وحدة الدراسات الاقتصادية

الطاقة المتجددة: تحوّل فعال للطاقة عالميًا

مع زيادة الطلب على الطاقة عالميًا ومع الحاجة إلى تبني أساليب أكثر استدامة للحد من الآثار البيئية الناجمة عن القطاع، فقد تبنت معظم دول العالم استراتيجيات جديدة نحو تحول فعال لقطاع الطاقة. ويتم تعريف التحول الفعال للطاقة على أنه تحول في الوقت المناسب نحو نظام طاقة أكثر شمولًا (أي زيادة قدرة عدد أكبر من الأفراد على الوصول للكهرباء) بأسعار معقولة واستدامة (أي زيادة القدرة على توفير الكهرباء لفترة زمنية أطول) وآمن ويوفر حلولًا للتحديات العالمية المتعلقة بالطاقة. هذا بالإضافة إلى قدرته على خلق قيمة للأعمال والمجتمع ودعم النمو والتنمية الاقتصادية. أولًا: الوضع العالمي لقطاع الطاقة وفقًا لتقرير “تعزيز التحول الفعال…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

مع زيادة الطلب على الطاقة عالميًا ومع الحاجة إلى تبني أساليب أكثر استدامة للحد من الآثار البيئية الناجمة عن القطاع، فقد تبنت معظم دول العالم استراتيجيات جديدة نحو تحول فعال لقطاع الطاقة. ويتم تعريف التحول الفعال للطاقة على أنه تحول في الوقت المناسب نحو نظام طاقة أكثر شمولًا (أي زيادة قدرة عدد أكبر من الأفراد على الوصول للكهرباء) بأسعار معقولة واستدامة (أي زيادة القدرة على توفير الكهرباء لفترة زمنية أطول) وآمن ويوفر حلولًا للتحديات العالمية المتعلقة بالطاقة. هذا بالإضافة إلى قدرته على خلق قيمة للأعمال والمجتمع ودعم النمو والتنمية الاقتصادية.

أولًا: الوضع العالمي لقطاع الطاقة

وفقًا لتقرير “تعزيز التحول الفعال للطاقة” لعام 2021 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (وهو تقرير يوضح تطور تحول الطاقة) زادت أهمية الطاقة المتجددة في العقد الأخير بشكل ضخم، حيث ارتفعت القدرة المركبة العالمية بحوالي سبعة أعشار للطاقة الشمسية، وبحوالي ثلاثة أعشار لطاقة الرياح في الفترة من 2011 إلى 2019، مع تحسين القدرة التنافسية من حيث التكلفة والكفاءة التشغيلية. إضافة إلى ذلك، زادت الاستثمارات العالمية للمساهمة في تحول الطاقة من كونها متركزة على الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة من حوالي 250 مليار دولار سنويًا في 2010 إلى حوالي 500 مليار دولار سنويًا في 2020. كما ارتفع نصيب الطاقة المتجددة من إجمالي مصادر الطاقة من 19% في 2010 إلى 26% في 2019. إضافة إلى ذلك، انخفض عدد أولئك الذين يفتقرون إلى الكهرباء من مليار و200 مليون شخص عالميًا في 2010 إلى 770 مليون شخص في 2020. ولكن ارتفعت الانبعاثات العالمية من 33 جيجا طن في 2010 إلى 34 جيجا طن (ولكنها ما زالت زيادة ضئيلة مقارنة بالزيادة في أعداد الأشخاص الذين توفر لهم الوصول للكهرباء حديثًا).

ثانيًا: مؤشر تحول الطاقة “Energy Transition Index (ETI)”

يوفر مؤشر تحول الطاقة المقدم من المنتدى الاقتصادي العالمي -والذي يتم نشره في تقرير “تعزيز التحول الفعال للطاقة” السنوي- البيانات التي تساهم في فهم أداء قطاع الطاقة واستعداديته للتحول من كونها متركزة على الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة. إضافة إلى ذلك، فقد تم تطوير المؤشر ليعكس الترابط بين تحول الطاقة وعوامل مثل الاقتصاد الكلي والسياسات والإطار القانوني والعوامل الاجتماعية، حيث تؤثر هذه العوامل في قدرة الدولة على الاستعداد للتحول. ويتكون المؤشر من مؤشرين فرعيين متساوِيَيِ الوزن هما: أداء نظام الطاقة الحالي، والبيئة التمكينية لتحول الطاقة. إضافة إلى ذلك، يعتمد المؤشر على مقياس 0-100، حيث إن 0 هي الحد الأدنى و100 هي الحد الأقصى. وأخيرًا، يشمل المؤشر 115 دولة.

شكل (1): المتوسط العالمي لمؤشر تحول الطاقة (2021)

 المصدر: تقرير “تعزيز التحول الفعال للطاقة”، أبريل 2021، المنتدى الاقتصادي العالمي.

يُعد المتوسط العالمي لمؤشر تحول الطاقة هذا العام الأعلى منذ بداية حساب المؤشر ليبلغ 59.3 في 2021 من 57.6 في 2012. كما تحسن متوسط أداء النظام عالميًا ليبلغ 63.8 في 2021 من 61.8 في 2012 ومتوسط استعدادية الدول للتحول لتبلغ 54.8 في 2021 من 53.5 في 2012. ولكن تقدمت الدول ذات الدخل المرتفع عن باقي دول العالم في استدامة البيئة، بينما كان التحسن في الدول الناشئة بشكل أساسي في زيادة وصول الكهرباء لعدد أكبر من الأفراد.

إضافةً إلى ذلك، تحتل السويد المركز الأول في المؤشر ليبلغ 79 وتليها النرويج بمتوسط 77 والدنمارك بمتوسط 76. وعلى الرغم من اختلاف مسارات الدول، إلا أن أفضل الدول أداء في المؤشر لديها مستويات منخفضة من الدعم للوقود الأحفوري، وتعمل على تعزيز أمن الطاقة عن طريق تنويع مصادرها والاستيراد وتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري، وتعمل على تحسين كثافة الكربون، وتتمتع ببيئة تنظيمية قوية لدعم تحول الطاقة. جدير بالذكر أن مصر تحتل المركز رقم 76 من 115 دولة بمتوسط لمؤشر تحول الطاقة 55 وهو أقل من المتوسط العالمي.

شكل (2): التغير بين 2012 و2021

المصدر: تقرير “تعزيز التحول الفعال للطاقة”، أبريل 2021، المنتدى الاقتصادي العالمي.

بناء على الشكلين رقم 1 و2، نجد أنه على الرغم من أن الاقتصادات المتقدمة لديها أعلى عدد نقاط ليبلغ 68.2 في 2021، إلا أنها قد تقدمت بحوالي 2% فقط بين الفترة من 2012 إلى 2021. وعلى الرغم من محاولة هذه الاقتصادات تخفيض نصيب الفرد من ثاني أكسيد الكربون وكثافته، فإن الانبعاثات في هذه الاقتصادات تشكل 30% من إجمالي الانبعاثات عالميًا بالرغم من أنها تشكل 13% فقط من إجمالي تعداد السكان. وتأتي في المرتبة الثانية دول أوروبا الناشئة والنامية بمجموع نقاط 61 ونسبة تغير بين الفترة من 2012 إلى 2021 تبلغ 5%، وهي تعد من الدول ذات التحسن الأكبر، ولكنها تشكل 3% فقط من إجمالي الانبعاثات عالميًا و2% فقط من إجمالي سكان العالم. إضافة إلى ذلك، شاهدت هذه المنطقة تحسنًا في أبعاد أداء النظام الثلاثة، وهي وصول الطاقة والاستدامة البيئية والتنمية الاقتصادية والنمو، ولكنها لا تزال تحتوي على حصة أكبر من الفحم مقارنة بالمتوسط الأوروبي. جدير بالذكر أن الاقتصادات المتقدمة ودول أوروبا الناشئة والنامية هي الدول ذات مجموع نقاط أعلى من المتوسط العالمي البالغ 59.3 في 2021.

إضافة إلى ذلك، جاءت أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي في المرتبة الثالثة، حيث بلغ مؤشر تحول الطاقة 58.6 في 2021، بنسبة تحسن في الفترة من 2012 إلى 2021 تبلغ 2%. وتتميز المنطقة بقيادتها للاستدامة البيئية بسبب استخدامها للطاقة الكهرومائية. ولكن تكلفة الطاقة في المنطقة لا تزال مرتفعة. وفي حين تعتبر منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي قد حققت وصول شبه كامل للكهرباء، إلا أن جودة الطاقة لا تزال عائقًا. وتشكل المنطقة حوالي 5% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، في حين أنها تحتوي على 8% من سكان العالم.

علاوة على ذلك، تأتي رابطة الدول المستقلة -أو اتحاد الدول المستقلة التي تشمل روسيا وبيلاروس- في المرتبة الرابعة، حيث بلغ المؤشر 56.8 في 2021، بنسبة تحسن في الفترة من 2012 إلى 2021 تبلغ 5%. كما أن المنطقة تحسن من قدرتها على زيادة وصول الطاقة الآمنة وجودتها، ولكن انخفضت قدرة القطاع على المساهمة في نمو الاقتصاد مع انخفاض الإيرادات من تصدير الوقود بسبب التقلبات في أسواق السلع. كما تشكل المنطقة حوالي 6% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، في حين أنها تحتوي على 3% فقط من سكان العالم.

أما بالنسبة إلى دول آسيا الناشئة والنامية، فقد بلغ مؤشر تحول الطاقة للمنطقة 54.9 في 2021، بنسبة تحسن في العشرة سنوات الماضية تبلغ 6% وهو أعلى تحسن بين المناطق السبع. يرجع ذلك إلى استثماراتهم الهائلة في القطاع. على سبيل المثال، بلغت استثمارات الصين لدعم تحول الطاقة 1048 مليار دولار في الفترة من 2016-2020 وهي الأعلى عالميًا، حيث إنها تبلغ حوالي ضعف استثمارات الولايات المتحدة صاحبة ثاني أكبر استثمارات لدعم تحول الطاقة بإجمالي 540 مليار دولار في نفس الفترة. كما أن الصين كانت أول دولة تبني مشروع ذات قدرة كهروضوئية مركبة تتجاوز 100 جيجاوات. وفي حين أن التحسن الأكبر في المنطقة كان بسبب زيادة وصول الكهرباء لعدد أكبر من الأفراد، إلا أنه لا يزال تحديًا حيث ارتفع الطلب على الطاقة للفرد بحوالي 18% في العشرة سنوات الماضية ومن المتوقع له أن يتضاعف بحلول عام 2050. ولكن لا يزال الفحم يلعب دورًا كبيرًا في المنطقة وهو ما يفسر النسبة العالية -أعلى نسبة بين المناطق السبع- للانبعاثات، حيث تشكل المنطقة 40% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية ولكن المنطقة أيضًا تحتوي على 47% من إجمالي سكان العالم.

يأتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المرتبة السادسة، حيث يبلغ المؤشر 52.8 في 2021، بتحسن في العقد الأخير بحوالي 2%. ولا تزال المنطقة تعتمد على القطاع في نموها الاقتصادي وهو ما يشكل تحديًا للمنطقة لضمانها استدامة النمو. كما أن قدرة الأفراد على الوصول إلى الكهرباء لا تزال عائقًا. وتشكل المنطقة 7% من إجمالي الانبعاثات، كما أنها تحتوي على 7% من إجمالي سكان العالم، وهو ما يعد معدلًا معتدلًا مقارنة بالمناطق الأخرى (ولكن يرجع ذلك أيضًا إلى عدم قدرة العديد من الأفراد على الوصول إلى الكهرباء). إضافة إلى ذلك، قامت العديد من الدول في المنطقة بتبني أهداف لزيادة اعتمادها على الطاقة المتجددة بحلول 2030.

وتأتي منطقة إفريقيا جنوب الصحراء في المرتبة الأخيرة، حيث بلغ المؤشر 50.7 في 2021، ولكنها أحرزت تحسنًا في العشرة أعوام الأخيرة مساو للعديد من المناطق (بنسبة 2%). ولكن تعد المنطقة صاحبة أقل قدرة للوصول إلى الكهرباء، حيث إن 56% فقط من الأفراد لديهم القدرة على الوصول إلى خدمات الطاقة الأساسية، الأمر الذي يفسر أن المنطقة تشكل 2% فقط من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالميًا في حين أنها تحتوي على 8% من سكان العالم.

بشكل عام، تحسنت المناطق السبع في زيادة قدرة الأفراد على الوصول إلى الكهرباء والعمل نحو استدامة الطاقة بشكل ملحوظ، ولكن لا تزال قدرتهم على جعل القطاع أكثر مساهمة في النمو الاقتصادي محدودة. إضافة إلى ذلك، فمن الواضح أن المناطق الناشئة والنامية هي صاحبة أكبر نسبة تحول للطاقة في العشرة سنوات الماضية. وأخيرًا، فإن توفير بيئة تنظيمية مستقرة وزيادة تعاون القطاعين العام والخاص سيساهم في تحقيق التحول الفعال للطاقة وتخفيض الانبعاثات للنصف بحلول عام 2030.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة