وحدة الدراسات الاقتصادية

“تيلدا”: مستقبل البنوك الرقمية في مصر

شهد العالم طفرة في الأعوام الأخيرة في التحول الرقمي الذي يشمل البنوك الرقمية. يتم تعريف البنوك الرقمية على أنها بنوك تقدم خدماتها المالية (مثل: الإيداع، والسحب، والتحويلات المالية، وإدارة حساب التوفير، والقروض، وغيرها من الخدمات) عبر الإنترنت أو الوسائل الإلكترونية دون وجود فرع مادي. وساهمت جائحة كورونا في تسريع وتيرة التحول واستخدام البنوك الرقمية عالميًا مع تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي وارتفاع المخاوف بشأن الاحتكاك بالأفراد، الأمر الذي فتح الأبواب أمام مستثمرين جدد في القطاع عالميًا ومشاهدة مصر أول بنك رقمي لها. أولًا: حجم سوق البنوك الرقمية عالميًا وفقًا لتقرير “اتجاهات سوق الخدمات البنكية الرقمية” المقدم من شركة رؤى السوق العالمية…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

شهد العالم طفرة في الأعوام الأخيرة في التحول الرقمي الذي يشمل البنوك الرقمية. يتم تعريف البنوك الرقمية على أنها بنوك تقدم خدماتها المالية (مثل: الإيداع، والسحب، والتحويلات المالية، وإدارة حساب التوفير، والقروض، وغيرها من الخدمات) عبر الإنترنت أو الوسائل الإلكترونية دون وجود فرع مادي. وساهمت جائحة كورونا في تسريع وتيرة التحول واستخدام البنوك الرقمية عالميًا مع تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي وارتفاع المخاوف بشأن الاحتكاك بالأفراد، الأمر الذي فتح الأبواب أمام مستثمرين جدد في القطاع عالميًا ومشاهدة مصر أول بنك رقمي لها.

أولًا: حجم سوق البنوك الرقمية عالميًا

وفقًا لتقرير “اتجاهات سوق الخدمات البنكية الرقمية” المقدم من شركة رؤى السوق العالمية “Global Market Insights” لأبحاث السوق والاستشارات في 2020، فقد بلغ حجم سوق الخدمات البنكية الرقمي عالميًا حوالي 8 تريليونات دولار في 2019، ومن المتوقع أن تسجل معدل نمو سنوي مركب بنسبة 6% من عام 2020 إلى 2026 ليصل حجم السوق إلى 12 تريليون دولار في 2026. ويرجع هذا النمو للخدمات البنكية لعدة أسباب؛ أولًا: تغير سلوك العملاء لتفضيلهم تقليل الحاجة لزيارة الفرع البنكي والتعامل مع الأفراد -وخصوصًا أثناء الجائحة- وتوفير الوقت والتمتع بالقدرة على الوصول أو إجراء احتياجاتهم البنكية في أي وقت وليس فقط في ساعات العمل. ثانيًا: زيادة الاستثمار العالمي في التكنولوجيا المالية، حيث بلغت القيمة المقدرة للاستثمارات في التكنولوجيا المالية 135.7 مليار دولار في عام 2019 فقط مع اتجاه البنوك لعمل موقع إلكتروني أو تطبيق خاص بهم لتوفير الخدمات البنكية. ثالثًا: السياسات الحكومية الداعمة للقطاع. وأخيرًا: نمو صناعة التجارة الإلكترونية التي تطلبت توفير طرق إلكترونية مختلفة (والتي من شأنها أن تستوعب حجم المتسوقين عبر الإنترنت) للدفع الإلكتروني.

الشكل (1): عدد مستخدمي الخدمات البنكية عبر الإنترنت النشطين – الشكل (2): عدد مستخدمي الخدمات

المصدر: قسم ستاتيستا “Statista” للبحوث بالتعاون مع شركة جونيبر للأبحاث، 2021.

إضافة إلى ذلك، وفقًا لشركة “جونيبر” “Juniper Research Limited” لأبحاث التسويق والخدمات الاستشارية بالتعاون مع قسم ستاتيستا “Statista” للأبحاث 2021، فقد بلغ عدد مستخدمي الخدمات البنكية عالميًا في 2020 نحو مليار و903.2 ملايين شخص، ومن المتوقع أن يصل عددهم إلى 2 مليار و551.8 مليون شخص في عام 2024. وبالمنطقة، فإن منطقة الشرق الأقصى وآسيا تحتوي على أكبر عددٍ لمستخدمي الخدمات البنكية لتصل إلى 805.1 ملايين شخص في 2020، ومن المتوقع أن تصل إلى 974.3 مليون في عام 2024. جدير بالذكر أنه من المتوقع أن يرتفع عدد مستخدمي الخدمات البنكية في كل المناطق.

ثانيًا: سوق الخدمات البنكية الرقمية مصريًا

تُعد مصر واحدة من الأسواق الناشئة ذات نسبة عالية من الأمية المالية. أو بمعنى آخر لا تزال الأعمال المصرفية في مصر وإفريقيا أقل نضجًا من تلك في أوروبا والولايات المتحدة ومنطقة آسيا، على سبيل المثال، الأمر الذي يزيد من صعوبة فهم أو التأقلم مع التغيرات في السوق المالية في مصر والمنطقة، وعدم قدرة الأفراد على التمتع بالخدمات والمميزات التي يوفرها القطاع. ووفقًا للصحيفة الأمريكية “تِك كرانش” “TechCrunch” -التي تركز بشكل أساسي على الشركات صاحبة التكنولوجيا العالية والشركات الناشئة- في 17 مايو 2021، فإن اثنين من كل ثلاثة أفراد لا يمتلكون حسابات مصرفية في مصر، أي حوالي 33% فقط من يمتلكون حسابات مصرفية. وتبلغ هذه النسبة 40% فقط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. في حين أنه وفقًا لبيانات استطلاع ثقة المستهلك الأسبوعي في الولايات المتحدة من “إبسوس فوربس” “Ipsos-Forbes” في فبراير 2021، فإن قابلية الأمريكيين لفهم والتأقلم مع السوق المالية ومتغيراتها تعد سريعة مقارنة بالأسواق الأخرى. فعلى سبيل المثال، مع انتشار أكثر من 60 بنكًا رقميًا في الأعوام القليلة السابقة، فقد تأقلم الأفراد مع المنهجية الجديدة ليصل نسبة أولئك الذين استخدموا تطبيق الهاتف المحمول لبنكهم خلال العام الماضي لقضاء المهام المصرفية اليومية 76% أي حوالي 3 من كل 4 أفراد.

وتم إطلاق أول بنك رقمي مصري “تيلدا” “Telda” في أبريل وحصل على 5 ملايين دولار في جولة تمويل ما قبل التأسيس بقيادة “سيكويا كابيتال” “Sequoia Capital”. وبذلك، فقد أصبح بنك تيلدا صاحب أكبر قيمة تمويل تأسيسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. 

وتعمل تيلدا على تقديم خدماتها البنكية إلكترونيًا تمامًا مثل البنوك ذات الفروع المادية، حيث إنها توفر لعملائها القدرة على إنشاء حساب مجاني لإرسال واستقبال الأموال، كما أنها تعمل على توزيع بطاقاتها ليتمكن حاملوها من استخدامها على الإنترنت وفي المتاجر لدفع الفواتير. إضافة إلى ذلك، فإنها تعد أول شركة تحصل على ترخيص من البنك المركزي المصري، الأمر الذي يتيح لها بموجب اللوائح الجديدة إصدار البطاقات والسماح للشركة بأن يستخدم العملاء تطبيقها.

وتُعد إحدى الصعوبات الضخمة التي واجهت تيلدا هي بناء أو تمهيد البنية التحتية للبنوك الرقمية، ولكنها تخطط الآن لإنتاج البطاقات وتوزيعها باستخدام التمويل الجديد من سيكويا، هذا بالإضافة إلى إعلانها أن أكثر من 30 ألف فرد سجل على تطبيقها، وقد طلب بالفعل نصفهم الحصول على البطاقات. وتخطط تيلدا لإصدار حوالي مليون بطاقة في عامها الأول. 

وفي ضوء رؤية البنك المركزي المصري بشأن رقمنة المدفوعات وهو ما سيساهم في الحد من الفساد في القطاع المالي والقدرة على التحكم في حجم القطاع غير الرسمي وغيرها من المميزات، وهدف مصر لتحويل اقتصادها رقميًا لتسريع التنمية وتحديث اقتصادها وتعزيز الحياة اليومية للمجتمع. ووفقًا لتِك كرانش، فقد تزايدت الاستثمارات المصرية في قطاع التكنولوجيا، وسجلت أكبر عدد من صفقات الاستثمار في الشركات التكنولوجية الناشئة، حيث مثلت 24% من إجمالي عدد المعاملات في إفريقيا في 2020 بإجمالي 86 صفقة.

إضافة إلى ذلك، وفقًا لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فقد زاد عدد الأفراد الذين لديهم القدرة على الوصول إلى الإنترنت مع تحسن الجودة، وذلك بسبب الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية. وقد تقدمت مصر بخمسة مراكز عالميًا في مؤشر الإنترنت الشامل لعام 2021 عن العام السابق لتحتل المركز رقم 73 في 2021 من 78 في 2020 من بين 120 دولة. والمركز الرابع من بين 29 دولة إفريقية، الأمر الذي سيساهم في زيادة جاذبية قطاع البنوك الرقمية في مصر ومن ثم نمو القطاع.

بشكل عام، تُعتبر مصر أحد الأسواق الواعدة في المستقبل للبنوك الرقمية، حيث إنها تعتبر من أكبر الأسواق الاستهلاكية في إفريقيا من حيث الحجم، كما أن الاقتصاد المصري يعتمد بشكل ضخم على الأموال النقدية، ولا يزال استخدام بطاقات الدفع محدودًا. اتخذت تيلدا الخطوة الأولى للاستفادة من تلك الفرص، ولا يزال السوق ضخمًا ليمثل فرصة لبنوك رقمية أخرى للحصول على نسبة كبيرة من الحصة السوقية مع زيادة الوعي لدى الأفراد وتطبيق سياسات داعمة للقطاع ودعم ريادة الأعمال الرقمية.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة