وحدة الدراسات الأمريكية

جدل مُستمر وتداعيات مُقلقة: قرار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان

بالتزامن مع مطلع مايو 2021، بدأت القوات الأمريكية في الانسحاب رسميًا من أفغانستان بعد بقائها طيلة العشرين عامًا الماضية على الأراضي الأفغانية في إطار الحرب الطويلة التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد تنظيم القاعدة وحركة طالبان بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وأشارت المصادر المُختلفة إلى أن بعض الجنود سيتم عودتهم مُباشرةً إلى بلدانهم مع معداتهم العسكرية، في حين سيتم توزيع آخرين على قواعد أمريكية قريبة خارج الأراضي الأفغانية، وستمنح الحكومة الأمريكية بعض معدات القوات المنسحبة للسلطات الأفغانية، وستدمر باقي المعدات خشية وقوعها في أيدي الجماعات الإرهابية الموجودة على الأراضي الأفغانية. أطول حرب في تاريخ الولايات المُتحدة الأمريكية تُشارف على الانتهاء…

مني قشطة
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

بالتزامن مع مطلع مايو 2021، بدأت القوات الأمريكية في الانسحاب رسميًا من أفغانستان بعد بقائها طيلة العشرين عامًا الماضية على الأراضي الأفغانية في إطار الحرب الطويلة التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد تنظيم القاعدة وحركة طالبان بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وأشارت المصادر المُختلفة إلى أن بعض الجنود سيتم عودتهم مُباشرةً إلى بلدانهم مع معداتهم العسكرية، في حين سيتم توزيع آخرين على قواعد أمريكية قريبة خارج الأراضي الأفغانية، وستمنح الحكومة الأمريكية بعض معدات القوات المنسحبة للسلطات الأفغانية، وستدمر باقي المعدات خشية وقوعها في أيدي الجماعات الإرهابية الموجودة على الأراضي الأفغانية.

أطول حرب في تاريخ الولايات المُتحدة الأمريكية تُشارف على الانتهاء مع إعلان الرئيس الأمريكي “جو بايدن” في إبريل الماضي أنه سيبدأ سحب القوات الأمريكية من أفغانستان اعتبارًا من أول مايو 2021 لإنهاء أطول حرب أمريكية استمرت على مدار العقدين الماضيين. وفي خطاب ألقاه في البيت الأبيض، أقر بايدن بأن أهداف الولايات المتحدة في أفغانستان “أصبحت غامضة على نحو متزايد خلال العقد المُنصرم”، وحدد مُهلة لسحب جميع القوات الأمريكية المتبقية في أفغانستان والبالغ عددها 2500 في موعد أقصاه 11 سبتمبر المُقبل، وذلك بالتزامن مع الذكرى الـ20 لوقوع هجمات 11 سبتمبر، التي نفذها تنظيم القاعدة في الولايات المُتحدة الأمريكية انطلاقًا من أفغانستان.

ومع إعلان إدارة بايدن عزمها سحبَ كافة القوات الأمريكية المُرابطة على الأراضي الأفغانية بحلول سبتمبر المُقبل؛ ظهرت التكهنات حول مستقبل الأمن في أفغانستان بعد الانسحاب، وانقسمت الآراء ما بين مُؤيد ومُعارض للقرار الأمريكي. وفي هذا الصدد، جاء العدد الأخير الصادر خلال الشهر الجاري من مجلة “فورين أفيرز” وهي مجلة أمريكية تصدر شهريًا عن مجلس العلاقات الخارجية.

تضمن العدد مجموعة من المقالات قدمها كبار المسئولين (بمن فيهم سفراء الولايات المتحدة، وقادة القوات العسكرية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي، والرئيس الحالي لأفغانستان أشرف غني، بالإضافة إلى كبار العلماء والصحفيين) على مدى العقدين الماضيين، وقد تتبعت هذه المقالات أبرز محطات الحرب في أفغانستان بدءًا من دخول القوات الأمريكية حتى القرار الأخير بالانسحاب، وعواقب هذا الانسحاب بالنسبة لأفغانستان وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. وفي هذا المقال سنسلط الضوء بمزيد من التفصيل والتحليل على أبرز الآراء التي وردت في هذا العدد.

بايدن وقرار الانسحاب من أفغانستان

انقسمت الآراء ما بين مؤيد ومُعارض لقرار الرئيس بايدن بشأن موعد الانسحاب المُقرر من أفغانستان بحلول سبتمبر المُقبل. المُعارضون للانسحاب يرون أن التداعيات الخطيرة جراء الانسحاب غير المشروط لا تقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل تمتد إلى المجال السياسي والاجتماعي أيضًا. وحُجتهم في ذلك أن انسحاب القوات من شأنه أن يؤدي إلى فقدان الكثير من المكاسب التي تحققت خلال الفترة الماضية، لعل أبرزها حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق الإنسان بصورة عامة. كما يصفون القرار بأنه يتسم بالضعف، ويعتمد على السياسة الداخلية أكثر من اعتماده على استراتيجية الأمن القومي.

وعلى الرغم من ارتفاع فاتورة الحرب الأمريكية في أفغانستان، إلا أن العديد من أعضاء الكونجرس انضموا إلى الاتجاه المُعارض للانسحاب الكامل للقوات الأمريكية تحسبًا لعودة الحركات الإرهابية للسيطرة على الأراضي الأفغانية من جديد. وقد بدا هذا واضحًا في العديد من التصريحات التي أعقبت إعلان قرار الانسحاب الأمريكي، من بينها وصف زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور الجمهوري ميتش ماكونيل قرار الرئيس جو بايدن بسحب جميع القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر بأنه “خطأ فادح” و”تنازل عن القيادة الأمريكية”.

من جانبها، أبدت السيناتور الديمقراطية جين شاهين اعتراضها على القرار قائلة: “أشعر بخيبة أمل كبيرة لقرار بايدن تحديد موعد نهائي للانسحاب من أفغانستان في سبتمبر. وعلى الرغم من أن هذا القرار تم اتخاذه بالتنسيق مع حلفائنا، فقد ضحت الولايات المتحدة أكثر من اللازم لإحلال الاستقرار في أفغانستان، ويجب ألا نخرج إلا بضمانات يمكن التحقق منها بمستقبل آمن”. وتابعت: “الانسحاب يقوض التزامنا تجاه الشعب الأفغاني، خاصة النساء الأفغانيات. إنني أحث إدارة بايدن على بذل كل جهد ممكن من الآن وحتى سبتمبر لحماية التقدم المحرز ودعم شركائنا في تشكيل حكومة انتقالية شاملة”.

وفي المُقابل، يرى المؤيدون للقرار أنه لا بد من إنهاء الحرب الأمريكية في أفغانستان وعودة القوات الأمريكية الموجودة على الأراضي الأفغانية، ويعبر هذا الفريق عن الرأي العام الأمريكي الذي سئم من الحرب المُستمرة منذُ عقدين من الزمان، والتي كلفت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 2 تريليون دولار، وأسفرت عن مقتل أكثر من 2400 جندي أمريكي، وإصابة أكثر من 20 ألفًا، وذلك وفقًا لما أفادت به تقارير إعلامية أمريكية.

ومن أبرز التصريحات التي أيدت قرار الانسحاب الأمريكي ما قاله السيناتور جاك ريد، رئيس لجنة القوات المسلحة، بأن الموعد النهائي الذي حدده الرئيس دونالد ترامب في الأول من مايو قد حد من خيارات بايدن. قائلًا: “لا تزال لدينا مصالح حيوية في الحماية من الهجمات الإرهابية التي يمكن أن تنبع من ذلك الجزء من العالم، ولكن هناك مناطق أخرى أيضًا علينا أن ندركها”. من جانبه قال السيناتور الديمقراطي تيم كين، من ولاية فرجينيا، إن “القوات يجب أن تعود إلى الوطن، ويجب على الولايات المتحدة إعادة تركيز الأمن القومي الأمريكي على التحديات الأكثر إلحاحًا”.

ويتفق مع هذا الاتجاه أيضًا Michael McKinley، سفير الولايات المتحدة في كابول (2014-2016) وكبير مستشاري وزير الخارجية، في مقاله بالعدد الأخير من فورين أفيرز، ويبرر موقفة المُؤيد بأن الوجود العسكري الأمريكي إلى أجل غير مُسمى لن يجلب الوحدة المنشودة إلى أفغانستان، ولن يحمّل الولايات المتحدة سوى المزيد من الأعباء المادية والبشرية، كما انتقد McKinley الدعم العسكري الأمريكي لأفغانستان، وحجته في ذلك أنه إذا استمرت القوات الأمريكية فسيتم استهدافها، مما يعني المزيد من الخسائر المادية والبشرية للولايات المتحدة الأمريكية.

ويؤكد الرئيس الأفغاني الحالي، أشرف غني، أيضًا في العدد نفسه الذي نحن بصدد الحديث عنه، جدوى القرار الأمريكي مُعللًا موقفة المُؤيد لخروج القوات الأمريكية بأن إتمام عملية الانسحاب يُعد فرصة للشعب الأفغاني لتحقيق سيادة حقيقية بعد مُضيّ 20 عامًا قامت خلالها 40 دولة بنشر قوات أمن في أفغانستان، كما يرى “غني” أن الانسحاب من شأنه أن يؤدي إلى توقف الهجمات الدامية التي تقوم بها حركة طالبان، والتي تُنفذ هذه الهجمات كنوع من أنواع الجهاد ضد القوات الأجنبية.

وفي ضوء هذا السجال الدائر بين مُؤيدي ومُعارضي القرار الأمريكي فإن قرار بايدن حول سحب القوات الأمريكية من أفغانستان سيخضع على الأرجح لإعادة النظر مرة أُخرى نظرًا للظروف المحيطة، سواء فيما يتعلق باستمرار الصراع الدائر في أفغانستان وتعثر مُباحثات السلام الأفغانية-الأفغانية، هذا بالإضافة إلى تصاعد عمليات العنف داخل البلاد، والتي تَزيد من احتمالية شن عمليات إرهابية من أفغانستان ضد دول التحالف والولايات المتحدة الأمريكية وباقي دول الجوار، الأمر الذي يتطلب معه المزيد من التأني وإعادة النظر لتجنب التداعيات السلبية المُحتملة من إتمام عملية الانسحاب بحلول سبتمبر المُقبل.

طالبان واستثمار الانسحاب الأمريكي

عقب القرار الأمريكي بالانسحاب انهالت التحذيرات المُختلفة من أن الانسحاب غير المشروط قد يؤدي إلى حرب أهلية على الأراضي الأفغانية، ومن ثمّ سقوط كابول، وحدوث تدفق كبير للاجئين، وعودة حركة طالبان للانتقام من الأفغان الذين وقفوا إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، وعودة عناصرها للسيطرة على أفغانستان من جديد.

ويؤكد Carter Malkasian في مقال له في العدد الأخير من مجلة “فورين أفيرز” أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان سيترك فراغًا أمنيًا من الممكن استغلاله بسهولة من مُسلحي حركة طالبان، كما يُمكن أن يكون مُحفزًا لها للتقدم في القتال وتجنب التسوية على طاولة المفاوضات، انطلاقًا من فرضية مُفادها: “لماذا أوافق على القبول بالتسوية وتقاسم السلطة في حين أن بإمكاني أخذها بالقوة؟”.

جدير بالذكر أن حركة طالبان تُسيطر على أكثر من نصف الأراضي الأفغانية، ولا سيما مساحات واسعة في الأرياف والطُرق الاستراتيجية بأفغانستان، كما أن عدد عناصرها اليوم أصبح أكبر مما كان عليه في عام 2018، ويُشاع أن كبار قادتها عادوا إلى أفغانستان من باكستان، هذا بالإضافة إلى أن مقاتلي الجماعة مُسلحون ومُجهزون بشكل جيد بعد أن استولوا على مخزون كبير من مُعدات الجيش الأفغاني.

ولعل تصاعد الهجمات الدامية على الأراضي الأفغانية مُؤخرًا خير دليل على خطورة الوضع في أفغانستان. فبالتزامن مع انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان صعدت حركة طالبان من هجماتها الدامية في شتى أنحاء البلاد، فلا يكاد يمر يوم تقريبًا من دون وقوع هجوم دامٍ يستهدف المدنيين والقوات الحكومية الأفغانية، تاركًا مئات القتلى والمُصابين. ويستدل على ذلك -على سبيل المثال- مما حدث في 10 من مايو 2021، حيثُ أعلنت وزارة الداخلية الأفغانية مقتل ما لا يقل عن 13 مدنيًا وإصابة 42 آخرين في انفجارين وقع أحدهما في إقليم زابول والآخر بإقليم بارون في أفغانستان، واتهمت الداخلية الأفغانية حركة طالبان بمسئوليتها عن تنفيذ تلك الهجمات.

في ضوء ما سبق، يُمكن القول إن قرار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بحلول سبتمبر المُقبل قد جاء مستعجلًا للغاية، وفي وقت حرج تعيشه أفغانستان في ظل الخلافات بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، وفي ظل تصاعد الهجمات الدامية سواء من حركة طالبان أو باقي الجماعات الإرهابية الأخرى مثل تنظيم داعش، والتي تودي بحياة العشرات من المدنيين يوميًا. فكما تُشير التحليلات المُختلفة، فإن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان من شأنه أن يؤدي إلى حالة من الفراغ الأمني، والمزيد من المخاطر على مستوى الأمن الداخلي، لا سيما وأن حركة طالبان تُسيطر على ثُلثي الأراضي الأفغانية، فيما تُسيطر القوات الأفغانية وقوات التحالف على ثلث الأراضي فقط. هذا بالإضافة إلى أن حركة طالبان أصبحت الآن أقوى بكثير مما كانت عليه في السابق. فعند بداية الحرب منذُ 20 عامًا كانت بالنسبة للولايات المُتحدة مُجرد جماعة إرهابية، أما الآن فقد أصبحت شريكًا أساسيًا تجلس معها على دائرة المُفاوضات.

ولذا، يُمكن القول إنه قد يحدث تراجع عن قرار انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان من قبل إدارة الرئيس بايدن، ولا سيما إذا ما تطورت الأوضاع في أفغانستان إلى أكثر من ذلك، وإذا ما حاولت طالبان فرض سيطرتها على المزيد من المناطق على الأراضي الأفغانية.

مني قشطة
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة