وحدة الدراسات الأفريقية

زيارة “السيسي” لجيبوتي.. تعزيز الحضور المصري في منطقة القرن الإفريقي

تُعد زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى جيبوتي في السابع والعشرين من مايو 2021، الأولى من نوعها، وتحمل هذه الزيارة التاريخية أبعادًا استراتيجية ذات دلالات مُهمة في إطار التأكيد على الحرص المصري على بناء روابط استراتيجية وسياسية بمنطقة القرن الإفريقي، كما تأتي الزيارة في توقيت حرج تشهد فيه منطقة القرن الإفريقي توترات تهدّد استقرار منطقة القرن الإفريقي. تعتبر دولة جيبوتي من أهم دول القرن الإفريقي؛ إذ تملك موقعًا استراتيجيًا يشكِّل أهمية كبيرة للتجارة العالمية، بفضل احتوائه على مضيق باب المندب وطريق قناة السويس التي يمر عبرها نحو 10% من صادرات النفط العالمية و20% من الصادرات التجارية سنويًّا. وتعمل جيبوتي على…

أسماء عادل
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

تُعد زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى جيبوتي في السابع والعشرين من مايو 2021، الأولى من نوعها، وتحمل هذه الزيارة التاريخية أبعادًا استراتيجية ذات دلالات مُهمة في إطار التأكيد على الحرص المصري على بناء روابط استراتيجية وسياسية بمنطقة القرن الإفريقي، كما تأتي الزيارة في توقيت حرج تشهد فيه منطقة القرن الإفريقي توترات تهدّد استقرار منطقة القرن الإفريقي.

تعتبر دولة جيبوتي من أهم دول القرن الإفريقي؛ إذ تملك موقعًا استراتيجيًا يشكِّل أهمية كبيرة للتجارة العالمية، بفضل احتوائه على مضيق باب المندب وطريق قناة السويس التي يمر عبرها نحو 10% من صادرات النفط العالمية و20% من الصادرات التجارية سنويًّا. وتعمل جيبوتي على استغلال هذا الموقع الجغرافي المتميز من خلال تقوية مكانتها كمنفذ لشرق إفريقيا، وفتح المرافق البحرية للبلاد لمرور السلع من أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، كون ميناء جيبوتي مركزًا للتبادل التجاري، كما تستضيف جيبوتي مرافق عسكرية ولوجستية من عدة دول إقليمية ودولية.

أهداف القمة المصرية الجيبوتية

يمكن قراءة الرسائل التي تحملها زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لجيبوتي على النحو التالي:

بناء روابط أخوية على المستوى الرئاسي: يتضح ذلك من حرص السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي على تهنئة نظيره الجيبوتي إسماعيل عمر جيلة بمناسبة فوزه في أبريل 2021 بولاية رئاسية خامسة، بنسبة تجاوزت 98% من الأصوات.

تعزيز الدور التنموي المصري في جيبوتي: شهدت المُباحثات مناقشة معمقة حول تعزيز التعاون المشترك بين البلدين، حيث تم الاتفاق على زيادة معدلات التبادل التجاري بين الدولتين، وزيادة الاستثمارات المصرية في جيبوتي، والعمل على إنشاء منطقة لوجستية مصرية في جيبوتي لتسهيل تصدير مختلف البضائع المصرية، وهو ما يُعزز الحضور المصري في جيبوتي، بالإضافة إلى تعزيز التعاون في المجال الطبي والمصرفي من خلال إنشاء مستشفى مصري في جيبوتي، وافتتاح فرع لبنك مصر في جيبوتي. كما تلعب الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية دورًا في مجال بناء القدرات من خلال البرامج التدريبية التي تقدمها.

