مقال تحليلي

لبنان: مسار معقد وواقع مأزوم

يبدو ألا أفق محددًا لخروج لبنان من أزماته المتعددة بسبب عناد الطبقة السياسية وتصلبها، فأصبح لبنان يعيش واقعًا مأزومًا ومستقبلًا مجهولًا، وما الصراع الخطابي الذي شهده مجلس النواب السبت الموافق ٢٢ مايو ٢٠٢١ لمناقشة رسالة رئيس الجمهورية ميشال عون إلا حلقة جديدة من حلقات السقوط المدوي الذي يعيشه لبنان منذ الحراك الشعبي في 17 أكتوبر عام 2019 وما تبعه من انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، وتفجر إصابات كورونا. الصراع الدائر الآن يبدو ظاهريًا بين تيارين، هما: تيار المستقبل بزعامة سعد الحريري الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة، والتيار الوطني الحر بزعامة جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية، لكنه في الحقيقة بين…

محمد القزاز
كاتب صحفي متخصص في الشأن اللبناني

يبدو ألا أفق محددًا لخروج لبنان من أزماته المتعددة بسبب عناد الطبقة السياسية وتصلبها، فأصبح لبنان يعيش واقعًا مأزومًا ومستقبلًا مجهولًا، وما الصراع الخطابي الذي شهده مجلس النواب السبت الموافق ٢٢ مايو ٢٠٢١ لمناقشة رسالة رئيس الجمهورية ميشال عون إلا حلقة جديدة من حلقات السقوط المدوي الذي يعيشه لبنان منذ الحراك الشعبي في 17 أكتوبر عام 2019 وما تبعه من انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، وتفجر إصابات كورونا.

الصراع الدائر الآن يبدو ظاهريًا بين تيارين، هما: تيار المستقبل بزعامة سعد الحريري الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة، والتيار الوطني الحر بزعامة جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية، لكنه في الحقيقة بين زعماء الطوائف والأحزاب كافة في لبنان، إذ يتمترس كل فريق خلف أحد قطبي الصراع في انتظار ما ستسفر عنه المعركة بينهما على تشكيل الحكومة، سواء حكومة اختصاصيين كما طرحتها المبادرة الفرنسية إثر زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون للبنان، ويتمسك بها الحريري ظاهريًا، أو حكومة تراعي التوازن الطائفي وحجم الكتل النيابية، ويتحجج بها رئيس الجمهورية ومن خلفه صهره جبران باسيل.

وفيما يشتد التنافس الخطابي والتراشق اللفظي بين قطبي الصراع، يعيش اللبنانيون إحدى أسوأ أزماتهم الاقتصادية والمالية والاجتماعية بل والصحية منذ استقلال لبنان في عام 1943، وباتت هذه الأزمة لا تقارن بأي حال بأزمات الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عامًا وانتهت باتفاق الطائف عام 1989. ويجدر بنا في هذا السياق تفكيك الأزمة والمسار الذي أوصل لبنان إلى نقطة اللا عودة في ظل طبقة سياسية حاكمة أوصلت لبنان إلى ما هو فيه، ويبدو أنها لا تريد أن تتركه إلا وهو جثة هامدة.

ما بعد اتفاق الطائف

برغم أن اتفاق الطائف الذي تم توقعيه في الثاني والعشرين من أكتوبر عام 1989 كان اتفاق الضرورة لإخراج لبنان من حالة الحرب الأهلية والتناحر الداخلي؛ فإن جل مواد هذا الاتفاق ظلت مجمدة لاعتبارات طائفية وسياسية، فضلًا عن أن عراب هذا الاتفاق وهو الرئيس الراحل رفيق الحريري أخذ على عاتقه حل الأزمات السياسية والاقتصادية الناجمة عن التطبيق بفضل شبكة علاقاته الدولية المتينة بزعماء العالم من المحيط إلى الخليج، وقدرته المالية الكبيرة.

ظل الحريري الأب في سياسة الترقيع، خاصة لأي أزمة اقتصادية أو مالية، فجيء برياض سلامة حاكمًا لمصرف لبنان عام 1993، وعملت الدولة على تثبيت سعر صرف الدولار مقابل الليرة عند 1557 ليرة، عبر تدخل مستمر لمصرف لبنان المركزي كلما حدث انهيار له، فيما ساعده على تجاوز أزماته السياسية نوعًا ما وجود أهم قطبين من أقطاب الصراع السياسي في لبنان خارج دائرة التجاذبات القوية، أولهما هو سمير جعجع حيث كان يقضي عقوبة السجن وقتها إثر اتهامه بإصدار أوامر القيام بعدة اغتيالات سياسية، وثانيهما وهو ميشال عون قائد الجيش وقتها الذي هرب إلى فرنسا إثر حرب الإلغاء وظل بها قرابة خمسة عشر عامًا.

ظلت الأوضاع السياسية والاقتصادية والمالية منذ اتفاق الطائف وحتى عام 2005 أقرب إلى الثبات بوجود شخص رفيق الحريري، لكن ما إن تم اغتياله في 14 فبراير حتى تكشفت كل الأزمات السياسية والاقتصادية وإن لم تصل إلى حد الانهيار كما هو حاث الآن بفضل أكثر من عامل محلي وإقليمي وقتئذ، منها التفاف دول كثيرة حول لبنان حتى لا ينهار ويسيطر عليه حزب الله المنتشي وقتها بما يفعله تجاه الإسرائيليين وحتى لا يكون ورقة يسهل التلاعب بها في أي أزمة إقليمية ناشبة. وأما محليًا فكان لبنان لا يزال قبلة السائحين من كل دول العالم، وفي القلب منهم الخليجيون، فضلًا عن استثماراتهم في الداخل اللبناني، مما كان له أثر في إحداث انتعاشة اقتصادية ومالية انعكست على الأوضاع الاجتماعية وقتها.

حرب 2006 وتداعياتها

كثيرون ينظرون إلى عام 2006 في لبنان، على أنه العام الأكثر دموية بين لبنان وإسرائيل إثر حرب يوليو، حيث تسببت رعونة السيد حسن نصر الله في إلحاق خسائر بشرية ومادية لا حصر لها، لكن العام نفسه كان يحمل حدثين كبيرين مرتبطين بزعيم حزب الله؛ أولهما هو اتفاق مار مخايل الشهير بينه وبين ميشال عون العائد لتوه من منفاه الباريسي في 6 فبراير من العام نفسه، وبعد عام من اغتيال الحريري، والحدث الثاني هو انكفاء حزب الله على الداخل اللبناني، واقتصار مقاومته للكيان الصهيوني على الخطابات الشهيرة في الأحداث والمناسبات.

على إثر هذا التفاهم بين عون ونصر الله ردًا على الاتفاق الرباعي بين الحريري وجنبلاط والقوى المسيحية التي انضوت تحت ما يسمى فريق 14 مارس، وسمي الآخر فريق 8 مارس؛ صار الانقسام واضحًا، وأصبح اللعب على المكشوف، فخلال تلك الفترة من رئاسة فؤاد السنيورة الحكومة اللبنانية حتى عام 2008، قامت عناصر حزب الله والمؤيدين له من حركة أمل بزعامة نبيه بري رئيس مجلس النواب والتيار الوطني الحر وتيار المرة بزعامة سليمان فرنجية بالاعتصام في وسط بيروت منذ أكتوبر 2006 وحتى شهر مايو 2008 إثر اتفاق الدوحة الشهير بعد اقتحام عناصر حزب الله بيروت في أحداث السابع من مايو الشهير، وعلى إثره استقال فؤاد السنيورة، وتم انتخاب ميشال سليمان رئيسًا، وجرت الانتخابات النيابية في عام 2009، وفاز الحريري الابن وفريقه بالأكثرية النيابية.

كان لبنان منذ اغتيال الحريري الأب يترنح بين أزمات سياسية واقتصادية عميقة، لكن دعم الخليج الواضح اقتصاديًا خاصة السعودية والدعم السياسي الإقليمي كان يؤجل تفجير تلك الأزمات إلى حين. وقتها كان لا يزال للتدفق السياحي دور في التماسك الاقتصادي، لكن مع أحداث الربيع العربي، واشتداد الأزمة السورية؛ أدرك الجميع أن لبنان يسير إلى الهاوية، خاصة مع النزوح السوري إلى لبنان والذي يقدر بنحو مليوني نازح.

جاءت الأزمة السورية، وانضمام حزب الله إلى الجيش السوري، ومعاونة الرئيس بشار في حربه تجاه المسلحين؛ لتشكل حلقة جديدة من حلقات الانهيار اللبناني في أكثر من صعيد سياسي واقتصادي، إذ كان لدخول حزب الله في الحرب السورية مقاومة شديدة من جانب الحريري ورفاقه، فيما كان عون وصهره جبران باسيل وتياره ملتزمًا باتفاق مار مخايل ودعمه لحزب الله.

اندلاع الحراك الشعبي

منذ عام 2011 اشتدت التظاهرات في لبنان، وتعاقبت كثيرًا رفضًا للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكانت المرة الأولى التي يتم فيها رفع شعارات تتعلق بـ”إسقاط النظام الطائفي”، لكنها لم تدم طويلًا، وجرى استقطاب المتظاهرين من زعماء الطوائف، لتعاود الكَرة في 2015 بشكل كبير وضد النظام الطائفي ولكن تحت شعار “طلعت ريحتكم” بعد تراكم أكوام القمامة في الشوارع اللبنانية كافة، لكن ذلك لم يفتَّ في عضد السياسيين اللبنانيين، ولجئوا إلى المسكنات الخطابية ورمي كرات اللهب على الطوائف والأحزاب المختلفة معهم سياسيًا.

لكن القشة التي قصمت ظهر اللبنانيين كافة عدا طبقتهم السياسية، تمثلت في حراك 17 أكتوبر 2019، حيث كان هذا الحراك هو الأعنف والأقسى، خرجت فيه جموع اللبنانيين منددين بالطائفية السياسية ومطالبين بتنحيهم جميعًا تحت شعار” كلن يعني كلن”، وقتها ظن الحريري أن استقالته قد تكون حلًا وعلاجًا لاتفاقه الشهير مع عون في 2016 وموافقته على انتخابه رئيسًا للجمهورية، فاستقال على إثر هذه الاحتجاجات، آملًا أن يستقيل العهد برئاسة عون، لكن الأخير ظن أنه يستطيع أن يلعب وفريقه منفردًا، فتم تكليف حسان دياب برئاسة الحكومة في يناير 2020، فيما عُرفت بأنها حكومة اللون الواحد، وما إن تم تشكيلها حتى واجهت عواصف من النقد والتعطيل والدفع إلى الاستقالة، خاصة مع الانهيار التام لليرة اللبنانية، وحجز ودائع اللبنانيين في البنوك اللبنانية، وامتناعه عن سداد ديون لبنان المستحقة، لتأتي فاجعة 4 أغسطس وانفجار مرفأ بيروت لتطيح بآمال وأعمال اللبنانيين بعيدًا، ويزداد الفقر توحشًا، وتقفز إصابات كورونا إلى الآلاف يوميًا، لتستقيل حكومة دياب، ويتم تكليف مصطفى أديب الذي يُدفع إلى الاعتذار، ليعود سعد الحريري إلى مكانه وساحته المفضلة ليبدأ جولة جديدة من الصراع على السلطة مع الرئيس عون وصهره الطامح إلى كرسي الرئاسة من بعده جبران باسيل.

ثمانية أشهر من الشد والجذب منذ تكليف الحريري في أكتوبر الماضي المرفوض من عون، ليلعب كل منهما لعبته المفضلة في حرق الآخر، فالحريري عبر زياراته عواصم عدة يشكو فيها تصلب موقف عون في إنقاذ لبنان، والأخير عبر الخطابات المدبجة ببراعة في تمسك الحريري بوزراء بعينهم بعيدًا عن الأوزان الطائفية والمحاصصة.

محمد القزاز
كاتب صحفي متخصص في الشأن اللبناني