السد فى جلسة استماع

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

عقدت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ يوم الخميس قبل الماضي (٢٧ مايو) جلسة استماع مهمة تحت عنوان «إثيوبيا فى أزمة: استراتيجية الولايات المتحدة واستجابة السياسة». الهدف من جلسات الاستماع هو تسليط الضوء على قضية معينة، وقيام أعضاء الكونجرس باستجواب ممثلي السلطة التنفيذية بشأنها. وبالرغم من أن الجلسة المشار إليها ركزت على ما يحدث داخل إثيوبيا، خاصة أزمة إقليم تيجراى، فإن موضوع السد الإثيوبي تردد فى أكثر من موضع أثناءها، ومن المهم رصد وتحليل ما جاء بهذه الجلسة (موجودة بالكامل على الإنترنت) لأنها توضح إلى حد كبير وجهة نظر كل من الإدارة الأمريكية والكونجرس بشأن السد الإثيوبي وقضية المياه. ويمكن فى…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

عقدت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ يوم الخميس قبل الماضي (٢٧ مايو) جلسة استماع مهمة تحت عنوان «إثيوبيا فى أزمة: استراتيجية الولايات المتحدة واستجابة السياسة». الهدف من جلسات الاستماع هو تسليط الضوء على قضية معينة، وقيام أعضاء الكونجرس باستجواب ممثلي السلطة التنفيذية بشأنها. وبالرغم من أن الجلسة المشار إليها ركزت على ما يحدث داخل إثيوبيا، خاصة أزمة إقليم تيجراى، فإن موضوع السد الإثيوبي تردد فى أكثر من موضع أثناءها، ومن المهم رصد وتحليل ما جاء بهذه الجلسة (موجودة بالكامل على الإنترنت) لأنها توضح إلى حد كبير وجهة نظر كل من الإدارة الأمريكية والكونجرس بشأن السد الإثيوبي وقضية المياه. ويمكن فى هذا الإطار الإشارة إلى ما يلي:

أولًا: فى البداية يمكن القول إن جلسة الاستماع أوضحت أن العلاقات الأمريكية الإثيوبية تشهد تدهورًا متسارعًا يرتبط بما يحدث فى تيجراى والعنف الطائفي والاثني فى مناطق أخرى بإثيوبيا، على سبيل المثال ذكر السيناتور روبرت مينينديز- (ديمقراطي من ولاية نيوجيرسي)، رئيس لجنة العلاقات الخارجية، فى كلمته الافتتاحية بجلسة الاستماع- أن الحرب الوحشية فى تيجراى، والعنف، وانعدام الأمن فى أجزاء أخرى من البلاد، والانغلاق السريع للمساحة السياسية، تؤدى إلى احتمال أن تكون إثيوبيا على «مسار نحو انهيار الدولة». وأضاف: «لقد أصبح من الواضح أن الأحداث على الأرض تتطلب استجابة قوية من الولايات المتحدة والمنطقة والمجتمع الدولي، استجابة تنقل رسالة لا لبس فيها: لن نتسامح مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والعنف العرقي». واستخدم زعيم الأقلية باللجنة، السيناتور جيم ريش، (جمهوري من ولاية أيداهو)، عبارات مشابهة، منها أن الحرب فى تيجراى أدت إلى نزوح الملايين، وأشعلت العنف الطائفي، وشهدت عمليات قتل جماعي، وحالات مروعة أخرى من انتهاكات حقوق الإنسان. وأشار إلى أن هذه الحرب تشكل «تهديدًا ليس فقط لمستقبل الدولة الإثيوبية والمنطقة الأوسع، ولكن أيضًا للمصالح الاقتصادية والأمنية الاستراتيجية للولايات المتحدة، وتزيد من عدم الاستقرار المتصاعد في القرن الإفريقي”.

ثانيًا: يتضح من المداخلات فى الجلسة أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع موضوع السد الإثيوبي بشكل منفصل، ولكن تربطه بقضيتي الأزمة الداخلية فى إثيوبيا، والنزاع الحدودي بين إثيوبيا والسودان. على سبيل المثال، أشار أحد أعضاء اللجنة إلى أن النزاع فى تيجراى «أدى إلى تأجيج التوترات على حدود إثيوبيا، وأجبر الدول الإقليمية على الانحياز ليس فقط فيما يتعلق بحرب تيجراى، ولكن أيضًا بشأن أزمة ملء سد النهضة».

ثالثًا: من الواضح أن هناك فهمًا لوجهة النظر المصرية بشأن السد الإثيوبي لدى عدد من أعضاء لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ. على سبيل المثال، أشار رئيس اللجنة، السيناتور روبرت مينينديز، إلى أنه تحدث مع المصريين فى أكثر من مناسبة حول هذا الموضوع، وأن لديه «شعورًا حقيقيًا بأن هذه المشكلة إذا لم يتم التعامل معها بطريقة تتعامل مع مخاوفهم المتعلقة بتدفق النيل.. فإنهم سيفعلون ما هو ضروري بالنسبة لهم.. وأن المصريين تحدثوا عن وجود خطوط حمراء لديهم، وأنه يأخذ ما يقولونه بجدية.. ولكن لا يعنى ذلك أنهم يرغبون فى اللجوء لذلك.. لديهم أيضًا تعبير قوى للغاية بأنهم يأملون فى الحصول على حل سلمى»، وأعرب عن أمله فى انخراط قوى وكامل فى الولايات المتحدة فى هذه الأزمة، وفهم مواقف الأطراف و”أخذ ما يقولونه بجدية» لأن آخر شيء تحتاجه الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الأزمة داخل إثيوبيا بجوانبها المتعددة، هو أن ينشب «صراع عسكري حول السد”.

رابعًا: بالنسبة لموقف الإدارة الأمريكية، والذي عبر عنه، فى جلسة الاستماع، روبرت جوديك، القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية للشؤون الإفريقية، فيمكن تلخيصه فيما يلي: 1- أن الولايات المتحدة تعتقد أن مخاوف مصر وإثيوبيا والسودان بشأن الأمن المائي يمكن معالجتها على أفضل وجه من خلال مفاوضات جادة بين الأطراف تحت قيادة الاتحاد الإفريقي، (أي أن الولايات المتحدة لا تريد أن تطرح مبادرة خاصة بها). 2- أن القضايا المتعلقة بالسد هى قضايا فنية، وأن «هناك حلولًا فنية للقضايا التي تثيرها الأطراف، لكن هناك غياب للإرادة السياسية» لقبولها، وأن الولايات المتحدة يمكن أن تلعب دورًا بَنّاء فى النزاع، بما فى ذلك من خلال توفير «الخبرة الفنية» بشأن السدود، ودعم جهود وساطة الاتحاد الإفريقي. 3- إن سياسة الولايات المتحدة تتبنى التعامل مع قضايا السد من خلال «مرحلتين». المرحلة الأولى تتضمن «نوعًا من الاتفاق حول القلق بشأن الملء الفوري، الذي من المحتمل أن يحدث فى يوليو المقبل». و«المرحلة الثانية» تأتى بعد ذلك من خلال صفقة ثانية «توفر حلًا طويل الأمد حول المياه واستخدامها والسد». 4- أن العمل العسكري سيُعقِّد الوضع فى المنطقة.

هذا باختصار ملخص ما جاء بجلسة الاستماع بالكونجرس بشأن السد الإثيوبي، والذي يعبر عن وجهات نظر أمريكية ترتبط بمصالح الولايات المتحدة. ومصر بالتأكيد لها قراءتها للموقف الأمريكي، ومصالحها الخاصة فى التعامل مع ملف السد. حفظ الله هبة النيل.

ــــ

نقلا عن جريدة المصري اليوم، ٧ يونيو ٢٠٢١.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر