وحدة الدراسات الأفريقية

“القيمانت”: أزمة جماعة وواقع معقد بإقليم أمهرا الإثيوبي

في ظل تصاعد الصراع المسلح بين الحكومة الإثيوبية المدعومة بمليشيات أمهرا، في العديد من الأقاليم المختلفة (مثل: تيجراي، أوروميا، بني شنقول)، بالإضافة إلى جنوب إثيوبيا؛ شهدت منطقة (جلقا) التي تقع على بعد 100 كم من الحدود السودانية، في 14-15 من مايو 2021، اشتباكات عنيفة ودموية بين كل من الأمهرا ومليشياتهم، والقيمانت Qemant، بسبب حيازة وامتلاك الأراضي في الإقليم، المبنية على التناقض في الدستور فيما يتعلق بملكية الأراضي للدولة، حيث تسعى قومية الأمهرا إلى طرد القيمانت من الإقليم والاستيلاء على أراضيهم، وذلك من خلال مليشيات فانو الأمهرية، التي لديها الخبرة في عمليات الإقصاء القسري والتهجير، خاصة فيما يتعلق بعملية انتزاع الأراضي،…

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية

في ظل تصاعد الصراع المسلح بين الحكومة الإثيوبية المدعومة بمليشيات أمهرا، في العديد من الأقاليم المختلفة (مثل: تيجراي، أوروميا، بني شنقول)، بالإضافة إلى جنوب إثيوبيا؛ شهدت منطقة (جلقا) التي تقع على بعد 100 كم من الحدود السودانية، في 14-15 من مايو 2021، اشتباكات عنيفة ودموية بين كل من الأمهرا ومليشياتهم، والقيمانت Qemant، بسبب حيازة وامتلاك الأراضي في الإقليم، المبنية على التناقض في الدستور فيما يتعلق بملكية الأراضي للدولة، حيث تسعى قومية الأمهرا إلى طرد القيمانت من الإقليم والاستيلاء على أراضيهم، وذلك من خلال مليشيات فانو الأمهرية، التي لديها الخبرة في عمليات الإقصاء القسري والتهجير، خاصة فيما يتعلق بعملية انتزاع الأراضي، وهو الأمر الذي نفذته قبل شهور مضت في إقليم تيجراي وسط الحرب، واضطر القيمانت إلى الدخول لداخل أراضي السودان وقاموا بتنفيذ العديد من الأعمال غير القانونية، كقطاع طرق بين مدينتي جوندر والمتمة. كما تدور اشتباكات أخرى في منطقة (سربا)، وهي مقر المنطقة العسكرية الغربية المكلفة بحماية سد النهضة من أي تهديدات مرتقبة.

أوضاع القيمانت في إثيوبيا

يمثل القيمانت البقية الباقية من اليهود الإثيوبيين، بعد أن اعتنقت النسبة الأكبر من سكان الهضبة الإثيوبية المسيحية منذ عدة أجيال، وذلك تحت وطأة إكراه السلطات الحاكمة المتعاقبة منذ قرون. ويبلغ عدد القيمانت في إقليم أمهرا أكثر من 40 ألفًا. ومن ناحية أخرى، تعترف إسرائيل بالمهاجرين اليهود الإثيوبيين من مجتمع (بيتا إسرائيل)، باعتبارهم يهودًا ولا يخضعون إلى التحويل عند وصولهم إسرائيل كبقية اليهود المهاجرين من دول شرق أوروبا أو أمريكا اللاتينية. وكانت الحكومة الإسرائيلية قد طالبت في عام 2015 من نظيرتها الإثيوبية، نقل جميع أفراد القيمانت اليهود من مدن أديس أبابا وقندر وبحر دار إلى إسرائيل، إلا أن الحكومة الإثيوبية ماطلت في تنفيذ الطلب الإسرائيلي، وجاءت المماطلة بعد إكمال أكثر 12 ألفًا من القيمانت إجراءات سفرهم وهجرتهم إلى إسرائيل، بعد زيارات عديدة من المسئولين اليهود ذوي الأصول الإثيوبية إلى إثيوبيا، لوضع تقيم شامل لتهجيرهم إلى إسرائيل بسبب الظروف القاسية التي يعاني منها القيمانت، إلا أن إثيوبيا لم تسمح لهم بالمغادرة بحجة أنهم يتمتعون بجميع حقوق المواطنة.

الحكومة الإثيوبية وتوظيف ورقة القيمانت

يعيش معظم أبناء المجتمع اليهودي من القيمانت في إثيوبيا بمخيمات انتظار مؤقتة في إقليم أمهرا حول مدينة قندر، حيث ترفض إثيوبيا تهجيرهم على الرغم من العديد من المطالبات الإسرائيلية، في ظل مخاوف إسرائيلية من وصول أعمال عنف إليهم جراء أزمة الاقتتال الإثيوبي الداخلي بين الحكومة الإثيوبية والإثنيات الأخرى.

وتعرقل الحكومة الإثيوبية بإجراءات صعبة ومعقدة عملية تهجيرهم إلى إسرائيل، حتى لا يكونوا ورقة ضغط بيد اللوبيات اليهودية في العالم، خاصة بعدما أفرزت الهجرة الأولى للقيمانت في مطلع الثمانينيات إلى إسرائيل عن دور مهم لهم داخل إسرائيل، حتى أصبح بعضهم وزراء في الحكومات الإسرائيلية.

كما ترفض أديس أبابا تلك المطالب المشروعة لأقلية القيمانت، حيث تسعى إلى الاستفادة من وزيرة الهجرة الإسرائيلية “بنينا تامانو شاتا” ووزير البنية التحتية الإسرائيلي، وكلاهما من اليهود الإثيوبيين الذين هاجروا من إثيوبيا في مطلع الثمانينيات إلى إسرائيل، حيث توظف إثيوبيا هؤلاء في خدمة أجندة إثيوبيا في المحافل الدولية، خاصة في صراعها مع مصر والسودان في أزمة سد النهضة، فضلًا عن أزمتها الحالية مع الولايات المتحدة والدول الغربية، بالإضافة إلى الاستفادة من تحويلات اليهود من الخارج، والدعم الإسرائيلي لليهود المتواجدين في إثيوبيا من خلال المساهمة الإسرائيلية في البنية التحتية والخدمات الأخرى في العديد من المدن كقندر وبحر دار وأديس أبابا. 

كما توظف حكومة “آبي أحمد” القيمانت في إطار صراعها الداخلي مع العرقيات الأخرى، حيث منحت الحكومة عرقية قيمانت حكمًا ذاتيًا من خلال تكوين منطقة إدارية تشمل 69 قرية، إلا أنها لم تتشكل بسبب مطالب قيمانت بأن تضم ثلاث مناطق قروية إضافية إلى الحكم الذاتي.

إثيوبيا أمام مفترق طرق

تُظهر أزمة القيمانت مدى الأزمة الداخلية التي تعاني منها إثيوبيا، حيث تفتقد الدولة إلى إمكانية استيعاب مكوناتها الداخلية بصورة متزايدة، وتتسع رقعة الصراعات بين مكوناتها، وقد تفاقمت الأزمة بصورة حادة مع وصول آبي أحمد إلى السلطة، فوفقًا للسياسات التي تبنتها الحكومة الإثيوبية، حتى الأقليات من القيمانت حتى لم يسلموا من عملية اضطهاد والتقليل من شأنهم من قبل حكومة آبي أحمد وحلفائها من القوميين الأمهرا.

ولا شك أن توظيف الأقليات الصغيرة في إطار الصراع الداخلي يفاقم من مشكلة الاندماج الداخلية، خصوصًا أن منح هذه الأقليات ولو صوريًا حكمًا ذاتيًا يُعزز من دوافع الانفصال لدى الأقليات الأخرى الأكثر وزنًا من الناحية الديمغرافية ومن الناحية السياسية، وهو ما يظهر الآن في عديد المطالب التي رفعتها الأقليات، سواء بالمطالبة بالحكم الذاتي أو بالانفصال، وهو ما يهدد الدولة في إثيوبيا، ويمنح جيرانها فرصة من أجل إضعافها وتفتيتها وذلك من أجل مواجهة سياساتها الخارجية غير المتوازنة وغير الواقعية التي تصل في بعض الحالات إلى العداء.

وبالمجمل، يمكن القول إنه في ظل هذه التوترات دخلت إثيوبيا مرحلة حرجة من الصراعات الداخلية، وبات استقرار الدولة محل تساؤل، ولا سيما في ظل بيئة عدم الاستقرار التي تسببت فيها حكومة آبي أحمد، ليس داخل إثيوبيا فحسب ولكن مع جيرانها أيضًا، الذين باتوا ينظرون بقلق إلى تأثير سياسات آبي أحمد على الاستقرار الإقليمي ككل وعلى التعايش الأهلي داخل الدول وبين حدودها في ظل التركيبة العرقية المتداخلة، وتنامي مشاعر الانفصال في ظل غياب الدولة أو تسخيرها لخدمة طموح آبي أحمد وقومية الأمهرا.

وعلى المستوى الدولي، وبعدما كان ينظر إلى إثيوبيا على أنها الحليف القوي للولايات المتحدة والدول الغربية في منطقة القرن الإفريقي، أصبحت تهدد الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي بسبب سجلها في الحرب بإقليم تيجراي، بالإضافة إلى دخولها في مواجهة خاسرة مع الولايات المتحدة في هذا الملف، ومع استمرار الصراعات الداخلية في العديد من الأقاليم الإثيوبية بسبب سياسات غير رشيدة جعلت العديد من الدول تشعر بالقلق من أن إثيوبيا صارت مصدرًا لعدم الاستقرار في المنطقة المضطربة في ظل وجود العديد من بؤر التوتر فيها.

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية