وحدة الدراسات العربية والإقليمية

الموازنة العامة الليبية: دوافع تأجيل اعتماد موازنة عام 2021

اعتمدت التسوية الليبية ثلاثة مسارات للتحرك، عسكري وسياسي واقتصادي؛ لحلحلة الجمود القائم آنذاك، والشروع ببناء الثقة، وتوحيد مؤسسات الدولة. ونجحت جولات المسار الاقتصادي في إنهاء الإغلاق النفطي (سبتمبر 2020)، والتوافق حول توحيد ميزانية الدولة. وتشكلت لجنة فنية من وزارتي المالية بطرابلس وبنغازي (يناير 2021)، والتوصل لاتفاق حول ميزانية مُقترحة قيمتها (70-75) مليار دينار (8 فبراير 2021)، الأمر الذي مثّل انفراجة هامة بأكثر القطاعات ليبيا حيويةً. وأضاف نجاح المفاوضات الاقتصادية لحظوظ المسارات الأخرى، فقد أعقب استئناف إنتاج وتصدير النفط (ديسمبر الماضي) وصول اللجنة العسكرية (5+5) لاتفاق مستدام لوقف إطلاق النار (أكتوبر 2020)، كما مهّدت مباحثات الحكومة المؤقتة وحكومة الوفاق (يناير 2021)…

حسين عبد الراضي
باحث بوحدة التسلح

اعتمدت التسوية الليبية ثلاثة مسارات للتحرك، عسكري وسياسي واقتصادي؛ لحلحلة الجمود القائم آنذاك، والشروع ببناء الثقة، وتوحيد مؤسسات الدولة. ونجحت جولات المسار الاقتصادي في إنهاء الإغلاق النفطي (سبتمبر 2020)، والتوافق حول توحيد ميزانية الدولة. وتشكلت لجنة فنية من وزارتي المالية بطرابلس وبنغازي (يناير 2021)، والتوصل لاتفاق حول ميزانية مُقترحة قيمتها (70-75) مليار دينار (8 فبراير 2021)، الأمر الذي مثّل انفراجة هامة بأكثر القطاعات ليبيا حيويةً.

وأضاف نجاح المفاوضات الاقتصادية لحظوظ المسارات الأخرى، فقد أعقب استئناف إنتاج وتصدير النفط (ديسمبر الماضي) وصول اللجنة العسكرية (5+5) لاتفاق مستدام لوقف إطلاق النار (أكتوبر 2020)، كما مهّدت مباحثات الحكومة المؤقتة وحكومة الوفاق (يناير 2021) لانتخاب سلطة تنفيذية جديدة، الأمر الذي أنهى انقسام السلطة بين الشرق والغرب (فبراير 2021). وكان متوقعًا في ظل الاختراقات المحققة، ونجاح حكومة الوحدة بنيل ثقة البرلمان، أن يكون اعتماد الموازنة أكثر سهولةً؛ لوجود أرضية توافقية حول ملامحها الأساسية مسبقًا، ورغبة مجلس النواب في تجاوز الإشكاليات التي من شأنها أن تعطل أعمال السلطة الجديدة، إلا أن مشروع الموازنة لم ينل موافقة المجلس حتى الآن. حيث تعثرت مساعي حكومة الوحدة الوطنية لحصد موافقة البرلمان على مشروع قانون الموازنة الليبية للعام المالي 2021؛ بعد أن رفض مجلس النواب -للمرة الثانية على التوالي- تمرير المُقترح، الذي يُعد اعتماده متطلبًا أساسيًا للشروع بتنفيذ استحقاقات خارطة الطريق، وعلى رأسها انتخابات 24 ديسمبر المُقبل، ويُنذر تأخر الاعتماد بارتدادات سلبية على مسار عملية التسوية.

الموازنة المُقترحة وتعديلاتها

قدمت حكومة “الدبيبة” المُقترح الأول للميزانية (مارس الماضي) بقيمة (95.7) مليار دينار (تقريبًا 21.5 مليار دولار)، جرى توزيعها على خمسة أبواب: الباب الأول كان الرواتب والأجور بقيمة (33.3) مليار دينار، والباب الثاني للنفقات الحكومية التسييرية بقيمة (12) مليار دينار، والباب الثالث المتعلق بالتنمية بقيمة (22.3) مليار دينار، والباب الرابع للدعم بقيمة (23.1) مليار دينار، والباب الخامس للطوارئ بقيمة (5) مليارات دينار.

وأبدى مجلس النواب العديد من الملاحظات على النسخة الأولى من الموازنة، وأوصى بتخفيضها لـ(79) مليار دينار، وأن يصبح الباب الأول بقيمة (33.5) مليار، والثاني لـ(9) مليارات دينار، والثالث لـ(15) مليارًا، والرابع لـ(20) مليارًا، وإلغاء الباب الخامس (ميزانية الطوارئ) واستبداله ببند مستقل يسمى احتياطي الموازنة بقيمة مليار دينار. وانتهت جلسات مجلس النواب بتصويت أغلبية النواب على إعادة المشروع للحكومة لتعديله (20 إبريل 2021)، وفقًا للتوصيات والملاحظات المتضمنة في تقرير لجنة المالية بالمجلس التي بلغت نحو (62) بندًا، بالإضافة لـ(18) ملاحظة وردت في تقرير ديوان المحاسبة، ثم عرضه مجددًا على المجلس خلال (10) أيام.

وفي 2 مايو 2021، سلم وفد وزاري من حكومة الوحدة مشروع الموازنة لرئيس مجلس النواب “عقيلة صالح” بعد تعديلها وفقًا لملاحظات المجلس، وتضمن مشروع الموازنة العامة المُعدل تخفيض قيمتها الإجمالية لتصبح (93.8) مليار دينار، رغم زيادة قيمة الباب الأول ليبلغ (34.6) مليار، بجانب زيادة مخصصات الباب الثاني إلى (12.6) مليار. فيما جرى تخفيض قيمة الباب الثالث ليصبح (20) مليارًا، والرابع إلى (22.6) مليارًا، والخامس أيضًا إلى (4) مليارات.

وعقد مجلس النواب جلستين (24 – 25 مايو الماضي) لمناقشة مشروع الموازنة بعد تعديلها، وانتهت باعتماده للباب الأول من المشروع الخاص بالمرتبات فقط، وإقرار المجلس لضرورة حضور وزير المالية للرد على ملاحظات النواب، وإيجاد حلول مناسبة لباقي البنود التي لا تزال قيد المداولة. ويوضح الشكل التالي قيمة المُقترحات، من الحكومة ومجلس النواب، لمشروع قانون الموازنة العامة الليبية للعام 2021.

سياقات ودوافع تأخير الاعتماد

يؤشر تأخر مجلس النواب في تمرير مشروع الموازنة، الذي قدمته حكومة الوحدة بنسختيه، إلى عدم اتساق هيكل الموازنة المُقترحة مع رؤيته لطبيعة الدور -الانتقالي- الذي يُفترض بالحكومة الاضطلاع به، إلى جانب تمسك النواب باقتران اعتماد قانون الموازنة بوجود مؤسسات رقابية محايدة وفعالة تشرف على النشاط المالي للحكومة. بالإضافة لتضمين القوات المسلحة العربية الليبية داخل الموازنة بعد تجاهلها لذلك، رغم الإشارة لبعض مجموعات المنطقة الغربية فيها، وغيرها من السياقات التي دفعت مجلس النواب الليبي لرفض اعتماد الموازنة، ويمكن الإشارة إلى أهم سياقات ودوافع ذلك التأخير على النحو التالي:

أولًا- غياب البرنامج الحكومي: تصدرت إشكالية غياب برنامج عمل حكومي محدد قائمة الملاحظات التي دفعت مجلس النواب لرفض اعتماد الموازنة المُقترحة، فرغم تخصيصها حوالي (22-20 مليار دينار) للمشروعات والبرامج التنموية بالباب الثالث؛ إلا أن الحكومة لم تحدد طبيعة وأهداف تلك المشروعات، والوزارات أو المؤسسات التي ستتولى مسئوليتها. وأشار ديوان المحاسبة إلى خطورة ذلك، وأنه سيقود لارتفاع معدلات التضخم وتصاعد أزمة السيولة، بجانب غياب أُسس التقييم الفعال لأنشطة الإنفاق والبرامج الحكومية، وبالتالي سيصعب على الأجهزة الرقابية القيام بدورها بشكل ملائم.

ثانيًا- اتساع الإنفاق: تعتبر الموازنة العامة المُقترحة لعام 2021 أضخم ميزانية في تاريخ ليبيا، وبينما يجادل البعض بأن ارتفاع أسعار صرف الدولار يمثل سببًا أساسيًا لهذا التضخم؛ إلا أن موقف مجلس النواب كان قائمًا على رفض المبالغة الحكومية في تقدير المخصصات المطلوبة (96-94 مليار دينار) لتسيير شئون البلاد حتى ديسمبر المقبل (8 أشهر منذ وقت عرض المقترح الأول). كما استشعرت الدوائر النيابية أن حكومة الدبيبة تمهد للبقاء في السلطة لفترة أطول من المنصوص عليها بخارطة الطريق، وخصوصًا مع التوسع الكبير في ميزانيات بعض دواوين الوزارات، فبدأ النواب بالضغط على الحكومة لتخفيض الموازنة؛ من أجل ضمان التزامها بتوقيت إجراء الانتخابات العامة، والمقرر له 24 ديسمبر القادم.

ثالثًا- تجاوز الضوابط المالية: يمنح مشروع الموازنة صلاحيات واسعة لمجلس الوزراء، كحق وزارة المالية في الصرف المباشر من مخصصات أي جهة ممولة من الخزينة العامة بعد موافقة مجلس الوزراء، وحق الحكومة في التصرف في ميزانية الطوارئ، بجانب حقها في التصرف في أية إيرادات لتغطية العجز بأية مصادر تمويلية أخرى. وهي نصوص من شأنها الإخلال بالضوابط والإجراءات المنظِّمة للمالية العامة للدولة، وفقًا لأحكام قانون النظام المالي للدولة الليبية، كما ستفتح الباب أمام تداخل وتعارض أعمال السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتعطيل دور الأخيرة الأصيل في الرقابة على أعمال مجلس الوزراء ومسألتهم.

رابعًا- عدم حسم المناصب السيادية: يرى مجلس النواب ضرورة اقتران تمريره للموازنة العامة بحسم تسمية شاغلي المناصب السيادية، وفي مقدمتها محافظ المصرف المركزي وديوان المحاسبة والرقابة الإدارية، ويرفض البرلمان استمرار بعض قيادات تلك المؤسسات لاعتبارات تتصل بانتمائهم لجماعة الإخوان المسلمين، وعلاقاتهم بالمليشيات والمجموعات المسلحة، فضلًا عن تورطهم في انتهاكات وشبهات فساد طالت المال العام. ووفقًا لذلك الطرح، فإن اعتماد الموازنة في ظل وجودهم يعني غياب الرقابة على إنفاق الحكومة من جانب، واحتمالات تسرب تلك الأموال للمليشيات والمجموعات الخارجة عن القانون.

خامسًا- إغفال موازنة الجيش الوطني: تضمنت الموازنة المُقترحة تخصيص ميزانيات لنحو (8) أجهزة أمنية وإدارية بالمنطقة الغربية، كجهاز دعم الاستقرار وجهاز الردع وقوة مكافحة الإرهاب، وبعضها صدرت قرارات بنقل تبعيتها للمجلس الرئاسي ووزارات ومؤسسات بعهد الوفاق؛ إلا أن حكومة الوحدة أدرجتها بالمشروع ككيانات تابعة لها. كما تجاهلت الموازنة إدراج مخصصات للقيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية، ما دفع كتلًا نيابيةً للمطالبة بتضمين موازنة للجيش الوطني، وأوصى تقرير اللجنة المالية بالمجلس بإعادة نقل موازنة تلك الأجهزة حسب قرار إنشائها أو نقل تبعيتها إلى الجهات المشرفة عليها قانونيًا. 

مسارات مستقبلية

تنص القوانين الليبية المنظمة للمالية العامة على أنه حال تأخر اعتماد الموازنة فعلى الحكومة تسيير الأعمال بمخصصات تبلغ 1/12 (0.833%) من آخر موازنة معتمدة لحين اعتمادها من مجلس النواب، وهو أمر لن تستطيع حكومة الوحدة معه تنفيذ استحقاقات خارطة الطريق، أو تلبية الاحتياجات الأساسية للمجتمع. وعليه، يمكن أن تتخذ إشكالية اعتماد الموازنة برلمانيًا عددًا من المسارات، يمكن الإشارة إليها فيما يلي:

أولًا- المرونة المتبادلة لإيجاد صيغة قابلة للتمرير: يرتبط ذلك الطرح بالتوصل لتعديلات واضحة على مشروع الموازنة المُقترح، بما يضمن كون الإنفاق الحكومي مناسبًا لمدة ولاية الحكومة، وألا تتجاوز الأخيرة صلاحياتها بما يمس سلطة البرلمان الرقابية، مع حسم المناصب السيادية ووجود مؤسسات رقابية ومحاسبية محايدة لا يسيطر عليها قوى مناوئة للبرلمان. وهو سيناريو مُرجح بقوة؛ لرغبة حكومة الوحدة في مواصلة دورها وفقًا لشرعية دستورية، بجانب حرص مجلس النواب على عدم التخلي عن دوره لصالح لجنة الحوار، بالإضافة لحرص الطرفين على حفظ الوضع الراهن بينهما كسلطتين غير متنازعتين يشكل تعاونهما نمطًا محققًا لأهدافهما.

ثانيًا- التعطيل بربط الاعتماد بتعديلات البرلمان: يتصل هذا المسار بتمسك البرلمان بإدخال كافة التعديلات التي أوصى بها في الجولتين السابقتين لتمرير الموازنة، وعدم إظهار المجلس أية مرونة للتعامل مع مقترح الحكومة. وهو سيناريو غير مُرجح؛ كون تقارير اللجنة المالية وديوان المحاسبة تتطلب إطارًا زمنيًا طويلًا لتنفيذها، وهو ما قد يفوت فرصة إجراء الاستحقاقات الانتخابية المقررة نهاية العام في موعدها، ما يعني إمكانية تعثر التسوية عمومًا واعتبار البرلمان معرقلًا لها، أو مناورة حكومة الدبيبة عبر لجنة الحوار السياسي لتمرير الموازنة، وهو سيناريو يهدد دستورية أنشطة الحكومة المالية، وقد يفتح الباب أمام تجدد الانقسام والدخول في مواجهات شاملة.

وفي النهاية، يمكن القول إن إشكالية تمرير الموازنة العامة للعام المالي 2021 تعكس استمرار تجاذبات القوى الليبية كمحدد بالغ التأثير على مسار الأزمة، وتمسك مجلس النواب بحسم القضايا الخلافية العالقة، كالمناصب السيادية وموازنة القيادة العامة، كشروط مسبقة لاعتماد الموازنة؛ لضمان ضبط الإنفاق وعدم تسربه إلى المجموعات المسلحة، كما يُعد موقف البرلمان رسالة بأن منح الثقة للحكومة وفقًا لمتغيرات “مارس” لا يعني استمراره بتلبية متطلبات خارطة الطريق وفقًا لذات المنهجية، وأن على الحكومة إظهار مرونة أكبر في تعاطيها مع المجلس ورؤيته.

حسين عبد الراضي
باحث بوحدة التسلح