مقال تحليلي

الانتخابات السورية وتجدد صراع الأحزاب في لبنان

شكّلت الانتخابات الرئاسية السورية -مؤخرًا- منعطفًا جديدًا في الصراع السياسي في لبنان، لكن هذه المرة بين الأحزاب اللبنانية المناصرة والمناوئة للسياسة السورية. وكان إدلاء السوريين في الخارج بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية محطة لتجدد هذا الصراع بين مناصري حزب القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع والحزب القومي السوري المنقسم على قيادته في الوقت الراهن لتلقي بكُرة جديدة من كرات اللهب المشتعلة في الداخل اللبناني، وتؤكد أن المسألة السورية لا تزال تشغل حيزًا كبيرًا في الحياة السياسية اللبنانية، وأن ملف النازحين ما هو إلا حلبة للصراع يُفتح كل حين بين الأحزاب والتيارات اللبنانية. بداية، فإن النازحين السوريين في لبنان المقدر عددهم بنحو مليون…

محمد القزاز
كاتب صحفي متخصص في الشأن اللبناني

شكّلت الانتخابات الرئاسية السورية -مؤخرًا- منعطفًا جديدًا في الصراع السياسي في لبنان، لكن هذه المرة بين الأحزاب اللبنانية المناصرة والمناوئة للسياسة السورية. وكان إدلاء السوريين في الخارج بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية محطة لتجدد هذا الصراع بين مناصري حزب القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع والحزب القومي السوري المنقسم على قيادته في الوقت الراهن لتلقي بكُرة جديدة من كرات اللهب المشتعلة في الداخل اللبناني، وتؤكد أن المسألة السورية لا تزال تشغل حيزًا كبيرًا في الحياة السياسية اللبنانية، وأن ملف النازحين ما هو إلا حلبة للصراع يُفتح كل حين بين الأحزاب والتيارات اللبنانية.

بداية، فإن النازحين السوريين في لبنان المقدر عددهم بنحو مليون ونصف المليون نازح بحسب تقديرات حكومية، يشكلون ضغطًا كبيرًا اقتصاديًا واجتماعيًا في بلد يعاني أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث، ويكاد يكون هناك إجماع على ضرورة عودتهم، وكثيرًا ما توجه لهم اتهامات بأنهم السبب في تدهور الوضع الاقتصادي اللبناني وخفض الأجور، غير أن تلك القضية المتفق عليها تخضع دائمًا لحسابات سياسية في بلد يظهر فيه بوضوح الانقسام السياسي على الأوضاع في سوريا.

في الأزمة الأخيرة التي بدأت مع أول أيام انتخابات الرئاسة السورية للسوريين في الخارج، اعترض عناصر من حزب القوات ناخبين سوريين بلبنان مؤيدين للأسد في منطقتي جونية شمال لبنان، وساسين بحي الأشرفية شرق بيروت، وهي مناطق ذات أكثرية مسيحية، وتم الاعتداء على حافلاتهم خلال توجههم إلى السفارة السورية في منطقة اليرزة، وقام ملثمون بنزع الصور والأعلام واللافتات المؤيدة للأسد، مما أدى لتدخل قوة من الجيش وفتح الطريق العام أمام السيارات المتوقفة. وما أكد أنهم عناصر من حزب القوات اللبنانية تغريدة لسمير جعجع بترحيل السوريين المشاركين في الانتخابات السورية.

لم تمر سوى ساعات ليأتي الرد من الحزب السوري القومي، حيث أقام احتفالًا في شارع الحمرا الشهير في بيروت بمناسبة عيد “المقاومة والتحرير” الـ21 لانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، إذ ردد مناصروه عقب الاحتفال شعارات تهدد رئيس حزب القوات سمير جعجع بالقتل مثل: “طار راسك يا بشير، وجاي دورك يا سمير”، في إشارة إلى إدانة عنصر من “القومي” باغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل الذي كان حينها رئيسًا لحزب “القوات”، عام 1982.

في لبنان، ذلك البلد الصغيرة مساحة وسكانًا، تبرز ظاهرة الأحزاب بقوة على اختلاف مشاربها، إذ يقدر عددها بنحو 80 حزبًا، ويسعي كل حزب إلى تزويد أنصاره بهوية مميزة، ورؤية أيديولوجية تستند إلى تجارب بعينها على مستوى الأحداث والصراعات، وبالتالي تشكل الاحتفالات الحزبية منطلقًا مهمًا للتذكير بتلك الأحداث، فيما يطلق عليه “ثقافة التذكر”، حيث يتم استحضار ذكرى الشهداء والحرب الأهلية، من خلال تجريم اغتيال الشّخصيات السياسية والعسكرية أو تبجيل القادة السياسيين والعسكريين، وهو ما تحرص عليه الأحزاب دائمًا وتتنافس عليه، ويكون التنظيم على قدر الحدث، يتم الحشد له ماديًا وبشريًا قبل المناسبة بأيام عدة تعلق فيها الأعلام واللافتات وتكون فرصة لاستعراض كل حزب قوته، ومنطلقًا لإعادة تموضع كل زعيم داخل طائفته وحزبه، ومهاجمة الأحزاب والتيارات الأخرى المختلفة معه والمتربصة بأنصاره.

على إثر الصراع الأخير بين حزبي القوات اللبنانية والسوري القومي، طالب الأول السلطات المعنية بسحب الترخيص من الحزب “السوري القومي الاجتماعي” ووقف الاعتراف بوجوده، خاصة بعد حكم المجلس العدلي على أعضاء من الحزب “السوري القومي الاجتماعي” باغتيال رئيس جمهورية لبنان المنتخب بشير الجميل في عام ١٩٨٢، وهو ما تباهى به أنصار الحزب في احتفالهم بشارع الحمرا، ورد رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي ربيع بنات على مطالبة القوات بسحب الترخص، إن “دعوى ميليشيا القوات اللبنانية على رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي وعميد الدفاع، وأكثر من 15 ألف رفيقة ورفيق وأمينة وأمين وزهرة وشبل وطالبة وطالب ومُسعفة ومُسعِف شاركوا في احتفال بيروت، لا تمحو تاريخ القوات الأسود وتزيد تاريخ حزبنا بياضًا”.

حزب القوات اللبنانية الذي خرج من رحم الكتائب اللبنانية تأسس عام 1976 في بداية الحرب الأهلية كذراع عسكرية للجبهة اللبنانية لمواجهة منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وبعد الحرب الأهلية واتفاق الطائف كان ضد سوريا وتدخلها في لبنان، على حين أن الحزب السوري القومي قد نشأ عام 1932 على يد أنطون سعادة، وهو رومي أرثوذكسي، ومن مبادئ الحزب أن السوريين يشكّلون أمة واحدة قائمة بذاتها، ولذلك فإن قضية استقلال سوريا هي قضية قومية مستقلة عن أي قضية أخرى، وينبغي أن تتم في الإطار الوطني السوري الذي يضم بلاد الشام بكاملها دون أي تجزئة، ويرفض الحزب فكرة قيام لبنان المستقل، لكنه يعاني أزمات داخلية وخلافًا بين قيادته مؤخرًا بسبب تأييد رئيسه السابق أسعد حردان تكليف سعد الحريري تشكيل الحكومة.

الصراع بين الأحزاب خاصة الكبرى متَجَذِر وقديم قِدَم الحياة السياسية في لبنان حتى داخل الطائفة نفسها، ففي ثمانينيات القرن الماضي كان الصراع على أشده بين حركة أمل وحزب الله فيما سُميّ بحرب الإخوة أو حرب الشقيقين، وصل إلى حد الصراع المسلح وإسقاط قتلى بين الطرفين ثمّ انتهى إلى اتفاق سلام مع بداية عقد التسعينيات برعاية سورية إيرانية، ويعيش كل منهما الآن حالة من التحالف السياسي والانتخابي، لكن نار الذكريات المؤلمة لم ترحل بعد، وربما تتفجر في أي لحظة في حال غياب أي من نبيه بري أو حسن نصرالله كونهما يستطيعان السيطرة على عناصرهما بكل حزم.

في تلك الفترة أيضًا اشتد الصراع بين عون وجعجع زعيم حزب القوات اللبنانية قبل أن يتشكل حزب الأول باسم التيار الوطني الحر، ولا يزال الصراع مشتعلًا حتى اللحظة لكنه صراع سياسي ورئاسي أكثر منه صراعًا مسلحًا كما حدث في حرب الإلغاء عام 1990 حين كان عون رئيسًا للحكومة العسكرية، وقاد حربًا ضد قوات جعجع.

ولا يبتعد في هذا السياق أيضًا صراع الدروز أو الأحزاب الدرزية المتمثل في الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط، وطلال أرسلان رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني من ناحية أخرى، وينضم إليه وئام وهاب زعيم حزب التوحيد العربي، وشهد الحزبان الدرزيان الكبيران صراعات كبيرة بينهما آخرها في 2019.

فيما الطائفة السنية لم تشهد أيًا من تلك الصراعات الحادة والمعلنة فيما بينها، كونها لم تشكل حزبًا يصارع الأحزاب داخل الطائفة بقدر تشكيل حزب يجابه الأحزاب الأخرى بل ويضم كل الطوائف كما هو حال تيار المستقبل الذي أسسه الحريري الأب، ويدعو إلى التعايش المشترك، وينادي بإلغاء الطائفية السياسية.

ربما التساؤل هنا: أين بشار الأسد من تلك الصراعات سواء بين عون والحريري من جهة، أو بين الأحزاب من جهة أخرى، خاصة أن الأخير يخصه كون التلاسن والاعتداءات جاءت بسبب الانتخابات الرئاسية؟ والإجابة أنه منذ رحيل حكومة ميقاتي في فبراير 2014 ومع اشتداد الأزمة السورية، لم تظهر أنياب لبشار الأسد كما كان عليه الوضع قبل عام 2011، وربما بسبب أن حزب الله منذ اجتياح بيروت في مايو عام 2008 قادر على تنفيذ سياسات ومتطلبات الرئيس السوري، فضلًا عن وجود الحليف المسيحي الأهم في سدة الرئاسة اللبنانية وأحد أهم المدافعين عن بشار والسياسة السورية، ومن ثمّ لم يُلاحظ مثلما كان في السابق زيارة الأقطاب والزعماء إلى سوريا ولقاء بشار، غير أنه ليس مستبعدًا في ظل تراكم الأزمات اللبنانية أن تعود سوريا مرة أخرى إلى لبنان، وإن كان من باب الوصاية السياسية، وليس العسكرية كما حدث في عام 1976.

محمد القزاز
كاتب صحفي متخصص في الشأن اللبناني