخدمها إيران تجاه الولايات المتحدة من وقت لآخر، وتستخدم المليشيات ضد الوجود الأمريكي في العراق، بالإضافة إلى أنها محور هام لمشروع الهلال الشيعي الإيراني، ورقم هام في تحقيق توازن القوى الإقليمي بالنسبة لها، ويعزز من هيمنتها ويخدم استراتيجياتها الإقليمية، وهو ما يجعل إيران حريصة على أن يكون لها نفوذ في الحكومة العراقية.أخيرًا؛ يمكن القول إن جهود الكاظمي لمكافحة الفساد في العراق سوف تواجه بعض العراقيل والتحديات، وهو ما ظهر على مستوى التصعيد داخل العراق من آن لآخر، لكن يبقى عامل هام سوف تحدده نتائج الانتخابات القادمة في حال استمرار الكاظمي أو مغادرة السلطة ومجيء شخصية أخرى سوف تعيد تغيير المشهد، أو أن الكاظمي سوف يستمر في السلطة ويصمد في مواجهة ضغوط الداخل والخارج. بلا شك، إن مبادرات الكاظمي لمواجهة الفساد في العراق مثلت مصدر قلق للبعض، مما خلق مزيدًا من التهديدات في الداخل، بالإضافة إلى محاولة بناء حائط صد للحفاظ على الوضع القائم.

رحاب الزيادي