التعاون في القضايا محل الاهتمام المُشترك

 التعاون في ملف أمن البحر الأحمر: يُمثّل أمن البحر الأحمر مسألة هامة في ضوء تزايد التوترات التي تشهدها بعض دول المنطقة، ولذلك فقد تم التوافق خلال القمة المصرية الجيبوتية على تعزيز الأمن والاستقرار وحماية التجارة وحركة الملاحة بهذه المنطقة، والحيلولة دون سيطرة الجماعات الإرهابية على الممرات الملاحية وتهديد أمن الطاقة، والتصدي لأية محاولة من أطراف من خارج الإقليم لفرض رؤيتها على المنطقة. ويتضح التعاون بين البلدين في إطار “مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن” الذي تم تشكيله في ديسمبر 2018، ويضم ثمانية بلدان (السعودية، مصر، الأردن، السودان، اليمن، الصومال، إريتريا، جيبوتي)، وتم التوقيع على ميثاقه في 6 يناير 2020. 

التعاون في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف: تنشط حركة الشباب الإرهابية في الصومال، وتحاول الحركة التمدد وإيجاد موطئ قدم لها في جيبوتي، وهو ما يتضح من خلال مقطع الفيديو الذي تم تداوله في 27 مارس 2021 لزعيم حركة الشباب “أبو عبيدة أحمد عمر” يطالب أعضاء الحركة بوضع الأهداف الأمريكية والفرنسية في جيبوتي ضمن أولويات مقاتلي الحركة، وقد وصف جيبوتي بأنها تحولت إلى قاعدة عسكرية يتم من خلالها استهداف المسلمين في شرق إفريقيا.

وفي ضوء ما سبق، نجد أنه تم التوافق خلال المُباحثات بين الرئيسين المصري والجيبوتي على تكثيف الجهود في مجال مكافحة الفكر المتطرف وتأهيل الدعاة من خلال تكثيف نشاط الأزهر الشريف، وهو ما يساهم في تجفيف منابع الفكر المُتطرف.

السياسة المصرية ومواجهة التحديات في إفريقيا

تأتي زيارة السيسي لجيبوتي في ضوء سياق إقليمي يتسم بالتوتر وعدم الاستقرار بسبب عدد من القضايا، أبرزها: النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا، وقضية سد النهضة، والصراع في إقليم تيجراي، والأزمة السياسية في الصومال. وتسعى الدولة المصرية لتعزيز تواجدها في منطقة دول البحر الأحمر وحوض النيل، وذلك بغرض توحيد مواقف دول المنطقة في مواجهة عدد من التحديات، ولتحقيق ذلك الهدف تنتهج السياسة الخارجية المصرية استراتيجية التطويق الجيوستراتيجي، واستخدام مجموعة من الأدوات الدبلوماسية والتنموية والعسكرية، ويمكن

توضيح ذلك على النحو التالي

التحركات الدبلوماسية: النشاط الدبلوماسي المصري على المستوى الرئاسي يؤكد الحرص الرئاسي على تقوية الروابط وتعزيز العلاقات مع دول حوض النيل، وتوحيد المواقف تجاه القضايا المشتركة. وفيما يلي أبرز الجولات الخارجية التي قام بها الرئيس المصري: 

 أجرى الرئيس عبدالفتاح السيسي زيارة إلى دولة جنوب السودان في الثامن والعشرين من نوفمبر 2020، وتعتبر هي الأولى من نوعها منذ الإعلان عن تأسيس جنوب السودان عقب انفصالها عن السودان. 

 الحرص الرئاسي على تكثيف التعاون مع دولة السودان، فقد زار الرئيس المصري السودان في السادس من مارس 2021. وتساهم الزيارات على المستوى الرئاسي في تقارب مواقف البلدين تجاه التحديات المُشتركة، وفي مقدمتها ملف سد النهضة الإثيوبي، وضرورة التوصل لاتفاق ملزم بشأن ملء وتشغيل السد.

 كما أن هناك لقاءات بين الرئيس المصري ونظيره الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي، وتجدر الإشارة الى أن الكونغو الديمقراطية هي الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، وهو ما يؤكد على أهمية التنسيق المصري مع الكونغو الديمقراطية التي ترعى مفاوضات سد النهضة بهدف الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد عملية الملء والتشغيل لسد النهضة.

الجهود التنموية: تعمل مصر على تعزيز وتوطيد العلاقات المصرية مع دول حوض النيل، وتحقيق التكامل مع تلك الدول عبر الانخراط في تنفيذ المشروعات التنموية التي تخدم الشعوب الإفريقية. ويمكن توضيح أبرز الجهود التنموية التي تقوم بها مصر في منطقة دول حوض النيل على النحو التالي: 

 يعد الدعم المصري لإنجاز سد “جوليوس نيريري” التنزاني، خير دليل على أن الدولة المصرية ليست ضد التنمية في دول حوض النيل؛ إذ يحظى هذا المشروع بدعم كبير من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، كما كان هناك حرص مصري على الحضور لحظة توقيع العقد لإنشاء السد في ديسمبر 2018، فقد تم توقيع العقد بحضور الرئيس التنزاني الراحل جون بومبي جوزيف ماجوفولي ورئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي. وسيوفر مشروع سد “يوليوس نيريري” الطاقة الكهرومائية للشعب التنزاني، وهو ما يبرهن بشكل واضح على أن الدولة المصرية ليست ضد قيام أي دولة في القارة الإفريقية بتشييد السدود وتحقيق التنمية.

 كما أن هناك تعاونًا بين مصر وكينيا عبر العديد من المشروعات المصرية في شتى المجالات؛ في المجالات الصحية والزراعة والثروة الحيوانية، وهو ما يُعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

 هناك دعم مصري للاقتصاد الأوغندي من خلال تعزيز الشراكة في قطاعات الصناعة والزراعة والتشييد والبناء والصحة والطاقة. 

التعاون العسكري

تتزامن زيارة الرئيس المصري لجيبوتي مع توقيع مصر اتفاقيات التعاون العسكري مع دول حوض النيل وإجراء مُناورات عسكرية مُشتركة مع السودان، وهو ما يعكس أن هناك حرصًا مصريًا على تعزيز التعاون العسكري مع دول حوض النيل لمواجهة التحديات والمخاطر المُشتركة، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:

 إبرام الاتفاقيات العسكرية

– أبرمت مصر والسودان في الثاني من مارس 2020 اتفاقية عسكرية في الخرطوم، بحضور قائدي جيشي البلدين.

– وقّعت مصر وأوغندا مذكرة تفاهم بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية العسكرية في السابع من أبريل 2021. 

– وقّع الجيشان المصري والبوروندي اتفاقية تعاون عسكري في مجالات التدريب والتمارين المشتركة في العاشر من أبريل 2021.

– وقّعت مصر وكينيا، في السابع والعشرين من مايو 2021، اتفاقية فنية للتعاون الدفاعي، وتهدف الاتفاقية إلى تعميق الشراكة بين البلدين في الأمور ذات المنفعة المتبادلة.

إجراء مُناورات عسكرية

– تتزامن القمة المصرية الجيبوتية مع انطلاق مناورات “حماة النيل” العسكرية بين الجيش السوداني ونظيره والمصري في السادس والعشرين من مايو 2021، وتهدف المناورات لمواجهة التهديدات المُحتملة، والتنسيق المُشترك للدفاع عن المصالح الحيوية الاستراتيجية في البلدين.

ومن الجدير بالذكر أن هناك تنسيقًا عسكريًا مُستمرًا بين البلدين، بدأ بإجراء تدريبات جوية مشتركة “نسور النيل-1” في نوفمبر 2020. ويأتي ذلك في إطار تعزيز علاقات التعاون العسكري المشترك بين القوات المسلحة لكلا البلدين، كما يتم تكثيف التعاون بين البلدين في مجالات التأهيل والتدريب وتبادل الخبرات وتأمين الحدود ومكافحة الإرهاب والتأمين الفني والصناعات العسكرية.

أسماء عادل
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية