الدروس المستفادة من الحرب على غزة «1»

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

هذا العنوان هو بالأصل والنص، يخص الورقة البحثية التى نشرها مركز «بيجين – السادات» التابع لقسم العلوم السياسية داخل جامعة بار إيلان الإسرائيلية. وهو من المراكز البحثية المهمة داخل إسرائيل، حيث يقدم نفسه باعتبار عمله فى الأصل موجهًا إلى صناع القرار السياسى الإسرائيلى، فى الحياة العسكرية والمدنية والمؤسسات الأمنية، فضلًا عن المختصين بالشئون الخارجية فى إسرائيل وخارجها من السلك الدبلوماسى، والصحافة والمجتمع الأكاديمى وقادة الجاليات اليهودية حول العالم. هذا ما يتحدث به المركز عن نطاق التأثير، الذى يعمل عليه أعضاؤه وباحثوه من المفكرين الاستراتيجيين والخبراء الأكاديميين والعسكريين السابقين.  الورقة محل اهتمامنا بقراءتها اليوم كتبها اللواء «احتياط» جيرشون هاكوهين، الذى خدم…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

هذا العنوان هو بالأصل والنص، يخص الورقة البحثية التى نشرها مركز «بيجين – السادات» التابع لقسم العلوم السياسية داخل جامعة بار إيلان الإسرائيلية. وهو من المراكز البحثية المهمة داخل إسرائيل، حيث يقدم نفسه باعتبار عمله فى الأصل موجهًا إلى صناع القرار السياسى الإسرائيلى، فى الحياة العسكرية والمدنية والمؤسسات الأمنية، فضلًا عن المختصين بالشئون الخارجية فى إسرائيل وخارجها من السلك الدبلوماسى، والصحافة والمجتمع الأكاديمى وقادة الجاليات اليهودية حول العالم. هذا ما يتحدث به المركز عن نطاق التأثير، الذى يعمل عليه أعضاؤه وباحثوه من المفكرين الاستراتيجيين والخبراء الأكاديميين والعسكريين السابقين. 

الورقة محل اهتمامنا بقراءتها اليوم كتبها اللواء «احتياط» جيرشون هاكوهين، الذى خدم فى الجيش الإسرائيلى لمدة ٤٢ عامًا خاض خلالها العديد من الحروب على الجبهات المصرية والسورية، قبل أن ينضم إلى مركز بيجين كزميل أبحاث أول. اهتم اللواء «جيرشون» بوضع مجموعة من الدروس المستفادة من جولة تصعيد أخيرة، سماها بـ«الحرب على غزة». 

بداية الورقة مثيرة حيث تأتى كطبيعة الأوراق البحثية المهمة، تحت مسمى «الملخص التنفيذى» الذى يقول فيه بإيجاز إن الإنجازات الدفاعية للجيش الإسرائيلى ضد حماس فى الحرب الأخيرة كانت رائدة. ومع ذلك، على الرغم من تفوقها العملياتى فإنها ستواجه صعوبة فى الدفاع عن إسرائيل داخل حدود عام ١٩٦٧، خاصة فى حالة نشوب صراع متعدد المجالات. وقام بتفسير ذلك باعتبار الحرب الأخيرة عرضت إسرائيل للمرة الأولى لما سماها «استراتيجية قاسم سليمانى» التى طوقتها بحلقة نار من جميع الجبهات، بما فى ذلك الجبهة الداخلية. فهذه المرة حوَّلت ساحة غزة، التى تندلع فيها الحرب من وقت لآخر، المسجد الأقصى والقدس إلى نقطة محورية جديدة، مما أشعل فتيل أعمال شغب على مستوى البلاد من قبل عرب إسرائيل. 

وفق هذا الطرح، يبدو الكاتب يريد أن ينظر إلى المشهد ويقدمه من زاوية عكسية، حتى يتجاوز بمناورة ماهرة حقيقة أن القدس والأقصى هما من استدعيا غزة، وأن التجاوزات الإسرائيلية بحق فلسطينيى مدن الداخل هى التى دفعتهم للمشاركة للمرة الأولى، بأداء وضعهم كرقم يصعب على الجميع تجاوزه ومنهم هو شخصيًا.

لينتقل بعدها لسؤال استخلاصى مهم: ما الذى كان مفاجئًا فى هذه الحرب؟

فيما يتعلق بالاستعداد العملياتى، كان الجيش الإسرائيلى على استعداد للقتال. فى الوقت نفسه تعترف استخبارات الجيش الإسرائيلى بوجود قدر من المفاجأة، فى حقيقة أن حماس هى من بادرت بهذه الجولة. المفاجأة تكمن فى الإطار الجيوسياسى الجديد، حيث تركز «حماس» هذه المرة حملتها على قضية القدس. ويذهب لعقد مقارنة مع الحروب التى شهدها بقوله إن معارك القرن الماضى بما فى ذلك «حرب الأيام الستة» و«حرب يوم الغفران»، تطلب شن الحرب حينها انتشارًا مسبقًا من قبل العدو، مع ما يصاحب ذلك من إشارات تحذيرية لنية العدو. فعندما قرر الرئيس المصرى جمال عبدالناصر فى مايو ١٩٦٧ نقل قواته إلى سيناء، منح دخول سيناء وعملية انتشار القوات المصرية لإسرائيل فترة تحذير. وبالمثل، فى الفترة التى سبقت حرب يوم الغفران، كانت هناك علامات واضحة على الاستعداد للحرب، رغم أنه فى هذه الحالة للأسف اختارت استخبارات الجيش الإسرائيلى تجاهلها. منذ ذلك الوقت، اعتمد التقييم الاستخبارى على المراقبة الدقيقة والمنتظمة للعلامات المنذرة. وهنا تسببت قدرة حماس فى تحقيق المفاجأة، إلى إحداث تغيير جوهرى. 

فهو يرى أنه على عكس المنظمات العسكرية التقليدية، تستخدم حماس منطقًا يحد من وقت التحضير للعمل العسكرى. وقد تم بالفعل نشر معظم صواريخهم بشكل روتينى فى منصات إطلاقها، وينطبق الشىء نفسه على جزء كبير من قواتهم، كونهم فى الأساس من السكان المحليين. فكتائب الشجاعية وجباليا على سبيل المثال مأهولة من قبل سكان تلك الأحياء من المقاتلين على طول الطريق الوظيفى وصولًا إلى قادة الكتائب. وهذا يجعل الانتقال من الظروف الروتينية إلى حالة الطوارئ سريعًا للغاية، ولا يسمح لمخابرات الجيش الإسرائيلى إلا بفترة تحذير قصيرة. كما أضافت الورقة نقطة شديدة الأهمية، نرى أنها تمثل المحور الرئيسى للتحليل العسكرى الذى تقدمه، فهى ترصد أنه حتى فى ظل الظروف الروتينية، يتم نشر أجزاء كبيرة من قوات العدو القتالية فى جميع الأوقات فى حالة استعداد دائم للعمل، لذلك يحذر من أن الوقت القصير الذى يحتاجه العدو لبدء الأعمال العدائية، من اللحظة التى تتخذ فيها القيادة القرار إلى القيام بالعملية نفسها، يعنى أن إطلاق النار المفاجئ هو احتمال دائم. هذا التغيير يتحدى من وجهة نظر اللواء جيرشون هاكوهين الافتراضات الأساسية لمفهوم «بن جوريون» الأمنى، الذى كان حجر الزاوية فيه الاعتماد على فترة تحذير كافية، لذلك يتطلب تقصير زمن التحذير من إسرائيل، ضرورة مراجعة مفهومها الأمنى. وهو ما ذهب إليه رئيس الأركان «أفيف كوخافى» فى الخطة الجديدة، التى صاغها للنهج العملياتى للجيش الإسرائيلى، حيث قام بالفعل بإجراء تغييرات على النهج التقليدى للدفاع، كما جرى أيضًا فى عهد رئيس الأركان السابق «غادى آيزنكوت»، حيث تم استثمار الموارد المالية والتكنولوجية فى تطوير أدوات الدفاع، بما فى ذلك الجدار الخرسانى المبنى تحت الأرض حول قطاع غزة!

فى هذا الجزء من الورقة البحثية، نجدنا أمام مراجعة حقيقية لنظرية الأمن الإسرائيلى التقليدية، وربط بعض عمليات التحديث التى قام بها اثنان من رؤساء أركان الجيش، بأهمية الالتفات لتلك المراجعة الواجبة، ووضعها فى إطار خطة متكاملة يجب البدء فى استكمالها. على نحو يقدم استجابات لما جرى خلال أحداث الجولة الأخيرة من التصعيد، التى وصفت بـ«الحرب». مما يضع نظرية الأمن الإسرائيلى فى موضع المراجعة أمام قدرات الكيانات غير التقليدية، فقد ضرب اللواء الإسرائيلى المثال فى أكثر من موضع بـ«حزب الله» فضلًا عن حماس، باعتبارهما النموذج الذى يجب من وجهة نظره أن يخضع للدراسة، فهو يتناول فى الجزء التالى من ورقته البحثية الأسلحة التى جرى استخدامها وحدود تأثيرها، فضلًا عن قدرات الجيش الإسرائيلى على مواجهتها وتحجيم دورها. وهذا ما سنتناوله فى الأسبوع المقبل بمشيئة الله.

نقلا عن جريدة الدستور، ٢ يونيو ٢٠٢١

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب