وحدة التسلح

التحليل الاستراتيجي العسكري لحرب غزة الرابعة

منذ الانتفاضة الثانية عام ٢٠٠٠، كانت الاشتباكات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي تتصاعد بمعدل كل عامين أو أربعة تقريبًا، ثم مضت سبع سنوات حتى وقعت المعركة الأخيرة في مايو ٢٠٢١ التي تعد المعركة الأكبر خلال الحقبة الماضية. جميع هذه الاشتباكات سبقتها مقدمات سياسية تكاد تكون متشابهة، فقد سبقت الاشتباكات الأخيرة مقدمات سياسية ممثلة في إجراء الانتخابات، سواء الفلسطينية المجمعة بين الضفة الغربية وغزة من جهة، أو الانتخابات الإسرائيلية الأكثر حرجًا لنتنياهو من جهة أخرى، وقد زادت تلك المواجهة العسكرية من احتمال تأجيل الانتخابات الفلسطينية المجمعة أو إلغائها، وربما لاقى ذلك ارتياحًا غير معلن من قيادة حماس والجهاد الإسلامي في غزة لاستمرار…

لواء دكتور/ محمد قشقوش

منذ الانتفاضة الثانية عام ٢٠٠٠، كانت الاشتباكات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي تتصاعد بمعدل كل عامين أو أربعة تقريبًا، ثم مضت سبع سنوات حتى وقعت المعركة الأخيرة في مايو ٢٠٢١ التي تعد المعركة الأكبر خلال الحقبة الماضية. جميع هذه الاشتباكات سبقتها مقدمات سياسية تكاد تكون متشابهة، فقد سبقت الاشتباكات الأخيرة مقدمات سياسية ممثلة في إجراء الانتخابات، سواء الفلسطينية المجمعة بين الضفة الغربية وغزة من جهة، أو الانتخابات الإسرائيلية الأكثر حرجًا لنتنياهو من جهة أخرى، وقد زادت تلك المواجهة العسكرية من احتمال تأجيل الانتخابات الفلسطينية المجمعة أو إلغائها، وربما لاقى ذلك ارتياحًا غير معلن من قيادة حماس والجهاد الإسلامي في غزة لاستمرار الرغبة في الاستقلال عن القيادة الفلسطينية في رام الله بدعوى أن هذا هو محور المقاومة الفلسطينية المتبقي ضد إسرائيل. أما على الجانب الإسرائيلي فقد أرجأت تلك المواجهة تشكيل الحكومة المؤقتة بقيادة “يائير لابيد”، كما أرجأت وربما أنقذت نتنياهو من المحاكمة التي غالبًا كانت ستُفضي إلى سجنه فيما نسب إليه من فساد.

مؤشرات الصراع الصاروخي الغزاوي والمضادات الإسرائيلية

أولًا- الجانب الفلسطيني:

١. زيادة عدد الصواريخ والقدرة على الاستمرار: وذلك بالنسبة لصواريخ (القسام)، وتطورها تحت أسماء جديدة تحمل صبغة إيرانية، والتي تم إطلاقها خلال المعركة بأعداد كبيرة تراوحت بين ٣٥٠٠-٤٠٠٠ صاروخ، وربما بالَغ الجانبان في الأعداد الحقيقية، فالجانب الغزاوي يريد إظهار مدى القوة والكثافة والقدرة على الاستمرار كنوع من الردع بالشك، والجانب الإسرائيلي يريد استعداء العالم على حماس من جهة، ولإظهار حجم المجهود الدفاعي لتأمين المواطنين الإسرائيليين من جهة أخرى.

٢. زيادة كثافة الإطلاق مقارنة بأيام الذروة في الفترة بين ٢٠١٤ و٢٠٢١، حيث بلغت حوالي (١٨٠-٢٠٠) صاروخ/ يوم في الأولى، و(٦٥٠-٧٠٠) صاروخ/ يوم في الأخيرة.

٣. زيادة مدى الصواريخ: زاد مدى الصواريخ ليتجاوز المستعمرات القريبة كالسابق، ووصل إلى عسقلان وتل أبيب شمالًا، وإلى مطار اللد (بن جوريون) وقاعدة حاتسوريم الجوية شرقًا، وإلى بئر سبع ورامون جنوبًا.

٤. ضَعف دقة الإصابة: وذلك نظرًا لبدائية أجهزة التوجيه إلى حدٍّ كبير، مع زيادة ضعف معدلات الدقة كلما زاد المدى، حيث يتم الاعتماد على الإطلاق الكثيف والضرب المساحي، للتغلب على عدم دقة التصويب.

التحليل العسكري للقوة الصاروخية الغزاوية 

١. زيادة عدد الصواريخ: يعكس إما زيادة قدرة البنية التحتية لإنتاج الصواريخ، أو أن هذا التراكم نتيجة طول المدة الزمنية منذ آخر مواجهة عام ٢٠١٤.

٢. زيادة كثافة الإطلاق: إما لزيادة معدل الإنتاج الصاروخي، أو للتخلص من فائض المنتج المخزن منذ عام ٢٠١٤ حتى لا تتراجع صلاحيته أو يفقد عمره الافتراضي.

٣. إطالة المدى ودقة التصويب نتيجة تعديل التصميم، والاعتماد بشكل أكبر على الوقود الصاروخي، وهو إما جاف أو سائل، والأرجح أنه جاف لإمكانية تصنيعه محليًا مقارنة بأنه أقل صعوبة من تصنيع الوقود السائل. أما دقة التوجيه والتصويب فلم يطرأ عليها الكثير لصعوبة توفير تلك الأجهزة محليًا أو استقدامها من الخارج، وحتى في حالة ذلك ستبقى مشكلة المواءمة فيما بينها وتلك الصواريخ الغزاوية محلية الصنع، حيث تعتمد التكنولوجيا المتقدمة دوليًا على مثلث (الصاروخ الذكي – الهدف – القمر الصناعي) بيما تعتمد الصواريخ الغزاوية على الخريطة والبوصلة والمسافة.

٤. دعم بعض العلماء الأجانب من جذور فلسطينية: حيث عاد البعض منهم من أمريكا وأوروبا، ورغم أنها أمثلة محدودة لكنها تصنع الفارق العلمي الذي يؤثر في العديد من المجالات ومنها التصنيع العسكري.

٥. الدعم المادي والتقني: ربما انتهى الدعم المادي منذ أحكمت مصر قبضتها بنسبة كبيرة على الأنفاق (غزة – رفح)، سواء بالهدم أو الإغراق المائي، أما الدعم التقني، فيمكن أن يكون مستمرًا بين بعض الكوادر الغزاوية وبين الحرس الثوري الإيراني، سواء في إيران أو قطر أو جنوب لبنان، وقد يركز على تصنيع المكونات الحرجة مثل (طابات التفجير) ووقود الدفع الصاروخي والمواد شديدة الانفجار داخل الصاروخ. ويعتمد ذلك على مواد أولية مزدوجة الاستخدام (مثل: الأسمدة، بعض الكيماويات، البطاريات الجافة المستنفدة.. إلخ)، أما جسم الصاروخ المعدني فيعتمد على الحديد من مواد البناء، سواء الجديدة أو الخوردة، كما سيتم مع المباني المنهارة، وأن ذلك يحتاج جهدًا تقنيًا كبيرًا.

٦. الصواريخ المتاحة ومدياتها المتوسطة: القسام ٣٥ كم، القدس طراز ١٠١، وسجيل طراز ٥٥ حتى ١٠٠ كم، وعياش الأحدث والأطول ٢١٠ كم بعد تجربته الأخيرة.

7- لم تتوفر معلومات كافية عن استخدام حماس للطائرات بدون طيار (درونز).

ثانيًا- الجانب الإسرائيلي:

كان الصراع دفاعيًا بواسطة القبة الحديدية في مواجهة صواريخ القسام وتطوراتها، كما كان هجوميًا بواسطة القوات الجوية بكثافة مع إشراك بعض المدفعيات وخاصة الهاونات (المورتر)، أما دور القوات البحرية في مواجهة الساحل الغزاوي فهو غير واضح بدرجة كافية يمكن تحليلها. وفي هذا الإطار يمكن الخروج بعدد من المعطيات على النحو التالي:

١. القبة الحديدية: بدأت فكرتها جديًا عام ٢٠٠٧ بعد تراشقات عام ٢٠٠٦، وخرجت لحيز الوجود بمعاونة أمريكية عام ٢٠١٠، وبدأت باسم القبة الذهبية وانتهت بالحديدية كناية عن القوة الصلبة، وتتكون من:

صواريخ باتريوت الأمريكة: لاعتراض الارتفعات المتوسطة.

صواريخ أرو-وحيتس الإسرائيلية: لاعتراض الارتفاعات العالية والمنخفضة (وخططت أمريكا لشرائهما لصالح قبة الخليج الحديدية المزمعة).

٢. تقييم أداء المعترضات الإسرائيلية بالاتجاهات والارتفاعات، كالتالي:

شرق غزة: الارتفاعات العالية لم تختبر، أما المتوسطة والمنخفضة فأدت بشكل جيد عدا ضد كثافة الإطلاق، أما المنخفضة جدًا فكانت الأقل نجاحًا نتيجة انخفاض خط المرور من سطح الأرض، وقلة زمن المرور مقارنة بحسابات الاعتراض، وخاصة أعلى نقطة لخط سير الصاروخ وهي المثالية للاعتراض.

شمال غزة: نجحت نسبيًا في الارتفاعات المنخفضة من سابق خبرة مهاجمة أشدود عام ٢٠١٤، وكانت أقل نجاحًا في المنخفضة جدًا كما سبق، ولكنها فشلت وتفاجأت بالارتفاعات المتوسطة التي تجاوزت في اتجاه عسقلان وشمال وشرق تل أبيب.

– جنوب غزة: فشل الاعتراض العالي والمتوسط نتيجة المفاجأة في هذا الاتجاه (إلى بئر سبع)، ورغم محدودية عدد الصواريخ الطويلة (عياش ٢٥٠ كم) وعدم دقة الإصابة، إلا أنها كانت رسالة مزعجة للإسرائيليين في اتجاه إيلات ومطار رامون، مرورًا بقرب أكبر مفاعل نووي في ديمونة.

٣. تقييم الهجمات الجوية الإسرائيلية:

استخدمت إسرائيل طائراتها عالية التقنية، ف/ ١٥-١٦-٣٥ مع صواريخ وقنابل ذكية ضد أهداف منتقاة تم رصدها بأعمال استخباراتية، ولكن ذلك لم يؤمن المباني المجاورة، كما أن استهداف طابق في البنايات العالية قد أسقط ما فوقه مما زاد من الخسائر المدنية، وقالت إنها استهدفت العديد من كوادر حماس والجهاد الإسلامي والعديد من الأنفاق وبعض مواقع الإطلاق من وضع المظلة الجوية للطائرات.

٤. تقييم قصفات المدفعية والهاونات الإسرائيلية: 

اقتصر استخدام المدفعية على الأهداف المساحية حيث النزوح الغزاوي الداخلي إلى المناطق المفتوحة والزراعية، أما الهاونات (المورتر) فاستخدمت على نطاق أكبر لإصابة الأهداف خلف المباني أو السواتر.

ثالثًا- مستقبل الصراع بين الصواريخ الغزاوية والمضادات الإسرائيلية:

الخطوات الغزاوية المنتظرة

١. الصواريخ: التركيز بصورة أساسية على المديات المتوسطة (٥٠-١٠٠) وبنسبة أقل على المديات الطويلة (لكبر تكلفتها واحتياجها لخامات أكبر) وذلك لاستهداف أهداف نوعية استراتيجية تظن إسرائيل أنها بعيدة (المطارت وخاصة العسكرية، موانئ بحرية، منطقة ديمونة، البنى التحتية للغاز والبترول أرضًا وبحرًا) والاكتفاء بنسبة أقل من الصواريخ قصيرة المدى ضد المستعمرات القريبة، مع تقصير زمن الإطلاق لتفادي استهداف الطيران الإسرائيلي لمواقع الإطلاق.

٢. الأنفاق: استمرار التنفيذ بهدف تأمين تخزين الأسلحة والصواريخ، وكملاجئ لحماية الأفراد (مع نظم تهوية) بديل للبدرومات التي تتحول إلى مقابر جماعية في حالة انهيار العقارات، مع إمكانية الظهور المفاجىء خلف القوات البرية الإسرائيلية حالة هجومها في اتجاه الحدود الغزاوية.

٣. المواد الأوّلية: توقع محاصرة وتفتيش إسرائيلي أدق تجاه العمالة الغزاوية، وفرز للمواد اللوجستية التي يمكن استخدامها عسكريًا (حتى ٦٠٠ شاحنة/يوم من إسرائيل إلى غزة)، وكذلك المنفذ اللوجيستي من مصر إلى غزة من معبر (بير روض سالم).

الخطوات الإسرائيلية المنتظرة

استنادًا لتحليل المعطيات الراهنة يمكن إجمال أبرز الخطوات الإسرائيلية المنتظرة فيما يلي:

١. تطوير وتوسيع منظومة الاعتراض على نطاقين متتاليين: حيث ثبت عدم كفاية ما هو موجود حاليًا شرق وشمال شرق غزة، والحاجة إلى إنشاء قوس اعتراض جديد أكثر عمقًا لمواجهة الصواريخ الفلسطينية بعيدة المدى والقابلة للتطور مستقبلًا.

٢. إخلاء أو زيادة تأمين بعض الأهداف الاستراتيجية: تم إخلاء جزء من بنية الطاقة في عسقلان إلى حيفا، كما أوقفت شركة (شيفرون) الأمريكية العمل في حقل غاز تمارا شرق المتوسط وإخلاء العاملين به عدا عناصر التأمين. وتبقى معضلة مفاعل ديمونة النووي، هل يُنقل وإلى أين؟ أم حفر أنفاق (على الطريقة الغزاوية) بعمق كبير للوقاية، أم ماذا؟ إنه حقًا مأزق كبير.

٣. في حالة التعرض لهجوم صاروخي متزامن بين حماس وحزب الله: كيف ستواجه إسرائيل هذا المأزق (الافتراضي)، في ظل ما يملكه الأخير من ترسانة صاروخية إيرانية متطورة وبعيدة المدى في جنوب لبنان، حيث نُقلت من القوات الإيرانية في سوريا عبر الحدود اللبنانية خلال الفترة (٢٠١٤-٢٠١٦).

الخلاصة

استنادًا لما سبق يمكن استخلاص العديد من النتائج الهامة، منها أن تلك الجولة لن تكون الأخيرة في سلسلة الصراع، ولكن ربما تحظى بفترة هدوء أطول لإعطاء المجتمع الدولي وخاصة الإدارة الأمريكية الجديدة الفرصة لإيجاد حلول مناسبة للقضية بالتعاون مع القوى الإقليمية كما تم مع مصر لوقف إطلاق النار ثم إرسال وفد مصري للتباحث مع الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية، لإمكانية العودة إلى المرجعيات والقرارات الدولية لعدم تكريس الأمر الواقع وضم إسرائيل لباقي الأراضي الفلسطينية كما فعلت وتفعل حاليًا.

وعلى المستوى العسكري من المتوقع أن تزيد إسرائيل من قدراتها الدفاعية الاعتراضية بزيادة المواجهة والعمق الجغرافي، ومواجهة معضلة تأمين الأهداف الاستراتيجية التي غطتها الصواريخ الغزاوية بعيدة المدى بما فيها مفاعل ديمونة النووي وحقول غاز شرق المتوسط، كما ستستمر غزة في تطوير قدراتها الصاروخية وخاصة بعيدة المدى، رغم توقع حصار شديد وتفتيش الإمدادات اللوجستية الإسرائيلية إلى غزة وشبيهتها من سيناء عبر معبر روض سالم ليبقى الصراع بين إرادة الاحتلال وإرادة المقاومة لاسترداد الحق، والتي ستنتصر في النهاية -بإذن الله- مهما طال الزمن.

لواء دكتور/ محمد قشقوش