الحكومة الإسرائيلية الجديدة

رئيس الهيئة الإستشارية

المتغيرات في الشرق الأوسط لا تكف عن الحركة، وبدايتها دائما الساحة الداخلية للدول والكيانات السياسية حيث تتفاعل قوي كثيرة لكي تنتج نتائج مفاجئة. التغيير الذي يفرض نفسه الآن على الساحة السياسية للإقليم هو ما حدث في إسرائيل مؤخرا عندما فرضت الأحداث الداخلية نفسها رغم ما جري من حرب في غزة لا تزال آثارها جارية. والنتيجة هي تشكيل وزارة جديدة تعلن أكثر من مفاجأة للجانب العربي وهي أن نتنياهو سوف يخرج من منصبه الذي استمر فيه لإحدى عشر عاما كرئيس للوزراء. والنتيجة الأخرى هي أنه لن تكون هناك انتخابات خامسة كما كان متوقعا كحل لأزمة سياسية مستمرة تستعصي على الحل كما…

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

المتغيرات في الشرق الأوسط لا تكف عن الحركة، وبدايتها دائما الساحة الداخلية للدول والكيانات السياسية حيث تتفاعل قوي كثيرة لكي تنتج نتائج مفاجئة. التغيير الذي يفرض نفسه الآن على الساحة السياسية للإقليم هو ما حدث في إسرائيل مؤخرا عندما فرضت الأحداث الداخلية نفسها رغم ما جري من حرب في غزة لا تزال آثارها جارية. والنتيجة هي تشكيل وزارة جديدة تعلن أكثر من مفاجأة للجانب العربي وهي أن نتنياهو سوف يخرج من منصبه الذي استمر فيه لإحدى عشر عاما كرئيس للوزراء. والنتيجة الأخرى هي أنه لن تكون هناك انتخابات خامسة كما كان متوقعا كحل لأزمة سياسية مستمرة تستعصي على الحل كما تقاوم بقوة الاختفاء. والنتيجة الثالثة أن إسرائيل لم تخرج من اليمين إلى اليسار أو من اليمين إلي الوسط وإنما من اليمين إلي اليمين الآخر؛ فرغم صغر حجم إسرائيل مساحة وسكانا، فإنها مقسمة إلي شرائح كثيرة بين اليمين واليسار. وكل منها لديه الطموح لكي يحكم بشكل أو بآخر، ويساهم في تقدم الدولة المبعثرة الولاءات السياسية ومع ذلك تتقدم وتستمر وتستعمر. وهنا تأتي النتيجة الرابعة، والمفاجئة أيضا، أن الوزارة الجديدة والتي سوف يرأسها “نفاتالي بينيت” رئيس حزب “يا مينا” (اليمين الجديد) هو إجراء سوف يتغير بعد عامين عندما يتولى “يائير لابيد” رئيس حزب “يائيش آتيد” (هناك مستقبل) رئاسة الحكومة الإسرائيلية. النتيجة الخامسة هي أنه أيا من كان رئيسا للحكومة، وأيا ما كان الوقت الذي يتم فيه الحكم، فإننا سوف نواجه رسميا على الأقل بأكبر تحالف عرفته إسرائيل حيث سيضم من اليسار حزب العمل، ومن أقصي اليسار حزب “ميرتس”، ومن يمين الوسط “بني جاتس” وحزب “أبيض وأزرق”، ومع هذا كله ولأول مرة في التاريخ حزب “القائمة العربية الموحدة” بقيادة منصور عباس في أول تطبيق عملي لفكرة الدولة العربية الإسرائيلية الواحدة بين الفلسطينيين واليهود. 

حتى لحظة كتابة المقال، لم يكن معلوما أي اتفاق بين هذه الأطراف جميعها أو برنامج عمل أو وجهات نظر مشتركة، اللهم إلا في نقطتين: ضرورة إسقاط نتنياهو، وعدم إجراء انتخابات خامسة. هذا الازدحام داخل التحالف سوف يجعل من تشكيل الحكومة عملية بالغة الصعوبة، ولكنها ليست مستحيلة، لأن الأوزان النسبية في “الكنيست” – البرلمان – للأحزاب معروفة، وغنائم السلطة السياسية أيضا محددة، وعلى ذلك سوف يكون التفاوض وبناء الصفقات. فلا أحد سوف يريد الرجوع عن التحالف وهو في منتصف الطريق إلى السلطة؛ ولا أحد يريد لنتانياهو الذي سوف ينتقل إلى المعارضة ومعه أكبر كتلة برلمانية متماسكة أن يفجر التحالف أو حتي السياسة الإسرائيلية. أيا ما كان الحال داخل إسرائيل فإن القدرة على اتخاذ القرار عامة سوف تكون صعبة؛ ولكن الاستثناء سوف يكون ما اتفقت عليه المؤسسات الأمنية الإسرائيلية، واتفاقها هذا كان هو ما استقر عليه الأمر في حرب غزة الرابعة، وما انتهت إليه من وقف إطلاق النار، وما انتهي إليه الأمر من آليات لتثبيت الحال، والتفاوض حول تبادل الأسري، وما يستقر عليه الأمر في تعمير غزة مرة أخري. ما يلي ذلك فيما يتعلق بمستقبل المفاوضات و”عملية السلام” سوف يكون في علم الغيب، وما نعلمه أن الحزبين الرئيسيين يعارضان حل الدولتين، ويشجعان بدرجات مختلفة الاستيطان، ويقفان ضد إقامة دولة فلسطينية، ويريدان الاقتراب من الولايات المتحدة، وبالطبع الحفاظ على التحالف الذي تم التوصل إليه لتحقيق الهدفين المشار إليهما سابقا. 

هذه الحالة السياسية الإسرائيلية ليست جديدة على المخضرمين في التعامل مع إسرائيل، وتولي القيادة الإسرائيلية عن طريق حكومة مشتركة حدثت من قبل بين الليكود والعمل، وحدث الاقتسام في رئاسة الحكومة بين شامير وبيريز في الثمانينيات من القرن الماضي. ومن اليمين اعتدنا على بيجين وشامير ونتنياهو بالطبع، وفي الوسط واليسار على رابين وبيريز وباراك؛ ولكن هذه الحكومة الجديدة سوف تكون جديدة في كل شيء من أول تشكيلها وحتى ممارساتها للسياسة الإقليمية والدولية في لحظة حرجة بالحرب التي جرت، ونتائجها العالمية التي ولدت قوي جديدة تنتقد إسرائيل حتى في الولايات المتحدة الأمريكية واليهود في الغرب. نجوم المرحلة المقبلة ثلاثة: “إسحق هيرتزوج” رئيس الدولة الإسرائيلية الجديد، وهي رئاسة رمزية جري انتخابها بتوافق داخلي في الكنيسيت، واختياره في هذه المرحلة جاء محض مصادفة زمنية. و”نافتالي بنيت” المولود في ٢٥ مارس ١٩٧٢ والذي يقود حزب “اليمين الجديد” منذ عام ٢٠١٨ بعد أن كان رئيسا لحزب “البيت اليهودي” من ٢٠١٢ إلى ٢٠١٨، وتولي عددا من المقاعد الوزارية أهمها وزارة الدفاع، في وزارات نتنياهو المتعددة. و”يائير لابيد” المولود في ٥ نوفمبر ١٩٦٣ ويتولى قيادة حزب “يائيش أتيد” المحسوب علي يمين الوسط، وتولي هو الآخر عددا من المقاعد الوزارية في حكومات نتنياهو أيضا. كلاهما طال به الصبر في انتظار خروج نتنياهو من السلطة، فكان الاختيار ائتلافا لا يستطيع الاتفاق على شيء. وفي كل الأحوال لدينا جيلا جديدا من السياسيين ناهز الستينيات من عمره، ويتسابق مع بعضه البعض في التشدد والتعصب. 

“دانيل كيرتزر” السفير الأمريكي السابق في مصر وإسرائيل وصف التشكيلة الجديدة من الوزرات الإسرائيلية من زاوية المصالح الأمريكية بأنها ليست كارثية مثل القطار السريع الذي خرج عن القضبان؛ كما أنها ليست مثل شهر العسل أيضا! وفي الظن أنه في الوزارة التي لا يجمعها شيء يوجد خيط رفيع يوحد الجميع وهو الرغبة في إيقاف “التدهور” في العلاقات الإسرائيلية الأمريكية فيما يخص الاتفاق مع إيران والذي لم يكن لدي نتنياهو مانعا من الاحتكاك مع واشنطن إذا ما استمرت في طريقها نحو العودة للاتفاق النووي. ولكن المتخصصين في إسرائيل يرون أن هناك تحديات مشتركة منها “إصلاح القضاء” وذلك يرتبط بنتنياهو أيضا حيث يوجد نوع من تضارب المصالح في منصب المدعي العام الإسرائيلي يستدعي تقسيم المنصب ما بين إقامة الادعاء والقيام بالتحقيق بما في ذلك التحقيق مع نتنياهو نفسه. والتحدي الآخر هو ذات التحدي الذائع في البلدان الغربية المتقدمة والتي تشكوا من الهجرة المتزايدة، وهذه المرة دخل عشرات الآلاف من المهاجرين الأفارقة، معظمهم من إريتريا والسودان، إلى إسرائيل خلال العقد الماضي، مما جعل الهجرة قضية ساخنة حيث يوجد الشقاق بين الرافضين لأي نوع من الهجرة، وهؤلاء علي اليسار من يعارضون ذلك من زوايا إنسانية وقانونية. والتحدي الثالث يتعلق بالبنية الأساسية والضفة الغربية حيث تتراوح المواقف بين التوسع في الاستيطان والبطء فيه، وما بين الضم للمستوطنات والانتظار، وإضافة الطرق التي تربط ما بين المستوطنات إلي عملية الضم أم التركيز في بناء الطرق علي داخل إسرائيل غرب الخط الأخضر. التحدي الرابع يأتي في المرتبة الرابعة ويخص القضية الفلسطينية ولا يوجد فيه جديد أكثر مما ذكر من قبل اللهم إلا أن بعضهم يؤيد حل الدولتين لكنه يعارض تقسيم القدس التي يريدها الفلسطينيون عاصمة لدولتهم المستقبلية. من يتفاوض مع إسرائيل ربما سوف يكون عليه التفاوض مع “الفصائل” الإسرائيلية أيضا. 

ــــــ

نقلا عن جريدة المصري اليوم، الثلاثاء ٨ يونيو ٢٠٢١ 

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

البعث