استعادة التوازن للشرق الأوسط

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

يشهد الشرق الأوسط تحركات وتغيرات سريعة. فهناك خصومات يتم تسويتها، وحوارات تجري بين أعداء الأمس الأشداء. حتى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يبدو مقدما على تهدئة أطول من المعتاد في جولات الصراع السابقة. التحول الذي تشهده المنطقة هو نتيجة مباشرة لنجاح مصر في تثبيت الدولة وتدعيمها، فعادت مصر فاعلا مستقلا مؤثرا في شؤون الإقليم، ونقلت الشرق الأوسط من مرحلة حاولت فيها قوى إقليمية فرض هيمنتها على الإقليم، إلى مرحلة جديدة يغلب عليها التوازن بدلا من الهيمنة.  التحول الجاري في الشرق الأوسط هو نتيجة لحركة في اتجاهين. فبينما تخلت بعض الدول عن محاولة فرض الهيمنة على الجوار، استعادت دول أخرى قدرتها على الحركة…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

يشهد الشرق الأوسط تحركات وتغيرات سريعة. فهناك خصومات يتم تسويتها، وحوارات تجري بين أعداء الأمس الأشداء. حتى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يبدو مقدما على تهدئة أطول من المعتاد في جولات الصراع السابقة. التحول الذي تشهده المنطقة هو نتيجة مباشرة لنجاح مصر في تثبيت الدولة وتدعيمها، فعادت مصر فاعلا مستقلا مؤثرا في شؤون الإقليم، ونقلت الشرق الأوسط من مرحلة حاولت فيها قوى إقليمية فرض هيمنتها على الإقليم، إلى مرحلة جديدة يغلب عليها التوازن بدلا من الهيمنة. 

التحول الجاري في الشرق الأوسط هو نتيجة لحركة في اتجاهين. فبينما تخلت بعض الدول عن محاولة فرض الهيمنة على الجوار، استعادت دول أخرى قدرتها على الحركة والفعل المستقل، وانتقلت من خانة المفعول إلى قائمة الفاعلين. ففيما تراجعت تركيا وقطر عن محاولات فرض الهيمنة، أنجزت مصر عملية تحول كبرى، من دولة تمزقها الصراعات، إلى فاعل رئيسي مؤثر. 

لو أن هناك كملة سر تفسر تحولات الإقليم، فإن هذه الكلمة هي مصر بكل تأكيد. فمصر هي لاعب كبير ورئيسي، تفرض الأطوار التي يمر بها آثارها على كل الإقليم. قبل عقدين من الزمان كانت مظاهر شيخوخة الحكم في مصر آخذة في التزايد، وكان التأزم السياسي يزداد عمقا، الأمر الذي أغرى حكاما طموحين ليس فقط على التقدم لملء الفراغ الذي خلفته مصر، بل وأغراهم على محاولة إخضاع مصر ذاتها، وتحويلها إلى دولة تابعة تدور في أفلاكهم. 

قبل اضطرابات شتاء 2011 العاصف كانت تركيا تعيد توجيه سياستها الخارجية في اتجاه جوارها العربي والإسلامي الذي تجاهلته لعقود. قدمت تركيا نفسها باعتبارها شريكا بريئا، ليس له أطماع، ونموذجا للنمو الاقتصادي والديمقراطية والحكم الرشيد في بلد إسلامي. كان هذا يحدث فيما الإعلام التابع لدولة قطر يركز مدفعيته الثقيلة على مصر، تعريضا بمثالب الحكم، وتشجيعا للمعارضة.

استخدمت الدول الطامحة قضية فلسطين أداة لتحقيق أهدافهم. لم يكن هذا جديدا، فكل المتطلعين للنفوذ في العالم العربي قد سبقوهم لاستخدام فلسطين لنفس الغاية. رتبت تركيا قافلة مساعدات بحرية استهدفت كسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة. لم تصل القافلة البحرية التركية إلى غزة، بعد أن اعترضتها إسرائيل كما كان متوقعا. لم يستفد الفلسطينيون شيئا من كل هذا الصخب، فيما لمع نجم تركيا في سماء الشرق الأوسط كما لو كانت الفارس القادم لتحرير فلسطين من البحر. حدث هذا فيما كان الإعلام التابع لدولة قطر قد حول معبر رفح إلى سكين للطعن في مصر والتزامها بقضية فلسطين. كانت مصر تفتح المعبر وتغلقه وفقا لنظام دقيق، يستجيب لاحتياجات المواطنين الفلسطينيين، ويحفظ التوازن بين جناحي الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة، ويحمي الأمن القومي لمصر أيضا، فيما كان الإعلام الغوغائي يطالب بالمعبر مفتوحا سداح مداح، وإلا اتهم القاهرة بالمشاركة في حصار القطاع. 

تسرب النفوذ التركي بخبث للجوار المصري القريب في غزة، وجرب الأتراك القيام بدور الوسيط بين الفلسطينيين والفلسطينيين، والفلسطينيين والإسرائيليين، دون أن يتسبب ذلك في دق جرس تنبيه في القاهرة. حدث هذا بينما كانت أموال قطر تصل بسخاء إلى القطاع لتغذية الانشقاق الفلسطيني بين الضفة وغزة، وبين فتح وحماس؛ متخفية وراء شعارات الإعمار والاحتياجات الإنسانية لأهل القطاع. 

حدث كل هذا قبل الربيع المزعوم. أما في المرحلة التالية لذلك فقد انتقل الهجوم من مرحلة العمل غير المباشر، والالتفاف عن طريق قطاع غزة، لمرحلة العمل المباشر، واستهداف الوصول رأسا إلى القاهرة. كان الإخوان هم حصان طروادة الذي تم استخدامه في هذه الهجمة. كانت مصر مثخنة بجراحها، فتحولت من طرف خامل كسول بسبب شيخوخة الحكم، إلى فريسة تغري بالانقضاض عليها. عندما تسقط دولة بحجم مصر تلتهب غرائز الطامعين، بدءا من تركيا التي ظنت نفسها أولى بالمقاطعة العثمانية السابقة، إلى قطر التي رأت في مواردها المالية الهائلة و قفزاتها فائقة السرعة سببا يؤهلها للسيطرة على الديناصور الضخم، الذي كادت البلادة وبطء الحركة أن تدخله في عداد الكائنات المنقرضة. 

بالمقابل، كان هناك من تصدى لمقاومة هذه الطموحات، مدركا مخاطر وقوع مصر في قبضة الطامعين، وما يحدثه ذلك من انقلاب في ميزان القوة الإقليمي، وهو الموقف الذي التزمت به العربية السعودية والإمارات. غير أن العامل الحاسم الذي جعل خيار التصدي لأطماع الهيمنة التركية القطرية الإخوانية هدفا قابل للتحقق هو الدور الذي لعبته قوى الوطنية والدولة المصرية، فلولا التماسك والصلابة التي ميز هذه القوى لاختلف مصير الشرق الأوسط كله. 

أحبط النجاح المصري طموحات هيمنة تركيا، التي وجدت نفسها معزولة في تحالف مع دولة وحيدة فقط هي قطر، فقرر البلدان إسقاط أوهام الهيمنة، والتخلي عن الإخوان، وانتهاج سياسة جديدة تجاه مصر ودول الخليج. 

المقارنة بين مصر وسوريا تبين محورية الدور الذي لعبته قوى الوطنية والدولة المصرية في تحديد نتيجة الصراع. فبعد عقد من الحرب في بر الشام لم تعد سوريا دولة وفاعل مستقل؛ ومع أن الأمور تبدو هادئة هناك الآن، إلا أن هذا ليس نتيجة لمتانة وضع الدولة والوطنية السورية، ولكن لأن اللاعبين المتنافسين على مصير سوريا رضوا بالنصيب الذي قنصه كل منهم، أو بالخسارة التي لحقت به، وقرر قبول الأمر الواقع، فهدأ الصراع حول سوريا، دون أن تعود سوريا للساحة الإقليمية لاعبا مستقلا.

استكملت مصر مهمات تثبيت الدولة وترتيب البيت، وشرعت في التعامل مع الخارج بثقة. ظهر هذا في ليبيا، كما ظهر في شرق المتوسط، وأيضا في القرن الأفريقي. في أزمة العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة تحركت مصر بشمول وذكاء وسرعة، فاحتلت الموقع الأبرز في مقدمة المشهد، ولم تتح الفرصة لأي طرف للمزايدة عليها؛ ساعدها على ذلك أنه لم يعد لأحد مصلحة في المزايدة بالقضية الفلسطينية، بعد أن تم إحباط مشروعات الهيمنة، وقبل الجميع بالالتزام بسياسات التوازن. 

ــــــــ

نقلا عن جريدة لأهرام، ٣ يونيو ٢٠٢١

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب